موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 149 - الإسراء والمعراج : حسبكم الكون معجزة .

1990-02-23

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما معنى قوله تعالى : كن فيكون, وما هي الحكمة الربانية في تعطيل الأسباب أحياناً ؟

أيها الأخوة المؤمنون, هناك حقيقةٌ لا بدَّ من تقريرها، وهي أن ينتقل الإنسان من مكة إلى المدينة، ويعود إلى بيته, ولمّا يبرد فراشه، ثم يعرج من مكة إلى بيت المقدس، ومن بيت المقدس إلى السماء ويعود، هذا خرقٌ للعادات، هذا خرقٌ للمألوف .

أيها الأخوة الأكارم, الأشياء المألوفة، وغير المألوفة، الأشياء المعتادة، وغير المعتادة ، الأشياء التي نعرفها معقولةً، والأشياء التي يظنُّها بعض الناس غير معقولة، إنها في قدرة الله سواء، لأن أمر الله تعالى: كن فيكون، ألم تقرؤوا قول الله عزَّ وجل:

﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 69]

النار لا تحرق إلا بإرادة الله، فإذا شاء الله لها أن تحرق أحرقت، وإذا لم يشأ لم تحرق، والماء مائعٌ بمشيئة الله، فإذا شاء له أن يكون يبساً صُلباً، صار يبساً صلباً، كما فعل الله عزَّ وجل مع سيدنا موسى:

﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾

[سورة الشعراء الآية: 61-63]

وأصبح البحر طريقاً يبسا، لماذا يخرق الله العادات؟ لأنك إذا رأيت أن هذا الشيء نتيجةً لهذا السبب، وظننت أن هذا السبب هو خالق هذا الشيء، وقعت في الشرك وأنت لا تدري, خالق الشيء هو الله سبحانه وتعالى، وهذا السبب رافق النتيجة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة, ولكنَّ الذي يخلق الإحراق في النار هو الله، والذي يخلق الانتقال بلمح البصر من مكانٍ إلى مكان هو الله, خالق الزمان عطَّل شرط الزمان، خالق المكان عطَّل شرط المكان, لذلك حكم الإسراء والمعراج، حكم أية معجزةٍ وردت في القرآن الكريم .

الكون معجزة :


شيءٌ آخر, وهو الأهم، إن الأشياء المألوفة وغير المألوفة كلاهما معجزة، ألا تنظر إلى البقرة, وهي تعطيك الحليب؟ لو اجتمع أهل الأرض، لو اجتمع علماء الكيمياء العضوية في العالم، على أن يصنعوا من هذا النبات الأخضر حليباً فيه قِوام غذائنا, لما استطاعوا، أليست البقرة معجزة؟ أليست هذه الدجاجة معجزة؟ أليس خلق الإنسان معجزة؟ أليس إنباتُ النبات معجزة؟ أليس هطول الأمطار معجزة؟ .
أنت محاطٌ بملايين ملايين المعجزاتِ وأنت لا تدري، ورد في الأثر:

((حسبكم الكون معجزة))

الكون معجزة، هذا الطفل الصغير تعرف من أنه ماءٍ مهين، من حوينٍ صغير، هذا الحوين لا يرى بالعين، تنطلق من الرجل ثلاث مئة مليون حوين، وكل حوين له رأس، وله عنق، وله ذيل، وهو يسبح, وفي رأس هذا الحوين مادةٌ نبيلة مغطاةٌ بغشاءٍ رقيق، إذا اصطدمت بالبويضة تمزَّق الغشاء، وساهمت هذه المادة بإذابة جدار البويضة، والدخول إليها, دخل الحوين إلى البويضة، انقسمت عشرة آلاف قسم, وهي في طريقها إلى الرحم، من دون أن يزداد حجمها، خلق الإنسان معجزة .
بعد أن يولد الإنسان يتكون الدماغ، وهو يحوي مئة وأربعين مليار خلية استنادية، أعصاب، عظام، قلب، شرايين، رئتان، معدة، أمعاء، سمع، بصر، شفتان، لسان, عضلات، أعضاء، شعر، جلد، مسام، غدد دهنية، غدد عرقية, هذا المخلوق الصغير معجزة .
النبات، هذه الورقة قرأت عنها كلمةً، في هذه الكلمة: إن أعظم معملٍ صنعه الإنسان على وجه الأرض لا يرقى إلى مستوى هذه الورقة، إنها معملٌ صامت، يأخذ من التربة الماء والمعادن, كيف يضخُّ هذا الماء إلى أعالي الشجرة؟ هذه الورقة فيها اليخضور ، تأخذ من الهواء ثاني أوكسيد الكربون، تأخذ من الشمس الفوتون، تأخذ من التربة الماء والمعادن، تأخذ من أملاح الحديد خواصَّه الوسطية، وتصنع النسغ النازل، هذا النسغ النازل هو الذي يصنع الجذع، والأغصان، والفروع، والجذر، والثمار، والفواكه، من علم هذا؟ كيف أودع الله كل هذه الصفات في البذرة؟ .
النبات معجزة، الحيوان معجزة، مليون نوع من السمك في البحار, وزن الحوت مئة وثمانين طناً، وزن بعض الحيتان مئة وثمانين طناً، رضعته الواحدة ثلاثمئة كيلو غرام، ثلاث رضعات طن كل يوم، هذا الحوت، وهذه البعوضة الصغيرة, قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

[سورة البقرة الآية: 26]


بعوضة، فيها جهاز رادار، فيها جهاز تمييع للدم، فيها جهاز تخدير، فيها جهاز تحليل ، وهذه البعوضة يرفُّ جناحاها أربعةَ آلاف رفةٍ في الثانية الواحدة، ولها ثلاث قلوب؛ قلبٌ مركزي، وقلبٌ لكل جناح، ولأرجلها محاجم لتقف على السطوح الملساء، ومخالب لتقف على السطوح الخشنة, قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

[ سورة البقرة الآية: 26]

البعوضة معجزة، الخروف معجزة، البقرة معجزة، الدجاجة معجزة، خلق الإنسان معجزة، أنواع الفواكه والثمار معجزة، الشمس معجزة، تبعد عنا مئةً وستةً وخمسين مليوناً، ومع ذلك نستدفئ بحرارتها، ونستضئ بضوئها, لو ألقيت الأرض في جوفها لتبخَّرت في ثانيةٍ واحدة, الكون كله معجزة، أفيصعب على الله عزَّ وجل أن ينقل النبيّ عليه الصلاة والسلام من مكةَ إلى بيت المقدس، وأن يعرج به إلى السماء؟ لو تعمَّقتم في الكون لرأيتم أن الأشياء المألوفة وغير المألوفة في قدرة الله سواء, ولرأيتم أن الأشياء المألوفة وغير المألوفة هي في الأصل كلُّها معجزة .