الدرس : 1 - سورة يونس - تفسير الآية 22 ، الكذب على الله

1994-09-12

 لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
 أيها الأخوة الكرام:
 الآية الثانية والعشرون من سورة يونس، وهي قوله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)﴾

 هذه الآية أيها الأخوة: تصور الإنسان قبل أن يعرف الله، الله سبحانه وتعالى يستدرجه، فإذا وقع في شدةٍ دع ربه مخلصاً، وما من إنسان على وجه الأرض، مستقيم، غير مستقيم، عاصي، فاجر، إذا وقع في شدة.
 إنني سمعت بعضاً من الخبراء ركبوا طائرة، وهؤلاء من الملحدين، وكان الجو مضطرباً والمطبات كثيرة، وجيوب الهواء عديدة، وكانت الطائرة تهبط بهم مائة متر فجأةً قال لي من في الطائرة وأنا أثق بكلامهم، هؤلاء الملحدون الخبراء ما كان منهم إلا رفعوا أيديهم ودعوا الله.
 أي إنسان كائن من كان مستقيم، غير مستقيم، ملتزم، غير ملتزم، مؤمن كافر، هذا هو الإنسان، حينما يكون قوياً ينسى أنه ضعيف، أما حينما يضعف يذكر الله عز وجل، هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف.
 في باخرة أيها الأخوة، اسمها تايتانيك، هذه صنعت عام 1912، هذه الباخرة صنعت بطريقة عجيبة، صنعت بطبقتين، وبين الطبقتين حواجز عرضية وقد كانت يعني هذه الباخرة، قمة الصناعة الأوربية وقتها، حتى أن كل ما في الحضارة الغربية من فن، ومن تحف، ومن أناقة، كانت في هذه الباخرة الخشب من أرقى أنواع الخشب، الثريات، المسابح، المطاعم، الملاهي، يعني مدينة عائمة. وفي أول رحلة لها، من بريطانيا إلى أمريكا، مع هذه الباخرة نشرة، كتب على هذه النشرة، إن القدر لا يستطيع أن يغرق هذه الباخرة، الباخرة التي لا تغرق، لأنه أي خلل هناك في طبقتان وحواجز عرضية، فلو خرقت من زاوية الماء لا تصل إلى داخلها.
 لذلك هذه الباخرة، لم تزود بقوارب نجاة، وفي أول رحلة ركب هذه الباخرة أثرياء أوربا، الأثرياء، الأغنياء، قدر ثمن حلي النساء في هذه الرحلة بمئات الملايين، حلي النساء، طبعاً مدينة سياحية، المطاعم، الملاهي، المقاصف، غرف النوم الفخمة المسابح، كل شيء بالباخرة.
 وفي أول رحلة لها، اصتدمت بجبل ثلجي، شطرها شطرين أنا قرأت عن هذه الباخرة، قبل ست أشهر أخرجوها، وصلوا إليها فيها كنوز، فيها ذهب، فيها كل شيء. فالإنسان يجهل أنه ضعيف يعتد بقوته، فهذه الآية، تصور الإنسان قبل أن يؤمن، إذا كان قوي يعتد بقوته، فإذا ساق الله له مصيبةً أظهر الخضوع والضعف، هذا الخضوع والضعف عند الشدة لا قيمة له والدليل حينما ترتفع الشدة يعود إلى ما كان عليه، من جبروت، وقرة واستعلاء.
 اسمعوا الآية:

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾

 يعني هذا البحر، تراه هادئاً، رقيقاً، جميلاً، رائعاً، فإذا هاج قد ترتفع الموج عن خمس وعشرين متراً، كا لجبال، والله قال:

﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾

( سورة هود: 42 )

﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)﴾

 ما في إنسان بمرض ابنه، التهاب سحايا، يا رب إذا كان بطيب لي يا حتى صلي، بطيب له إياه ما بصلي، يا رب إن طيبت لي ابني حتى أترك هذا المعصية، بطيب ابنه والمعصية قائمة، يا رب إذا رزقتني ولد حتى حج، بجيه ولد ولا بحج، بروح لأوربا، يعني هذا الإنسان قبل أن يؤمن، بالرخاء متكبر، بالشدة بتلاقيه خضع.
 المؤمن بالرخاء شكور، بالبلاء صبور.

﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

 تطاول واستعلاء، لاحظ الناس بمرض ابنه مرض شديد، يا رب إذا شفيت لي يا سوف أفعل كذا وكذا، يشفى له يا، إسماع شو بحكي، هذا الطبيب ما في منه، هذا اشهر طبيب، هذا خلص، أعطاه دواء مرة وحدة استفدنا عليه، ينسى أن الله شفاه، يعزو الشفاء إلى الطبيب، يوكل محامي بقضية، يا رب إذا نصرتني على خصمي لأفعل كذا، وكذا، ينجح بالدعوة هذا المحامي يده طائلة وفايت بالقضاة للباط بقلك، هذا كلام، الله يلي نجاك.

﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾

 يعني في خمسة أشياء، لا أذكرها الآن كلها، البغي يعود على صاحبه وهي آية.

﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾

 والمكر يعود على صاحبه.

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾

( سورة إبراهيم: 46)

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾

( سورة الأنفال: 30 )

﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)﴾

( سورة الأنعام: 123 )

 هي الآية الثانية.

﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾

( سورة الفتح ك 10 )

 هي الثالثة.

 

 هن خمس، خمس آيات حصراً، أن من كن فيه كن عليه.

﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾

﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)﴾

 المشكلة: أن كل الدنيا تنتهي بالموت، إذاً ليست عطاءً، الموت ينهي غنى الغني، وفقر الفقير، وقوة القوي، وضعف الضعيف، وصحة الصحيح ومرض المريض، ينهي وسامة الوسيم، ودمامة الذميم، كل شي ينتهي بالموت إذاً.

﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

( سورة يونس: 23 )

 شيء عارض طارق.

 

﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)﴾

 

( سورة يونس: 23 )

 هذا الإنسان العادي.
 المؤمن: المؤمن في الرخاء هو شاكر، هو بالقوة متواضع هو بالعلم يقول أنا لا أعلم، الله يعلم، أنا طالب علم، هو بالغنى يقول الله هو الغني.
 سئل رجل لمن هذا القطيع من الإبل قال: هو لله في يدي الإنسان مستخلف في المال، المال مال الله، والدليل.

 

﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾

 

( سورة النور 33 )

﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾

( سورة الحديد: 7 )

 أنت مالك مالك المال، تملك حق الانتفاع به وسوف تحاسب.
 فالإنسان المؤمن، وهو غني متواضع، وهو قوي متواضع وهو صحيح متواضع.
 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام، كانت تعظم عنده النعمة مهما دقة، الإنسان شرب كأس ماء، هذا لو كان الطريق غير سالك، لو صار الطريق مسدود، بحس بآلام لا تحتمل، بمشي، في ناس ما يمشوا، مقعدين، يرى، في ناس لا يرون.
 فالمؤمن وهو متمتع بالنعم، يشكر الله عليها، حينما تأتي المصيبة يصبر يرى أنها من فعل الله، وأن الله هو العادل، والرحيم والحكيم، والعليم.
 فالمؤمن عكس الكافر، في الرخاء شكور، في البلاء صبور في الرخاء متواضع، في البلاء متواضع، ما في عنده تجبر، فاالله يرزقنا الحال الثاني حالة المؤمن الذي لا ينسى، والنبي الكريم يقول: أغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، و حياتك قبل موتك.
 أغتنم ! الآن القلب عما ينبض، ما له مشكلة، اعمل أعمال صالحة، صلي صلاة متقنة، اطلب العلم، ابذل من مالك، لأنه قد يأتي يوم لا تستطيع، قد يأتي يوم ليس معك ما تنفق، فأغتنم خمس قبل خمس.
 والحديث الذي يعد قاسمة الظهر، أن الإنسان لو أراد الدنيا وأصر عليها، وأعرض عن الآخرة، ماذا ينتظر من الدنيا ؟ قال سبع أشياء:

 

((بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكما من الدنيا ؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، قد يأتي فقر مفاجئ، أيام قرار تروح الأملاك كلها، أو كساد إفلاسات، إذا كان في عليك مسؤوليات ما في بيع، والبضاعة كاسدة، تطر تبيع ما نباع معك بتفلس، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غناً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال، فشر غائبٍ منتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر.))

 

 أيها الأخوة: هذا النموذج الله ذكره، حتى نتجنبه، الإنسان لا يعتد بالرخاء، لا يعتد بالصحة، كل شيء زائل.
 ملك سئل وزيره ؟ قال له قل لي كلمةً، إن كنت حزيناً أفرح، وإن كنت فرحاً أحزن، قال له: كل حالٍ يزول.
 ما في شيء دائم، وقف بسوق الحميدية، شوف هل الدكاكين على الصفين هلق في طقم، أصحاب المحلات طقم غير طقم قبل خمسين سنة، وغير قبل مائة سنة، طقم وراء طقم، يكبر بموت بيعوا المحل، يجي واحد ثاني، والبيوت نفس الشي، والمزارع كذلك، كل شيء موقت، أنت مستخلف:

﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾

( سورة الأنعام: 165 )

 فهذا النموذج يجب أن نحذر أن نكون منه، بالرخاء يعتد، قوي متجبر بالشدة بصير مثل الطفل، لا، أنت بطولتك أن تكون بالرخاء تكون متواضع، عرفان حجمك، عبد لله، ضمن منهج الله، حتى إذا جاءت الشدة تتقبلها، وأغلب الظن الله عز وجل يحميك.

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.