الدرس : 3 - سورة يونس - تفسير الآية 39 ، التكذيب من دون علم

1994-09-18

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
 في سورة يونس آية كريمة هي التاسعة والثلاثون وهي قوله تعالى:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)﴾

 باللغة كلمة لم... تفيد نفي الماضي.
 وكلمة لما... تفيد نفي الحاضر.
 وكلمة لن... تفيد نفي المستقبل.
 فقد تقول لن أفعل هذا ! يعني في المستقبل، ولم أفعله ! في الماضي، ولما أفعله ! يعني حتى الآن لم أفعله، الآن لم أفعله، لكن احتمال أن أفعله قائم.
 أوضح من ذلك، مدرس لم يحضر، الدرس مضى ولم يحضر نقول لن يحضر، أتصل هاتفياً أعتذر عن الدرس قبل أن يأتي، نقول لن يحضر ! لا أتصل ولا أعتذر، مضى خمس دقائق، عشر دقائق سؤلنا أين المدرس ؟ قلنا لما يحضر ! للآن ما أجى، ممكن يأتي. طيب كلمة لما دقيقة جداً، ربما فهمت الآية من لما.

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾

 يعني الله وعد المرابي بالدمار بس الآن غني وقوي وأمواله عما تتضاعف ! وعد الزاني بالفقر وعما يزداد مال الزاني ! وعد المنحرف بالعقاب، ما تعاقب ! ليس معنى هذا بأنه لن يعاقب، إلى الآن لم يعاقب، لكن احتمال عقابه قائم بكل لحظة.
 الإنسان متى يكذب بالنص ؟

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾

 أنت مختص بالفيزياء، أعطينك حقيقة بالفيزياء، بحسب علمك تقول صح أو غلط، إما أن تقبلها بعلمك أو أن ترفضها، فالتكذيب هنا بعلم والتصديق بعلم، لا تعلم ما إن كان صحيح أو غلط، بتجربها التجربة تؤكد ذلك، لا تعلم ولا تجرب، كيف تكذب ! لا تعلم ولا تجرب، كيف تكذب ! معناها التكذيب من دون علم جريمة، والتكذيب من دون تجربه جريمة، فربنا عز وجل كأنه يريد، إما أن تعلموا أو أن تنتظروا وقوع تأويل هذا القرآن.
 يعني الله عز وجل وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بحياة طيبة، قال:

 

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

 

( سورة النحل: 97 )

 ما تأويل هذه الآية، قد يظن بعضكم بأنه التفسير، لا ! التأويل: الحياة الطيبة التي يحياها المؤمن هي تأويل هذه الآية.
وعد المعرض بمعيشة ضنك، متاعب وقلق وهموم وخوف إلى آخره، ما تأويل هذه الآية ؟

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

 

( سورة طه: 124 )

 المعيشة الضنك هي تأويل هذه الآية.
 طيب:

 

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

 

( سورة الطلاق: 2 )

 ما تأويل هذه الآية ؟ إذا الإنسان اتقى الله عز وجل، قد تكون الأمور كلها مغلقة لكن ثم تفتح، هذا الفتح، وهذا التوفيق لخلاص من أزمة هو المخرج، هو تأويل هذه الآية.
 فأيها الأخوة الكرام: ضعوا في أذهانكم أن التأويل، تحقق الوعد والوعيد فالإنسان ما له حق يكذب قبل أن ينتظر النتائج، الله قال:

 

﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)﴾

 

( سورة النحل: 36 )

 فالإنسان ما له حق يكذب بالكتاب، قبل أن يحيط علماً به وقبل أن ينتظر تأويله.
 إذاً هذا الذي يتسرع، أخي نحن شو عاملين، هكذا عما يصير فينا مثلاً، في آيات تؤكد ذلك، ليش الأجانب أخي أغنياء، وأقوياء وما عندهم مشكلة، ما قرؤوا القرآن معناها، الله قال:

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

 

( سورة الأنعام: 44 )

 إذاً التأويل تحقق الوعد والوعيد.

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

( سورة الإسراء: 81 )

 أخي في باطل، ألم ترى كيف أن الله أزهقه بعد سبعين عام.

 

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

 

 طبعاً زهوق هذأ الباطل تأويل الآية.
 فإذا الإنسان في عنده إدراك عميق ما من آية، إلا والحياة والزمن والأحداث تأكدها، الآية الكريمة:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

( سورة البقرة: 276 )

 هو بالحساب بالعكس، إذا كان تصدقت نقص مالك، إذا كان أقرضت قرض ربوي، فائدة مركبة زاد مالك الآية بالعكس.

 

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

 طيب جرب تصدق وشوف، كيف أن الله عز وجل من حيث لا تحتسب، يأتيك الرزق الحلال الطيب، اعمل قرض ربوي وشوف، يدمر الإنسان ضربة وراء ضربة، وراء ضربة، فالضربات الساحقة، الماحقة للمال عقب أكل الربا، تأويل الآية، والتوفيقات غير المتوقعة لنماء المال عقب الصدقات، تأويل الآية، فخلي ببالك التأويل هو تحقق الوعد والوعيد، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعده أو وعيده.

 

 

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾

 

( سورة القصص: 83 )

 الأمور تدور، تدور تدور، لا تستقر إلا على إكرام المؤمن ومحق الكافر.
 تاريخ الصحابة، سيدنا الصديق أين هو الآن ؟ ذكره، سمعته مكانته مصيره، وأبو لهب، وأبو جهل.
 فالتأويل أيها الأخوة: تحقق الوعد والوعيد، الإنسان ما له حق يكذب بالكتاب قبل أن يحيط علماً به، الآية مالك قارئها، أو ما عندك علم بهذا الموضوع.
 لو فرضنا واحد فلكي، وقرأ آية كونية.

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

( سورة الواقعة: 75 ـ 76 )

 إذا يعرف أنه بين بعض المجرات أربع وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، شو هل الرقم هذا، المجرات أربع وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، شو معنى سنة ضوئية ؟ يعني الضوء يقطع بالثانية الوحدة ثلاث مائة ألف كيلو متر، بالدقيقة ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين باليوم ضرب أربع وعشرين، بالسنة ضرب ثلاث مائة وخمس وستون، تضرب ثلاث مائة ألف، بستين، بستين، بأربع وعشرين، بثلاث مائة وخمس وستون هذا ما يقطعه الضوء في ثانية واحدة، تضربه بأربع وعشرين ألف مليون.
 الله قال:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

 عالم الفلك يقرأ الآية بدوب، يخشع.
 عالم الفيزياء يقرأ الآيات المتعلقة بالماء يخشع.
 عالم الرياضيات يخشع، عالم الطبيعة يخشع.
 عالم مثلاً قال لك:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً﴾

( سورة يس: 80 )

 والله هذه الآية ما كنت أفهمها بحياتي، شجر أخضر ما بصير نار، بكون يابس، لو قال اليابس بتضبط، أما الأخضر، كلمة أخضر، يعني هذا النبات العملاق، لولا هذه الورقة الخضراء لما كان المعمل بالورقة المعمل، هي الأخضر وصف سببه، لولا الورقة الخضراء، يلي فيها يخضور فيها فتانات، وفيها فلزات حديد، وفيها 18 معدن مذاب بالماء، وفيها آزوت، وفيها طاقة شمسية، وهذه الورقة معمل يعد أعقد معمل موجود بالكون، وأعظم معمل صنعه الإنسان يبدو تافهاً أمامها.

 

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ﴾

 لولا هذه الورقة الخضراء، لما كان هذا شجراً، نارا، كيف نار ؟ هذا البترول أساسه غابات عملاقة، طمرت تحت الأرض، فكانت هذا البترول.

 

 

﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾

 

 لذلك العالم بقدر الآيات، عالم الطبيعة، عالم الجيولوجيا، عالم الفيزياء عالم الكيمياء، عالم الرياضيات، عالم الفلك، عالم الجغرافية.
 الله عز وجل قال:

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾

( سورة الروم: 2 ـ 3)

 اسأل عالم جغرافية، أخفض نقطة باليابسة، هي غور فلسطين أخفض نقطة باليابسة، أخفض نقطة بالبحر، بالمحيط الهادي، بخليج مريانا، أثنى عشر ألف متر، أما أخفض نقطة باليابسة، هي غور فلسطين، والمعركة تمت بغور فلسطين، وما كان معروف أن هذه المنطقة أنها أخفض نقطة، كلام خالق الكون:

 

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾

 إذا أنت، إما أن تعلم أو أن يأتي التأويل الواقع يؤكد القرآن الكريم، لا انتظرت التأويل، ومالك علم بالكتاب كيف عما تكذب؟
 واحد جاءته رسالة، ممكن وهي بالظرف يشقها، اقرأها وشوف شو فيها أحمق بكون، افتح الظرف واقرأ الرسالة، ما عجبتك شقها وحطها بالزبالة، لكن قبل أن تقرأها تمزقها، أحمق هذا، بدو قصير هذا.

 

 

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾

 

 ينبغي أن تتحقق، وأن تنتظر التأويل، حتى تخشع وترى أن القرآن كلام الله لا يؤكد أن هذا القرآن كلام الله، إلا أنك تعلم، الله ماذا قال:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

( سورة فاطر: 28 )

 العالم وحده هو الذي يخشع، واثقون على أن النوية بالنطفة خمسة آلاف مليون معلومة عرفوا منها حتى الآن ثمانمائة ألف، بالهندسة الوراثية، على النوية بالنطفة، الخلية الحيوية لها غلاف، لها هيولا، لها نواة، ضمن النواة في نوية، وعلى هذه النوية خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة زمنياً تسهم في تشكيل الإنسان، لو سألت عالم هندسة وراثية وعرفوا حتى الآن ثمانمائة منهم، من خمسة آلاف مليون، لو قرأ الآية.

 

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)﴾

 

( سورة الطور: 35 )

 يخشع، الإنسان بإلقاء الزوجي، يطلع منه ثلاث مائة ألف حوين حوين واحد يلقح البويضة، واحد، وعلى البويضة في ثلاث وعشرون كروموزون، وعلى الحوين ثلاث وعشرون كروموزون، مجموعهم ست وأربعين.
 فإما أن تعلم فتخشع، وإما أن ترى النتائج فتخشع، لا هي ولا هي وتكذب غير معقول هذا الكلام، الآية دقيقة جداً، إما أن تعلم وإما أن ترى التطبيقات، لا انتظرت التطبيق، لا شاف مصير المرابي ولا مصير المتصدق ولا مصير الزاني، ولا مصير القاتل، ولا مصير المؤمن، ما شاف المصير ولا أراد أن يعلم حتى يقدر الكتاب.
 هذه الآية أيها الأخوة: هي التاسعة والثلاثين.

 

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾

 

 التأويل، تحقق الوعد والوعيد.

﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)﴾

 في عندنا ثلاث مبادئ، الخلق يدل عليه، والقرآن يدل عليه والأفعال تدل عليه، أن تعرف الله من كلامه، ومن أفعاله الحوادث ومن خلقه الكون الكون.

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

( سورة البقرة: 164 )

 والحوادث.

 

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾

 

( سورة الأنعام: 11)

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.