الدرس : 7 - سورة الأنعام - تفسير الآية 36 ، الإستجابة

1994-07-03

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
 وبعد، ففي القرآن الكريم آية كريمة، يقول الله تبارك وتعالى:

﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)﴾

 في هذه الآية إيجازٌ بليغ، السماع عند الله، هو السماع التي تعقبه استجابة.
 لو أن إنساناً على وشك الموت عطشاً، وقلت له بلسانٍ فصيح في المكان الفلاني وهو قريبٌ منك، ماءٌ عذبٌ فرات، سمع هذا الكلام وتحركت طبلة أذنه باهتزازات الصوت، وبقي قاعداً في مكانه، وهو على وشك الموت عطشاً، ولم يقم إلى مكان الماء.
 هذا في القرآن الكريم لم يسمع، لو أنه سمع لبادر إلى أن يشرب الماء.
 لو قلت لإنسان على كتفك عقربٌ، فبأعصابٍ باردة تبسم وقال لك: أشكرك على هذه الملاحظة، وأنا ممتن منك لحرصك على سلامتي وبقي هادئاً مستقراً، ولم ينفض ثوبه الذي على كتفه.
 هذا في القرآن لم يسمع، لأن السماع الذي لا تعقبه استجابة فورية، لا يسميه الله سماعاً.
 الله عز وجل يقول:

 

﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾

 فالذي يسمع حقيقةً، هو الذي يستجيب.
 طيب هذا الذي يسمع ولا يستجيب، ماذا سماه الله عز وجل، سماه ميتاً، شيء خطير جداً، أن الإنسان يستمع لخطبة، لدرس، لنصيحة لموعظة فيها دليل من القرآن، والسنة، فيها توجيه لصالحه لمستقبله يكتفي أن يجامل ويقول والله شي جميل، والله درس لطيف، والله خطبة بليغة يا أخي، لكن هو هو، في بيته هو هو، في عمله هو هو، في دخله للمال هو هو، لا يتغير ولا يتبدل، هذا عند الله ميت، الآية على قصرها، وعلى إيجازها خطيرةٌ جداً.
 يعني المسلم إذا حضر خطبة جمعة، أو درس علم، أو درس تفسير، واستمع إلى حكم الله عز وجل، بلسانٍ فصيحٍ واضح، آية قرآنية واضحة وضوح الشمس.
 يقول لك:

 

 

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

 

( سورة النور: 30 )

 قال شو بدنا نساوي، نحن عبيد إحسان مالنا عبيد امتحان، الله يتوب علينا، هذا عند الله ميت، لأنه سمع الحكم الشرعي، ولم يبادر إلى تطبيقه.
 فأردت من هذه الآية، أن يقف المسلم وقفةً متأنيةً، متفحصةً متبصرة، أي أن الإنسان، أنه هذه فرصة لا تعوض، الله عز وجل حينما يسمعك الحق، هذه فرصة لا تعوض.
 بالمناسبة كل إنسان وصله الحق له بشارة من الله عز وجل، ما هذه البشارة؟ قوله تعالى:

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾

(سورة الأنفال: 23 )

 لولا أن الله سبحانه وتعالى علم فيك الخير لما أسمعك، لما أوصل لك هذا الكلام.
 فالإنسان إذا حضر مجلس علم، خطبة جمعة، درس تفسير نصيحة من أخ، الدليل قوي، الآية واضحة، واضحة وضوح الشمس الحديث الشريف واضح، واكتفى بالثناء على هل الكلمة، وعلى فصاحة المتكلم، وعلى دقة الكلام، يا أخي الكلام حلو كتير، ما غير ولا بدل، هذا أخطر أنواع التكذيب، هذا هو التكذيب العملي، سماه الله ميتاً.

 

﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾

 

 والذين لا يستجيبون إذا سمعوا موتى.

﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾

 فالإنسان حينما يحضر مجلس علم، القضية أخطر بكثير، من أن تستمع إلى كلام لطيف، أو كلام منظم، أو كلام فصيح، أو في طرفة أو في نكته بلاغية، أو في إشارة لطيفة إلى آية قرآنية القضية أخطر من ذلك، القضية قضية مصير.
 سيدنا علي كرم الله وجهه قال: يا بني العلم خير من المال لأن العلم يحرسك، شوف العلم يحرسك، وأنت تحرس المال.
 مرة جاءني رجل، والله القصة من عشرين سنة، قال لي أنا زوجتي تخونني، قلت أعوذ بالله، قال لي: والله من ثلاث سنوات قلت له مع من، قال: مع جارنا، قلت كيف تعرفت عليه ؟ قال والله الحق عليّ، مرةً جاء يزورنا، قلت لها يا بنت الحلال تعي عدي معنا، مثل أخوكِ، قلت له لو أنت تحضر مجالس علم، وعرفت حكم الله في الاختلاط لم تفعل ما فعلت، وبالتالي لم تقع فيما وقعت.
 إخوانا الكرام، دققوا في هذا الكلام، ما من مصيبةٍ على وجه الأرض، إلا ورائها معصية لله، خروج عن منهج الله، وما من خروج على وجه الأرض ومعصية إلا بسبب الجهل، والجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيعوا أعدائه مجتمعون أن يفعلوا به.
 يعني اعتبر أن أعدى أعدائك هو الجهل، وأن الطريق إلى الله يبدأ بالعلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أرتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً.
 أحياناً الإنسان يستمع إلى مجلس علم، بدقة بالغة، وينصت ويصغي ويتأمل، لكن لو أنه أراد الدنيا، لو أن الدنيا هي أكبر همه مبلغ علمه، شأنه كشأن آلة تصوير، غالية جداً دقيقة جداً، فيها ميزات هائلة بس فلم ما في، فأمهما كان المنظر جميلاً، والألوان زاهيةً والخلفيةُ رائعةً، هذه الآلة على أنها غالية جداً وثمينة جداً، بس فلم ما في، إذاً.

﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾

 الذي لا يستجيب ميت، وهذه فرصة لا تعوض، أن الإنسان يستمع إلى حكم الله، إلى أمرٍ، إلى نهيٍ، إلى توجيهٍ، إلى حضٍ، إلى دفعٍ، ثم يقف موقف المعجب، والله كلام لطيف، والله درس جميل، والله درس منظم، والله في عمق الحمد لله، كله كلام لا يغنيك عن تطبيق هذا الكلام شيئاً، فحجمك عند الله بحجم التزامك وعملك الصالح، لأنه قال تعالى:

 

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾

 

(سورة فاطر 10 )

 إذا كان تكلمت كلام لطيف هذا الكلام يصعد إلى الله، لكن ما الذي يرفعك عند الله، قال:

﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

 الذي يرفعك عملك الصالح، لا ثنائك، ولا كلماتك.
 إذاً قال الإمام علي كرم الله وجهه: يا بني العلم خيرٌ من المال لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال.
 سائق تكسي في دمشق، هذه القصة من ثمانية أشهر، أشارت إليه امرأةٌ، فصعدت إلى مركبته، قال لها: إلى أين ؟ قالت له إلى حيث ما تشاء، فهم، بعد أن قضى حاجته، أعطته رسالةً، وظرفاً فيه مبلغٌ من المال، فعد نفسه فائزاً، يعني شيء لا يقدر بثمن، قضى حاجته، وقبض مبلغ على هذه الحاجة، ورسالة، فلما نزلت من مركبته، فتح الرسالة وإذ هي مصابة بمرض الإيدز، قالت له: مرحباً بك في نادي الإيدز، ذهب ليصرف المبلغ بالعملة الصعبة طلع مزور وضعوه في السجن.
 ما الذي كان يمكن أن يحرسه ؟ العلم، لماذا وقع في هذا الشَرك ؟ لأنه جاهل.
 العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكوا على الإنفاق.
 يا بني مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
يعني إذا أردت أن تُخلد، وهذا مستحيل، لكن تخلد بعلمك.
 أنا مرة سألت طلابي سؤال، قلت لهم من يقول لي ؟ من يعطيني اسم تاجر عاش في الشام، عام، 1893، أعطيه علامة تامة فحكوا رؤوسهم وتأملوا لم يهتدوا إلى اسم تاجر، قلت لهم وأنا مثلكم لا أعلم، لكن من منا لا يذكر سيدنا صلاح الدين الأيوبي، سيدنا عمر بن الخطاب، سيدنا الشافعي، سيدنا أبو حنيفه.
 يا بني مات خزان المال وهم أحياء، وهم في أوج حياتهم، وهم في أوج نشاطهم ماتوا، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة.
 العلم يرفعك أيها الأخ الكريم، يرفعك إلى أعلى عليين، إنك إن عرفت الله، طبقت أمره، وإن طبقت أمره استحققت سعادة الدنيا وجنة الآخرة، فالقضية خطيرة جداً.
 نعود للآية الكريمة:

﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾

 الذي لا يستجيب للسماع الحق هو عند الله ميت، وقال تعالى: في آية آخرة.

 

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

(سورة النحل)

 بآية ثالثة:

 

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

 

( سورة فاطر: 22 )

 مقبور بشهواته، بأعماله، بطموحاته، فالإنسان حينما يصغي ويستمع ويغير، ويبدل، ويأخذ موقف، في حياة، في نبض، أما إذا استمع واكتفى بالثناء على المتكلم وقال لك: شي جميل، هذا لا يرفعك عند الله عز وجل، لأنك حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
 قال تعالى:

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

 

(سورة الأنعام: 132 )

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..