موضوعات في التربية - الدرس : 124 - محاسبة النفس .

2000-01-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الإنسان المُوَفّق والناجح في الحياة، من حينٍ إلى آخر يُرَتِّبُ أوراقه، ويُراجعُ حساباته، ويضَعُ خِطّةً مرْحليّة، وكلّ إنسانٍ ناجحٍ هكذا يفعل، من حينٍ لآخر يرتّبُ أوراقه، يُراجعُ حساباته، ويضعُ خِطّةً لِمَرحلةٍ قادمة، فنحن بعد رمضان دخلنا في أوّل العام، رمضان دَوْرةٌ مكثّفة جدًّا، فيها صلاةٌ، وقيامٌ، وصِيامٌ، وغضّ بصر، وضَبْطُ لسانٍ وإنفاقُ مالٍ، وقراءة قرآن، وكلّ واحدٍ حصَّل في هذا الشّهر ما سمَحَ الله أن يحصّلهُ، بِحَسَبِ ورَعِهِ، واسْتِقامتِهِ، ونِيَّتِهِ العاليَة في عبادته، وفي صَوْمِهِ، الآن بعد رمضان ماذا ينبغي أن نعمل ؟
 أيها الإخوة الكرام، أوّل حقيقة هو أنّ الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره، الإنسان عليه أن يتأمَّل، هذا المَكْسب الذي حصّله في رمضان ينبغي أن يحافظ عليه بعد رمضان، الآن مراجعة الحسابات، هل في البيت مشكلة ؟ هل في البيت معصيَة ؟ هل في خروج البنات والزوجة مخالفة لِشَريعة الله عز وجل ؟ هل في البيت لقاءٌ لا يُرضي الله عز وجل ؟ هل في البيت علاقة اجتِماعيّة خارج منهج الله عز وجل ؟ نبدأ بالبيت والأصحّ أن نبدأ بالذات ؛ كيف اتّصالك بالله تعالى ؟ كيف تِلاوَتك للقرآن ؟ كيف ذِكْرُك لله تعالى ؟ كيف ضبْط حواسّك الخمْس ؟ كيف ضبْط أعضائِك ؟ كيف ضبْكُ لسانك ؟ ابْدَأ بِمُراجعة الذات، ثمّ مراجعة البيت، ثمّ مراجعة العمل، ثلاثةٌ مرتكزاتٍ كُبرى، فإذا كانت هناك مخالفة يجبُ أن تُزال، ولنفْترض جدلاً أنَّ واحدًا منَّا لا سمَحَ الله، ولا قدَّر لمْ يحقّق في رمضان شيئًا يُذْكر، مضى عليه رمضان كأحد شُهور العام، ماذا يفعل ؟ بإمكانِهِ أن يفْتَحَ مع الله صفْحةً جديدة في واحد شوّال.
 أوَّلاً ضبْطُ الذات، أنت كإنسان تحتاج إلى علْم، وإلى عمل، وإلى حال هذه الحاجات الثلاثة الأساسيّة، تحتاجُ إلى علم، هل أنت مواظبٌ على مجلس علم ؟ هل تواظب على مجالس علمٍ متكاملة ؟ درس تفسير، درس حديث، درس سيرة، هل أنت تتابعُ بعض القضايا بِنَفسِك؟ هل تسأل ؟ فالعِلْم أساسي فهو الذي يُميّز أهل الدنيا عن أهل الآخرة، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10 ﴾

(سورة الملك)

 فأنت لابدّ من طلب العلم، ويظلّ المرءُ عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنّه قد علم فقد جهل، فلابدّ من تغطيَة هذه الحاجة الأساسية ؛ طلب العلم الآن العمل، أخطرُ سؤال أين أنت مِمَّا تعلم ؟ كلّ واحدٍ مِنَّا وصَلَ إلى سمْعه حقائق كثيرة جدًّا، أين هو منها ؟ إذا كانت لك جُرأة أمام نفسك أنْ تكتشف الشيء الذي تعتقدهُ، والشيء الذي تدْعو إليه، وأنت غير مُطَبِّقٍ له هذه في حقّ الإيمان جريمة، مرّةً وقعَ تحت يدي كتاب مُصدّر بأربعة أدعيَة وفي الحقيقة مؤثّرة جدًّا، أوّل دُعاء اللهمّ إنِّي أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسْعد بما علّمتني مِنِّي، أنت الآن طلبْت العِلم، بإمكانك أن تُلقي على الناس دُروسًا رائعةً، بِطُول أمد سماع العِلْم صار عندك ذخيرة، وصار عندك كتلة معلومات يمكن أن تقول هذا، لكنْ بُطولتك أن تكتشف ما إذا كانت هذه المعلومات التي حصَّلتها من دروس العلم تعيشها في حياتك اليوميّة أو لا تعيشها ؟ هل هي مُطبّقة في بيتك أم غيرُ مطبّقة ؟ الحقيقة ربّنا عز وجل يعْتبُ على المؤمنين، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾

 

[ سورة الصف ]

 فأوَّلُ ملاحظة، بدأت الدرس هكذا ؛ الإنسان الموفّق، الناجح في حياته، مِن حينٍ إلى آخر يرتِّبُ أوراقه الداخليّة، ويُراجعُ حساباته، ويضَعُ خِطَّةً مرحليّة، فَمِنْ باب مراجعة الحِسابات نبدأ بالذات، أنت مخلوقٌ في الأرض كي تعبدَ الله، والعبادة فيها جانبٌ معرفي، فهل أنت مواظبٌ على تحصيل العلم ؟ وهو كلّ شيءٍ في حياة المؤمن، طيّب تُحَصِّل أيَّ علم؟ علم القرآن، علم الحديث، علم السيرة، علم الشريعة، علم الحقيقة، أيّ علم تحصّل ؟ وهل تحصيلُك للعِلْم متكامل ؟ هناك مواد أساسيّة أنت حريصٌ عليها، لابدّ أن تكون على علم بِكِتاب الله، وبِسُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، والأحكام الفقهيّة، وبعض سِيَر الصحابة، فهل أنت تُتَابِعُ هذه الدّروس بِشَكلٍ دقيق ؟ إن كنتَ كذلك حقَّقْت الجانب الأوّل من العبادة، وهو طلب العلم، وطلب العلم مُسْتمرّ مع الحياة كلّها، لأنّ المقولة الرائعة ؛ أنت عالمٌ ما دُمْتَ تطلبُ العلم، فكلُّ من ظنَّ أنّه قد علِمَ فقد جهل، الآن المراجعة الدقيقة الخطيرة المحرجة، هذا الذي تعلَّمْتهُ ماذا عملْت به ؟ هذا الذي تعلّمتهُ في التفسير والحديث والفقه والسيرة ماذا عملْت به ؟ فإذا كان هناك تطابق فأنت رائع، أنت إنسانٌ صادق، أنت مخلص، أنت متماسك، أنت مِمَّن يحبّه الله عز وجل، أما إذا كان هناك انفصال، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾

 

 

[ سورة الصف ]

 هذه مشكلة كبيرة جدًّا، والإنسان يُسجّل، ويكتب، النّقطة الفلانية ضعيفٌ فيها أنا، ممكن أن تخجَل من الضّيوف، تجلسُ جلسة مختلطة، أنت بهذا خرقْت الاستقامة، ممكن تخجل من صديق كي تقوم تصلِّي، ممكن تخجل من صديق فتجلس معهُ مجلسًا لا يرضي الله عز وجل، الآن السُّلوك فالقصْدُ الأوّل تحصيلُ العلم، الآن السُّلوك، ثمّ إنّك تصلّي، وتقرأ القرآن، وتذكر الله تعالى، هل لك حالٌ مع الله ؟ لا بُكاء ولا خُشوع ولا قُشَعْريرةٌ، ولا من الذين إذا ذُكِر الله وجِلتْ قلوبهم، وإذا تُلِيَت عليهم آياته زادتهم إيمانا، وعلى ربّهم يتوكّلون، لا إن صلّيْتَ تشعر، ولا إن ذَكَرْت الله تشعرُ بشيءٍ، ولا إن قرأت القرآن تشعرُ بشيء، والله هناك مشكلة كبيرة جدًّا، أنت لماذا في أمور الدّنيا إن وجدْت ذبابة تطيرُ أمامك تراجع طبيب عُيون يقول لك أوّل موعِد بعد شهرين، وتنتظر الموعِد بِفارِغِ الصَّبْر، يكون جوابك ؛ العين لا لعِبَ معها ! لماذا تحرسُ على سلامة عيْنِك، ولا تحرصُ على سلامة قلبك، إذًا نحن خطّة المراجعة هي طلبُ العِلْم، والعمل بالعِلْم، والاتِّصال بالله عز وجل، هناك عقبات ومُثبّطات، وصوارخ، وعقبات كَأداء، وحجاب بينك وبين الله تعالى هذه هي المراجعة مع الذات، الآن خرجْت من ذاتك، زوجتك ؛ هل قصَّرْتَ في نصيحتها، هل هي في المستوى المطلوب ؟ هل تحْرصُ على دينها أم تحرصُ أن تأخذُ من خدماتها كلّ شيء، أولادك وبناتك، هل أنت في مستوى هذه الآية، قال تعالى:

 

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

 

[ سورة طه ]

 هل تأمرهم بالصلاة ؟ هل تجعلُ بيتك عامرًا بذِكْر الله ؟ أم هو بيتٌ كالقبر هل في البيت لقاءٌ طيّب بين المؤمنين ؟ مدارسة قرآن كريم، جلسة لِوَجه الله تعالى، هل بيتك عامرٌ بذِكْر الله أم عامرٌ بالأكل والشّرب ؟ والضحك والتُّرَف ؟ والسّهْرة إلى الساعة اثنان بالليل، والضَّحِك بمِلء الفم، بيتُكَ بماذا هو عامرٌ ؟ بعدما راجعْت ذاتك، وراجعْت طلبك للعلم، وراجعْت عملك بما تعلم، راجعْت حالك مع الله، الآن راجِع زوْجتك، وأولادك وبناتك.
الله عز وجل قال:

 

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

 

[ سورة طه ]

 وقال تعالى:

 

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾

 

[سورة الشعراء ]

 يا ترى إخواتك، أكثرُ الناس يلتقي مع أخيه النَّسَبي، كيف حالك ؟ هل يلزمك شيء ؟ السلام عليكم !! لا يهتمّ بِدينِهِ إطلاقًا، والله زرْتُه وهو الحمد لله بِخَير، هل بيت أخيك فيه دين أم لا ؟ هل فيه مخالفة أم لا ؟ أنت الأخ الأكبر، قال أحدهم: متى أدْعو إلى الله ؟ قلتُ له: كهذا الكأس حينما يمتلأُ يفيض، إذا كان فارغًا لا توجد دَعوَة، إذا امتلأ الكأسُ كلّه فاض على الآخرين.
 أنا أردْتُ من هذا الدّرْس أن يكون فاتحةُ عامٍ جديد، طبعًا رمضان انتهى، والآن نفتحُ مع الله صفحةً جديدة، لا يوجدُ أجملُ من التوبة إلى الله عز وجل، ولو كان هناك تقصيرٌ بِرَمضان نحن الآن مع الله دائمًا، وبإمكان كلّ مؤمن أن يجعل كلّ الشهور كشهر رمضان، الصلاة يمكن أن تصلّي، ولك أن تقرأ القرآن، ولك أن تذكرَ الله، ولك أن تطلب العلم، ولك أن تفعلَ ما تشاء، إذًا نحن نراجعُ أوراقنا، ونراجعُ حساباتنا، ونضعُ خِطَّةً لِسُلوكنا إلى الله عز وجل مرحليّة، والآن ما بين العيدين، ماذا ينبغي أن نعمل ؟ والله أنا أنصحُكم وأنصحُ نفسي معكم، لابدّ مِن جلسةٍ مع الله عز وجل، تقرأُ فيها القرآن، تصلّي، تذكرُ فيها الله عز وجل، هذه الجلسة شُحنة، قويّة جدًّا، تمامًا كالطاقة في المركبة، مركبةٌ بلا طاقة تقف، طاقة المؤمن العبادة، وإحكامها، فهذه لا بدّ منها، صلاتك أساسيّة، غضّ بصرك، الاستقامة، الآن علاقة بإخوانك، هناك إنسان سلبي، قال: أنا لا يوجد إنسان ينزعِج مِنِّي ! طيِّبْ ماذا قدَّمْتَ ؟ ماذا قدَّمْت للمسلمين ؟ ماذا حملت من هموم المسلمين ؟ ماذا حقَّقْت في هذا العُمر ؟ هل تركتَ علمًا يُنتفعُ به ؟ أو ولدًا صالحًا يدعو لك من بعدك ؟ أو عملاً طيِّبًا ؟ أو مؤسسّة خيرية ؟ أو ألَّفْت كتابًا معيَّنًا ؟ ساهمْت بِهِداية إنسان ؟ هل هناك سبعة أو ثمانية عن طريق جاءوا إلى المسجد ؟ هل كنت أنت السَّبَب في هدايتهم ؟ دائمًا الإنسان يحتاج إلى حركة، لكنْ مشكلة الناس يتحرّكون حركةً رتيبة نام واستيقظ وأكل وشرب، وذهب للمحلّ ورجع مساءً، وتعشّى، وقعد مع أهله، ونام واستيقظ ثاني يوم، حركة رتيبة ثابتة، لكنْ هل خرجْت عن هذه الحركة الرتيبة الثابتة ؟ هل تحرَّرْت من العرف الذي يعيشُه الناس جميعًا ؟ هل لك تطَلُّع إلى الله عز وجل ؟ أنا الذي أراهُ أنّ أجْمَلَ ما في الحياة أن يكون لك هدفٌ، وما من شيءٍ يجعلُ حياتك سقيمةً ممِلَّةً، رتيبةً كأنْ ينعدِمَ الهدف من حياتك، هذا الإله العظيم خلقك عبثًا ؟ كَوْنٌ ومجرّات ومائة ألف مليون مجرّة، وشُموس وكواكب، وأنظمة، والأرض فيها كلّ شيء، معادن وأشباه معادن، ونباتات، وأسماك وأطيار، وحيوانات وأزهار، هل كلّ هذا الكون من أجل العبث ؟! هذا كلام الجهلَة، وأساسًا هناك شاعر جاهليّ قال:
فإن كنت لا تستطيعُ دفْع مَنِيَّتي فدَعني أبادرها بما ملكَت يدي
 هذه فلسفة، لا يوجد عمل إلا ووراءهُ رؤية، إن صحَّتْ هذه الرّؤية صحَّ العمل، أنا أضرب بعض الأمثلة الشهيرة، في أيّام المطر الشديد، رأيْتُ إنسانًا يركض في شارع العدوي، المطر منهمِرَة فوقهُ، ماذا رأى حتى فعلَ هذا الفِعْل ؟ لاشكّ أنّه رأى أنّ سلامة قلبه في الجري، وأنّ صِحَّتهُ بالجري، ولياقتهُ بالجري، وقُدرتهُ على العمل النشيط بالجري، هل لك رؤية تتميَّز بها عن رؤية الناس جميعًا ؟ الناسُ كلّهم ينكبُّون على الدنيا فهل اتَّجَهْت إلى الآخرة ؟ الإنسان حينما يأتيه ملكُ الموت، الحقيقة قضيّة ملك الموت، لا يوجدُ حدَثٌ أشدّ واقِعِيَّة من الموت، وهذا مصيرُ كلّ حيّ، ونحن في هذا المسجد المتواضع، يعني عشرات الإخوة الأكارم توَفَّاهم الله عز وجل، قول لك: والله كان يحضرُ الدروس معنا وقد انتقل إلى رحمة الله تعالى، وأنا سوف أنتقلُ، وأنت سوف تنتقلُ، واعلموا أنّ ملَكَ الموت قد تخطّانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرنا إلينا، فلْنتَّخِذ حِذْرنا.
لا أزالُ أبيِّنُ لكم أنّ هدفي من هذا الدرس، افْتَح مع الله صفحة بعد رمضان، ونعملُ خِطَّة، فيها جانبٌ معرفي، وجانب سُلوكي، وجانب جمالي، وخِطَّة فيها مراجعة مع الذات، ومراجعة مع من هم حولك، ومن أشدّ الناس قربًا إليك، الزّوجة والأولاد والبنات، الآن دخلْتُ إلى عملي يا ترى عملي في الأصل مَشْروع، اِسْأل فالله عز وجل قال:

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾

 

[ سورة الأنبياء ]

 وقال تعالى:

 

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 عندك قضِيَّتان، قضيّة متعلّقة في الدنيا فاسألوا أهل الذِّكْر، وقضيّة متعلّقة بالله عز وجل فاسألْ به خبيرًا، والإنسان إذا سأل استعار عُقول الرّجال في سؤال واحدٍ، أنت لا تستطيع أن تدخل الطبيب من دون أن يكون معك اجْرُ المعاينَة، ولا تستطيع الدخول على مكتب محامي إلا ومعك الأتعاب لكن تستطيع أن تدخلَ أيّ مسجد من دون رسم دُخول، وتسأل أكبرَ عالمٍ تراه، من دون مُقابل، يُعطيكَ مِمَّا علَّمهُ الله عز وجل، اسألْ هل العمل حلال أم حرام ؟ فيه شبهةٌ أم لا ؟ هذا القرْض هل فيه إشكال ؟ هذه التِّجارة هل ترضي الله عز وجل ؟ هذا السَّفر هل يرضي الله عز وجل ؟ أن أبتَعِد عن زوجتي سنة بأكملها من أجل أن أُحصِّل دَخْل إضافي قليل، هذا الشيء هل يُرضي الله عز وجل ؟ اِسْأَلْ ؟ قال تعالى:

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾

 

[ سورة الأنبياء ]

 وقال تعالى:

 

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

 

[ سورة الفرقان ]

 وتَطْيِيبًا لِقَلبك الله عز وجل أمرَ نبيَّهُ المصطفى أن يستشيرَ أصحابهُ قال تعالى:

 

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

[سورة آل عمران ]

 فإذا كان سيّد الخلق، وحبيب الحق قد أُمِرَ أن يُشاوِرَ أصحابهُ فمَن أنا حتى لا أُشاوِرَ؟ اسْأل رجلَ دينٍ تثقُ بعِلْمِهِ، وأفقهُ واسع، وخبرته بالحياة عالية، وعلمه الدِّيني، وعلمه بالحقيقة، اسْأل صديقًا مؤمنًا ترْكَنُ إليه فاسألوا أهل الذّكْر إن كنتم لا تعلمون، دائمًا الأشياء التي تغري تُرْذي والأشياء التي تنفعُ في المستقبل قد لا ترضيك الآن، أنا أضربُ مثلاً إذا الواحد أراد أن يتعلّم على الآلة الكاتبة، أو على الكمبيوتر، من دون معلّم يستخدم أصبعًا واحدة، لو يستخدم الآلة الكاتبة أو الكمبيوتر ثلاثين سنة يحتاج للصّفحة الواحدة ثلاثة ساعات، أما لو دخلْت إلى مدرسة تعليم أوَّل عمل يُكَلِّفوك استخدام عشرة أصابع معًا، شيءٌ صعبٌ جدًّا في البداية ولكن في النهاية الصفحة عشرة دقائق، أنا أرى الخبراء في الكتابة هكذا، عينُه على الورقة ويحرّك أصابعهُ معًا، كلّ صفحة عشرة دقائق فالطريقة الناجحة مُتعبةٌ في أوّلها، والطريقة السهلة في أوّلها متعبةٌ في آخرها، فكلّ شيءٍ مريحٌ في البدايات متعبٌ في النهايات، وكلّ شيء مُتعبٌ في البدايات مريحٌ في النهايات، القاعدة هذه عامة في الحياة.
 عَوْدٌ على بدء، بعد رمضان ينبغي أن نفتح مع الله صفحةً جديدة، فَلْنُراجِع حِساباتنا، ولْنُرَتِّبْ أوراقنا، ولنَضَع خِطَّةً مرحليّة، وهناك أسلوب مثبِّط، قد تقول لك الزوجة: الآن تريد أن تغيِّرَ نمَطَ حياتنا، مادام القلب ينبض، ممكن أن تتطوّر تطوُّرًا مذهِلاً، فأنا ما كنتُ راضٍ عن نفسي سابقًا، وقد غيَّرْتُ الآن، دائمًا المجتمع يشدّك للوراء، اِجْمع الأهل لطلب العلم تجدُ هذا نائمًا، وذاك لا يأتي، أما لو أصْررْت عليهم بعد فتْرةٍ يُصبحُ درسَ العلم شيئًا جميلاً بالبيت، ويصبحُ هذا لقاءً أُسبوعيًّا، وصار هناك مجال لِنَقل حقيقة لِزَوجتك وأولادك، وأصبح هناك شيء اسمه تعليم فالإنسان يأْلَف أن يعيشَ على القديم دائمًا، وإذا الإنسان أراد أن يغيّر بِنَمَط حياته، أوَّل من يُعارضُه أقربُ الناس إليه، ألِفُوا عدم الصلاة جماعةً، ألِفوا أن يكون الحديث مفتوحًا من دون ضوابط، والله اخٌ من إخواننا أكْبرتُه كثيرًا، هم عشرة أصدقاء، فكلّ رمضان يمضي كما يمضي على الناس جميعًا، يعني شهرُ الولائم واللّقاءات، والسّهرة للثانية ليلا، وهناك مسلسل، وبرنامج خاص برمضان، انقلبَ هذا الشَّهر إلى شهر ولائم، وإلى شهر اجتماعي، إلى شهر تفلّت أحيانًا، هذا الأخ مع عشرة من إخوانه اتَّفقوا على عدم تلبيَة أيّة دَعوَة، فهذا الشّهر شهر عبادة، ولا خرجوا من بيوتهم، أتقنوا صلاة التراويح، صلَّوْها بإتقان، وأتقنوا ذِكْر الله عز وجل، وأتقنوا قراءة القرآن، وضبطوا أنفسهم وأزواجهم وأولادهم وبناتهم، فصار هذا الشَّهْر جنّة، جنّة بالمعنى الدقيق جدًّا، لأنّ أحد العلماء قال: في الدّنيا جنّة مَن لم يدْخلها لم يدخُل جنّة الآخرة، فأنا أتمنَّى للإنسان أن لا يسمحَ للتقاليد، ونمط حياته الرتيبة أن يُسيْطِر عليه، ألف التقصير بالصلاة، وألِفَ عدم الانضباط بالكلام، أما أنت كُنْ كهذا الإنسان الورع، كان أحد علماء دمشق الكبار، لا يستطيعُ إنسانًا أن يتكلَّم أمامهُ على إنسانٍ، ولا كلمة، اُسْكت، فأنت اُضْبُط نفسكَ، الناس تعيشُ سَبَهْلَلاَ يجلسُ ويحكي، ولا أحد منّا ينصح، كلمة النصيحة بغيضة، أنت بِمَجلسِ عِلمٍ، ومع أصدقائِك، ومع إخوانك، صار هناك غيبة، عليك أن تقول: يا إخوان، هذه غِيبة، وهذا مسلم، له حقّ علينا، ومن كان حريصًا على مصلحته فلْيَذْهب إليه وينصحُه، أما أن تنْهشَ عِرْضهُ في غيبَتِهِ، ليس هذا من أخلاق المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: الغيبة أشدّ من الزنا، يعني جميلٌ جدًّا أن تكون ضابطًا لأمورك، ضابطًا لِعَينِكَ، وسمعِكَ ولسانِك، وبيتِكَ، ورعٌ بِحِساباتك، وبأخْذك وعطائك، لكي تكون ورعًا بهذا الشكل تجدُ الطريق إلى الله سالكًا، صلاتك غير صلاة، وحالك مع الله عالٍ جدًّا، أمورك ميسَّرة، وموفَّق، السَّبَب أنَّكَ أدَّيْتَ ما عليك، أقمْت شرْع الله في بيتك، اقرأ القرآن من مِنَّا يفهم الكتابَ فهمًا عميقًا ؟ وعلى أنَّه قانون ؟ كم عدد المسلمين الذي يخافون بالعالم ؟ كأنَّه توجد حرْب عالميّة أُعْلِنَت على المسلمين، الله تعالى ماذا قال ؟ قال تعالى:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) ﴾

 

(سورة آل عمران)

 هذا كلام الله عز وجل، لا يكفي أن يُطمئِنَك، فالله معنا إذا كنَّا نحن معه قال تعالى:

 

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)﴾

 

(سورة آل عمران)

 قال تعالى:

 

﴿ لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾

 

[ سورة غافر ]

 شيءٌ جميل ؛ في الدنيا ! وفي الحياة الدنيا ينصُر كلّ مؤمن، التوحيدُ مريحٌ جدًّا، تجدُ إنسانًا يائس، يجلسُ بِجَلسة أنّه هكذا فعل الأقوياء، وكادوا للمسلمين، وأنْهوا هذا البلد، وأنْهَوا الشيشان، معنى ذلك أنّ هؤلاء آلهة هذا الفِكْر لِوَحدِهِ يجعل اليأس، والضّعْف، قال تعالى:

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)﴾

 

(سورة آل عمران)

 فالإنسان عليه أن يكون له أملٌ بالله عز وجل، يقولون: أمطار لا توجد، كأنّ الله لا توجد عنده أمطار !!! الله على كلّ شيءٍ قدير، ولِنَصْطَلِحَ مع الله عز وجل تتغيَّر كلّ حياتنا، طبعًا ذكرْت بالخُطبة قبل يومين، أنّ الله عز وجل حينما قال:

 

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾

 

[ سورة الأعراف ]

 قلتُ للإخوان الكرام: هذه الآية متعلّقة بالجماعات لا بالأفراد، يعني إذا أمّة بأكملها اتَّجَهت إلى الله اِتِّجاهًا حقيقيًّا ؛ عبدَتْهُ، وأخْلصَت له، وكان عملها طيِّبًا، هذه أُمّة يُمَكَّن لها في الأرض، ويُوَسَّع لها في الرّزق، أما إذا كان الناس شاردون، أنت بهذا لك معاملة خاصّة واستثنائيّة، أما الوضع العام سيئ، لأنّ هناك معصيَة، وتفلُّت عام، لا تظنّ أنَّ الدِّين عبارة عن عبادة بحْتة، لا علاقة له بالحياة، لما تكون هناك عبادة صحيحة، الحياة تنقلب رأسًا على عقب، الله عز وجل بيَدِه كلّ شيء، الآن صار هناك إنابة بالاستسقاء، وإنابة بالبكاء، وخشيَة، ورجاء حقيقيّ الله عز وجل استجاب، الحمدُ لله، صحيح نحن بِحَاجة ماسّة للأمطار، ولكن نزلَت كمِّيات جيّدة جدًّا، ونزلتْ ثُلوج، هذا نمط، والله أرانا، وأنّ الأمر بيده سبحانه، نحن نريد مَعْنَوِيَّاتٍ عاليَة، لا أن تكون ضعيفًا، فأنت مع الله شيء، والله بيَدِهِ كلّ شيء، ما سلَّمك لأحدٍ أوَّلاً، أما أن يفهم الواحد الأخبار فهمًا سطحيًّا، وأنّ القطب الواحد متمكّن، ويفرض إرادته على كلّ الشُّعوب، وكلّ الشُّعوب تعملُ من أجله، وسخَّر لخِدمته، وهو يعيشُ في بحبوحة، فهذا كلام شيطان، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

 

[ سورة القصص ]

 لكن دقّق في قوله تعالى:

 

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾

 

[ سورة القصص ]

 يعني أنت إذا كنت مستضعفًا فلَكَ عند الله حُضْوةٌ كبيرة، أنت مستضعَف من أجل أن تمكَّنَ في الأرض، مستضعَف من أجل أن تكون خليفة الله في الأرض، مستضعَف من أجل أن تكون قريبًا من الله عز وجل، فالإيمان يقلِبُ المصائب نِعَمًا، ويقلبُ النِّعَم مصائبَ، فالعِبرة أن تملِكَ هذه الرؤية العميقة.
 الذي أُريدُه في هذا اللّقاء الأوّل بعد شهر رمضان، أنّ كلَّ واحدٍ يجلسُ مع نفسِهِ جَلسةً، مرَّةً ضربْتُ مثلاً لعلّهُ مناسب، أحيانًا يكون الإنسان برغي دولاب، والدولاب يدور، هذا البرغي بهذا الدولاب ما له إرادة مستقلّة عن الدولاب، هذا معنى العميِّين: نحن نُدَفِّش ! هناك حركة حياة تأخذنا جميعًا، كأنّ طريقًا إجباريّ موجود أساسًا للناس كلّها، إذا ما عرفوا الله عز وجل، يولدُ، الحمد لله تعالى سليم، يفرحُ أهله، بعد فتْرة ينظف فيقيمون حفلة، والحمد لله، وبعد هذا تخرج له أسنان، وبعد يكاغي، وبعدها حضانة، يقرأ الفاتحة فيطيرُ عقلا أبيه وأمّه، فالأب يأكل همّ ابنه يجدُ له عملاً، فيُزوّجُه ؛ طويلة وقصيرة، وبعيدة وقريبة، وبيضة وغير بيضة، ويدخلون في متاهة اختيار الزوجة، بعدها لم يخلّفوا أولادًا، يذهبون للطبيب، يا ترى منه أم منها ؟! وهذه متاهة أخرى، وبعدها ينجبُ أولاد، قد يكون منغولي، والآخر له مشكلة، فَمِنْ طبيب إلى طبيب يكبرُ الأولاد، لا بدّ لهم من الدّراسة يا ترى وظيفة أم عمل، أم حرّ، أيضَعُهُ بالمعمل أم بعمل تِجاري ؟ همّ الأولاد، زوَّجَهم ابنهُ ما أنجبَ أولاد كذلك مشكلة، بعدها تأتي المشكلة للأب ؛ التهاب مفاصل، أو أسيد أوريك ويحتاج بعدها إلى تنكة أدوية ؛ هذه قبل الأكل وهذه بعد الأكل، وفي الأخير تصدرُ النَّعْوَة !! هكذا الناس، أيوجدُ غير هذا ؟ هذا كلام واقعي فأوَّل ما يولد كلّ من حولهُ يضحك وهو يبكي وحْدهُ، يمشي برِحلة، فإذا بكلّ من حوله يبكي، فإذا كان بطلاً يضحكُ وحده، كلّ واحد دخل الأربعين أغلبُ الظنّ وأنا معكم قد يكون الباقي أقلّ مِمَّا مضى، طيّب هذا الذي مضى مضى كلَمْح البصَر، والباقي كذلك يمضي مثله، كُنَّا بالخمسينات 1957، ثمّ بعدها 1960، أي الستِّينات، ثمّ السبعينات، ثمّ الثمانينات، ثمّ التسعينات، والآن ألفين !! يا ترى الواحد ألفين وواحد 2001 أم 2010، ملك الموت لا ندري متى يأتي، الإمام مالك رأى ملك الموت في المنام، قال له: يا ملكَ الموت كم بقيَ من عُمري ؟ فأشار له ملك الموت هكذا - خمسة - فلمّا استيقظ، يا ترى خمسة سنوات بقيَت أم خمسة أشهر أم خمسة أسابيع ؟!! أم خمسة أيّام أم خمسة ساعات، فسأل أحدهم علماء تفسير المنام، وهو ابن سيرين رحمه الله: وقصّ عليه ما رأى، فما تفسر هذه الرؤيا ؟ قال له ابن سيرين رحمه الله تعالى: يقول لك ملك الموت إنّ سؤالك من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله، من مِنَّا يضْمن العيش بعد ساعة ؟ ولا دقيقة، لا تملك إلا هذه الساعة، فما مضى فات، والمُؤمَّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، وأنا أتمنَّى، وحريصٌ حرصًا لا حدود له، أنّ كلّ إنسان ينهي حِساباته، وكلّ الالتزامات، وإذا كان عليه حقوق، وعليه واجبات، يُنهي كلّ علاقاته، حتى يكون جاهزًا للِقاء الله عز وجل، حينها يعيشُ حياةً فيها هناء، يصطلح مع الله، ويطبّق الإسلام في بيته، يتْقن عبادته، ويرجو رحمة الله، ويخشى عذابه تجدُ الإنسان المؤمن خفيف، مُريح، ولا هموم عنده كالجبال، لي قريب توُفّي لا بخمسة سنوات استطاعوا أن يُنهوا علاقاته المالية، هذا شريك معه بِمَحلّ، وهذا أخذ له بيت وما دفع له ثمنها، لا توجد وثائق، قدر ما تقدر وضِّح الأمور، اُكْتُب كلّ شيءٍ، وسجِّل كلّ شيء، بيِّن كلّ شيء، ثبِّت كلّ شيء، بِعُقود، لا تجعل الأمور عالقة، فالإنسان إذا انعدمت عليه الحقوق، وأدَّى واجباته اتِّجاه الله فأهلاً وسهلاً، أخٌ من إخواننا تكلّم كلمة رائعة، أنا موقنٌ بالموت، وبِحَسب تصوُّري أمشي بأعلى سُرعة، ومتى ما جاء الموت أهلاً وسهلاً، الإمام عليّ رضي الله عنه قال: والله لو علمتُ أنّ غدًا أجلي ما قدرْتُ أن أزيدَ في عملي.
وقْتُك كلّه لله، صلاتك، وتلاوتك، وذِكْرك لله عز وجل، أعمالك الصالحة، لا تتوانى عن عملٍ صالح، أو درس علْم، أو خِدمة مؤمن بيتك إسلامي، وعملك إسلامي، لا تكذب، ولا تغشّ، ولا تحتال، تمشي مستقيمًا، فإذا جاء الموت فأهلاً وسهلاً، لِيَأتي متى أراد، فالموت عرسُ المؤمن، والموت تحفتهُ، سمِعتُ عن واحد، وسمعتُ القصّة بشكلٍ متكرّر رجلٌ صالحٌ يحبّ الخير كثيرًا، عمَّر مسجدًا، ومن عادته إذا جاءتْهُ لجنة إلى معمله يحتاجون مساعدة يقول: افتحوا هذا الصّندوق وافتحوا ما شئْتم وأُناشدكم الله عز وجل لا تُعلموني كم أخذْتم !! هذا الرّجل صار معه مرض عُضال، دِقَّة القصّة أنّه سافر إلى بلدٍ وأقام تحاليل ورجع، وعدوه أن يُعطوه الجواب بالهاتف، فيوما كان جالسًا بالبيت رنّ التلفون رفع ابنهُ السماعة، فرفع هو من الجهة الأخرى، وسمِعَ النتيجة بنفسه، وأنّ معه سرطان بالدّم، أقصى مدّة ثلاثة أيّام ينتهي، ويبدو أنّ مؤشرات قوية جدًّا كأنهم قالوا: الساعة الواحدة ثالث يوم يكون خالص، هو سمِعَ القصّة بأُذْنه، له صديق قال له: يا فلان أنا انتَهَيت، فأوَّل يوم أنهى علاقاته الماليّة كلّها وأحد الصفقات أوصى بإعطاء الرّبح للأولاد، وثاني يوم التقى مع كلّ أصهاره وأولاده وبناته وودَّعَهُم كلّهم، ثالث يوم جاء الشيخ أقاموا تهليلة وهو دخل لِيَغْتسِلَ بيَدِهِ، وسبحان الله الساعة الواحدة سلَّمَ روحه لى بارئها وهذه القصّة مشهورة، فهذا ما أصابه ذُعرٌ أبدًا، عملهُ الطيّب واستقامته وإنفاق ماله في سبيل الله، وأعماله الخيريّة، وإنشاء مسجِد، هذا جعل له طمأنينة، ما اضْطرب، وما ولْوَل، وما قال انتَهَيْت، لم يفعل شيئًا، وإنَّما استقبلَ قضاء الله وقدره بكلّ قبول، هناك حديث قدسي أيّها الإخوة يقول الله عز وجل: ما تردَّدْت في شيءٍ أنا فاعلهُ ترَدُّدِي في قبْضِيَ عبدي المؤمن.
 هل يتردّد الله ؟ قال: يكرهُ الموت وأنا أكرهُ مساءتهُ، الموت قدَر أيّها الإخوة، فالإنسان يا ترى يموت ضمْن البيت، خارج البيت، بالصيف أم بالشتاء، بالليل أم بالنهار، أم ببَلَدٍ آخر، يموت عند أصدقائه، ام يموت بالمسجد، أين يموت يا ترى ؟ وكيف يموت ؟ هناك بوابات الخروج بالمطار، فمثلاً بوابة أربعة وخمسون، فأنا أشبّه الموت بهذه البوابات، فهذا خرج من الحياة بحادث، وهذا بمرض بالكلية، وهذا بالقلب، وهذا ورم، وهذا بالأعصاب، وهذا دسّام، كلّ واحد له بوابة يخرج منها، عندك مرضان مرض الموت، والمرض العادي، المرض العادي له دواء، ما من داء إلا وله عند الله دواء إلا مرض الموت، لو كان نبيّ، ولو كان وليّ، ولو كان صدِّيقًا، ما دام مرض الموت يكبر ولا يصغر، حتى ينتهي، هل مِنَّا يستطيع أن يقول لا ؟ وأنه لن يموت !! فكلّ إنسان له بوابة يخرجُ منها، مريضة قالت للطبيب: هل ستنجح العمليّة ؟ فقال لها الطبيب: بالمائة ثمانون، فقالت له ما معنى بالمائة ثمانون ؟ فقال لها: يعني إذا أقام العمليّة مائة شخص يموت عشرون ويبقى ثمانون، فقال لها: إذا كان العمليات مائة بالمائة كلّها فكيف تموت الناس ؟! فأنا أريد أن أخرجَ من بوابة، أحدهم صارتْ معه مشكلة بقلبه فحرصَ على حياته، وتوسْوَسَ وأخذ احتياطات تفوق حدّ الخيال، الرياضة، والمشي، والأكل المقنّن والسّلطات، وما ترك دواءً ما استعملهُ، هو يرى أنّ ملك يأخذه من قلبه فجاء ابنه مسافرًا، وأخذ أباه إلى مِشوارٍ، فعملَ حادثًا، ومات به، فهذا الرجل أُخِذَ ليس من قلبه، ولكن من محلّ آخر، فالقضيّة مهمّة جدًّا، فكلّ إنسان يتصوّر بوابة يخرج منها فإذا بِبَوابة أخرى غير البوابة المتوقّعة فالواحد إذا أدخل الموت بِحِساباته اليوميّة، ودخل في مغادرة، وفي خروجٍ بلا عوْدَة، وبوابة لا بدّ أن نخرج منها إلى عالمٍ آخر، حينها يزْهدُ في الدنيا، وتضْعفُ رغبتُه في الدنيا، وتنتقلُ أهدافه إلى الآخرة، وكل الواحد منا أموره واضحة جدًّا، والشرْع واضح جدًّا، والطريق إلى الله تعالى سالكٌ، والآن نفتحُ صفحةً جديدة بعد رمضان، وكلّ إنسان يكون قدورة لنفسه ولغيره، ولِمَن حوله، ولنا عَوْدة إن شاء الله إلى دروس الأحد، وفي ذهني خطّة إن شاء الله تعالى جديدة لهذه الدروس، موضوعات نحتاجها جميعًا، ونحن في أمسّ الحاجة إليها، نبدأ بالأسبوع القادم بهذه الدروس، كالعادة درس السبت بعد العشاء وهو درسُ مذاكرة، ودرس الأحد، مخصّص للسنة النبوية، إما حديثًا أو فقهًا، ودرس الاثنين مخصّص الآن لمِدارج السالكين وهو درسُ سلوك، ونسأل الله أن يلهمنا الصواب، وأن يجعلنا عند حُسن ظنّ إخواننا بنا، وعند حسن ظن الله بنا والحمد لله رب العالمين