الدرس : 5 - سورة الأنعام - تفسير الآية 151 ، الأمثال لأمر الله سبحانه وتعالى

1994-06-25

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
 أيها الأخوة الكرام:
 في القرآن الكريم: آياتٌ كونية، وفي القرآن الكريم، أوامر ونواهي ووعدٌ ووعيد، ووصفٌ للجنة، ووصفٌ للنار.
 أحد أبرز آيات القرآن الكريم، آيات الأمر والنهي، وقد سئل الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، من ولي الله ؟ أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال لا، قال أهو الذي يمشي على وجه الماء، قال لا، قال الولي كل الولي أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
 لذلك من أدق تعاريف الأولياء، تعريف قرآني.

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

(سورة يونس: 62 ـ 63)

 فأنت حينما تتقي أن تعصي الله، وحينما ترغب أن تطيعه، وحينما يجدك حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، وحينما تكون عند الأمر والنهي، وحينما يكون أمر الله عندك عظيماً.
 النبي عليه الصلاة والسلام، وصف الذنب بالنسبة للمنافق، كأنه ذبابة دفعها عن وجهه، ووصف الذنب بالنسبة للمؤمن، كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره.
 فمن أجل أن تعرف أين أنت من الإيمان ؟ هل إذا وقعت في غلطةٍ أو ذنبٍ هل تتألم ألماً شديداً.
 من ساءته سيئته وسرته حسنته فذالكم المؤمن.
 تنفيذاً لهذه المقدمة، يقول الله عز وجل: في الآية الواحدة والخمسين بعد المائة من سورة الأنعام.

 

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)﴾

 علة المؤمن إذا قرأ القرآن الكريم، وقرأ.

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 فأي أمر يأتي في القرآن الكريم، يعلم أنه موجهٌ له، أنت مؤمن.
 ويقول الله عز وجل:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 

 فإذا ما شعرت أن هذا الأمر موجهٌ لك، وأنه عليك أن تطبقه فهذا ضعف في إيمانك، إن لم نقل انعدام في إيمانك.
 ربنا عز وجل يقول:

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾

 يعني أكبر ذنب، كما قلنا البارحة، أكبر ذنب، وهذا الذنب لا يغفر لا لأن الله لا يغفره، بل لأنك توجهت إلى غير الله، ليس المعنى أن الله عز وجل لا يرحم، لا، لكن أنت توجهت، إلى شيء، إلى لاشيء توجهت إلى مخلوق، توجهت إلى ضعيف، توجهت إلى فاني، توجهت إلى فقير، إلى جاهل، فكيف ترجوا من الله العطاء ؟ وقد توجهت إلى غيره.
 لذلك كما قلت البارحة، الذنب الذي لا يغفر أن تشرك بالله عز وجل أول نهي.

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾

 من هو سبب وجودك ؟ أبوك وأمك.

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

(سورة الإنسان: 1)

 سنة ألف وتسعمائة وعشرة، ما في حدى منا بهذا السن ولدان، ألف وتسعمائة، ألف وثمانمائة وتسعين، بعض من الحاضرين وأنا معكم كان له اسم بهذا البلد ؟ كان له وجود ؟ ما في.
 الأب والأم هما سبب وجودك، إذاً الله جل جلاله رفع أمر الإحسان إليهما إلى مستوى عبادته.

 

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

 

(سورة الإسراء: 23)

 بعد الشرك.

 

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

 

 فهذه الباء أيها الأخوة، بمعاجم اللغة لا تقرأ إلا أحسنت إليه، فعل أحسن يتعدى بإلى، إلا في القرآن في هذه الآية، يتعدى فعل أحسن بالباء، طيب لماذا تعدى بالباء في القرآن، وفي معاجم اللغة يتعدى بإلى، تقول أحسنت إليه أما هنا، وبالوالدين إحسانا، قال هذه الباء تفيد الإلصاق، أمسكت به، تفيد السببية، تفيد المجاوزة، تفيد الظرفية، لها أكثر من عشرين معنى، من معانيها الإلصاق، يعني إحسانك إلى أبيك وأمك، لا يقبل بالوكالة إلا منك بالذات، أيام بقول إنسان للسائق خذ أبي مشوار، غير مقبول هذا، قدم لوالدي هذه الحاجة يجب أن تذهب أنت بنفسك، يجب أن تخدمه بنفسك.
 هذا معنى:

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾

 قد يسأل سائل ما علاقة هذه الآية بحياتنا اليوم، كل إنسان من أجل كسب المال يضحي بدين ابنه كأنه قتله.
 ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾

(سورة البقرة: 191)

 أكثر الأباء من أجل تحصيل المال الوفير يزجون بأولادهم في متاهات لا ينجون منها.
 يعني دين رقيق يبعثه لوحده إلى بلد أجنبي، وهناك الزنى أقرب إلى الشاب من ظله، فحينما يضحي الأب في دين ابنه وآخرة ابنه، وسعادة ابنه من أجل كسب المال فقط، قتله.

 

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ﴾

 من إملاق، يعني من فقر، أي خشية الفقر.

 

 

﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾

 

 إذاً الأب والأم يحسنوا إليهما، وربنا عز وجل قال:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾

(سورة طه: 132)

 الأب ماله حق، الأب المسلم، أن يضحي بدين ابنه وآخرة ابنه من أجل كسب مال وفير.

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾

 أي شيئاً تخشى، إذا نقل عنك تستحي منه هذه فاحشة، فكل عمل تفعل في السر تخشى أن يظهر أو أن ينقل أو أن يتحدث به فهو فاحشة، الشيء المشين، الشيء الذي تستحي به، العدوان على أعراض الناس فاحشة، العدوان على أموالهم فاحشة، الائتمار على أخذ ما في أيديهم فاحشة.

 

 

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

 

 يعني القتل بالحق، أيام حشرة لا تؤذي يمعسها برجله، نملة لا تؤذي في حشرات مسموح لك أن تقتلها، ولكن في حشرات لا تؤذي، فهذا الذي كلما وقعت عينه على مخلوقاً قتله، هي نفس.

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾

 أخوانا الكرام:
 أية معصية فيها قوة جذب، يأتي التحريم به بهذه الصيغة:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾

 معصية الزنى، المرأة محببة، الخلوة محرمة، والاختلاط محرم، والحديث عن النساء بما يغري بفعل الفاحشة محرم، وصحبة الأراذل محرمة، لأنها كلها تقود إلى الزنى.
 فالإنسان ينبغي أن يجعل بينه وبين المعصية هامش آمان، تصور نهر عميق مخيف له ضفة مائلة، وعلى هذه الضفة المائلة حشائش زلقة، فأنت إذا سرت على هذه الضفة المائلة على النهر، هن في خطر وقوع في النهر، لا بد من ترك هامش آمان بينك وبين النهر، تماماً كالتيار 8000 فولت، ثمانية أمتار يجب أن تبتعد عنه، إذا دخلت في حرم التيار جذبك إليه، وأصبح الإنسان قطعة من فحم، فالإعلانات دائماً ممنوع الاقتراب من التيار الكهربائي، الاقتراب وليس المس، سوف أعيدها على مسامعكم مرة أخيرة.

 

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..