الدرس : 5 - سورة يونس - تفسير الآية 61 ، مراقبة الله

1994-09-24

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
 أيها الأخوة الكرام:
 الآية الواحد والستون في سورة يونس وهي قوله تعالى:

﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) ﴾

﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾

 الشأن الحال في أي شأن.

 

﴿ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ ﴾

 يا محمد:

 

 

﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾

 أيها المؤمنين:

 

 

﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾

 

 في أي شأن أنت في بيتك، مع أهلك، في لهوك، في حزنك في بيعك في شرائك، في سرورك، في غضبك، وما تكون في شأن وما يخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم ينسحبوا على المؤمنين بالتبعية، لقوله تعالى:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

( سورة هود: 112 )

﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾

 إنسان في بيته وحده، مع أهله، منطلق يتكلم.

﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾

 أي عمل، عمل جاد، عمل هازل، عمل حقير، عمل دنيء عمل جليل، عمل صغير، عمل كبير.

 

﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾

 

 أيها الأخوة لمجرد أن توقن أن الله معك، ويراقبك، ولك بالمرصاد، لا بد من أن تستحي من الله عز وجل، لابد من أن تستقيم على أمره.
 أيها الأخوة:
 في آية بالقرآن الكريم، لعلي ذكرته لكم من قبل، من أدق الآيات:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾

( سورة الطلاق: 12 )

 هذه اللام في اللغة لام التعليل، يعني علة خلق السماوات والأرض وما بينهما من أجل أن تعلموا، يعني أنت إذا ألغيت العلم، ألغيت وجودك، وألغيت حكمة خلق السماوات والأرض، إذا ألغيت العلم في حياتك، ألغيت وجودك، الإنسان وبقيت على وجود يهم، أنت لك وجود إنساني ولك وجود يهم أكل، أشرب، أنام، أتعب، أتستريح، هذا الصفات يشترك بها الإنسان والحيوان، هذا وجود يهمني، أما، أتعلم، أفكر، أتأمل أتعرف إلى الله، أطلب العلم، أطلب الحقيقة، هذا وجود إنساني لمجرد أن تلغي من حياتك العلم، طلب العلم، ومعرفة الله ومعرفة منهجه، ألغيت وجودك الإنساني، وعطلت حكمة خلق السماوات والأرض، شيء خطير.

 

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾

 

 هذه اللام في اللغة لام التعليل طيب أنا دخلت الجامعة لأنال الشهادة، لام التعليل، حفرت البئر لأسقي الأرض، زرعت البزرة لأجني الثمرة، هي باللغة لام التعليل علة الوجود، هل تصدقون أيها الأخوة، أن علة وجود السماوات والأرض، من أجل أن تكون السماوات والأرض مظهراً لأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلة، من أجل أن نعرفه، فإذا ألغيت معرفة الله واكتفيت بالطعام والشراب، ألغيت وجودك الإنساني، وبقيت على وجود حيواني.
 لذلك قال تعالى:

﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)﴾

( سورة الفرقان: 44 )

 الأنعام ليسوا مكلفين، ليس عندهم حساب، ليس عندهم مسئولية، أودع الله فيهم الشهوات وسمح لهم أن ينالوا منها ما شاءوا من دون حساب، من دون تكليف.

 

﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)﴾

 

 آية ثانية:

﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾

( سورة الأعراف: 176 )

 آية ثالثة:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾

( سورة الجمعة: 5 )

 آية رابعة:

﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾

( سورة المنافقون: 4 )

 أبلغ هي، جماد يعني:

﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾

 آية خامسة:

﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾

(سورة المدثر: 50 ـ 51)

 آية سابعة:

 

 أيها الأخوة:

﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾

(سورة الحجر: 3 )

﴿كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)﴾

﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾

 فإذا اقتصرت حياة الإنسان على المتعة والطعام والشراب، ألغى وجوده الإنساني، وهبط إلى المستوى الحيواني.
 لذلك الآية:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾

 ماذا نعلم ؟ شيئين:

﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾

(سورة البقرة: 106 )

﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾

(سورة الطلاق: 12 )

 لمجرد أن توقن أن الله يعلم وسيحاسب استقمت على أمره، مستحيل مستحيل، أنت تستقيم مع أمر إنسان لا تحبه، إذا أيقنت أنه يعلم وسيحاسب، إنسان عادي، أي إنسان إذا كنت تاجر، استوردت بضاعة نسخة من الوثائق إلى المالية، والمالية بإمكانها أن تصادر كل المحل التجاري هل بإمكانك أن تخفي عن المالية هذه الصفقة ؟ نسخة من هذه المعاملة تذهب إلى المالية سلفاً، وستحاسب، وقادرة أن تصادر المحل كله، هل تخفي عنها شيئاً أبداً أنت مع إنسان عادي، إذا أيقنت أنه يعلم وسيحاسب تستقيم على أمره، فكيف بخالق الكون ؟ هي الآية أساسية، الله اختار من أسمائه أسمين فقط.

 

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾

 

﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾

 يعني علة خلق السماوات والأرض أن تعلم أن الله يعلم وسيحاسب، وأنت إذا أيقنت.
 مرة ضربت مثل أنت راكب هذه المركبة تبعك، والإشارة حمراء والشرطي واقف، والسيارة واقفة وميتورات واقفين، وأنت مواطن عادي، هل يمكن أن تسير على الحمراء ؟ والشرطي واقف، والنقيب واقف، وكلهم واقفين وممنوع السير، لا، مستحيل أنت عامل الله عز وجل، كما تعامل إنسان قوي كيف مع القوي تطيع أمره وتخاف من عقابه.
 أيها الأخوة:

 

﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾

 

 لذلك: أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان، إذا علمت أن الله معك حيث كنت، لابد من أن تستقيم على أمره.

﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾

 لو أنقذت نملةً وأنت تتوضأ، نملة أنقذت، لو أنقذت هذه النملة لو نزعت قشةً من المسجد، ما هذا العمل ؟ ماذا فعلت ؟ لقيت قشة صغيرة طولها سانتي وضعتها في جيبك، يعني تقرباً إلى الله عز وجل هذا العمل فما فوقه ؟ لا يعزب عند ربك، ولا يعزب.

﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)﴾

 كله مسجل.
 في بعض الدول الغربية، الساعة الثالثة بالليل ما في أحد الإشارة حمراء يأتي إنسان من بلاد بعيدة عن النظام الدقيق، ما في حدى بيمشي، بعد يومين يأتيه مخالفة، بخمسين مارك، أنا ما كنت بهذا المكان ! يعطونه الصورة، تفضل في أجهزة تلتقط المخالفين بتشوف السيارة مع رقمها، يسكت.

 

﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾

 ويوم القيامة صدقوني، تعرض أعمال الإنسان على صاحبها، عملاً، عملاً عرض صورة، كاملة، هكذا فعلت، فإذا الإنسان أيقن، أن عمله مسجل أن أقواله مسجلة.
 إذا واحد حققوا معه، يمكن الكلمة يحسبها خمس ساعات، هي لا ما راح أحكي هيك، إذا أنت مع إنسان، شعرت أن كل كلامك سوف تحاسب عنه، تراقب كلامك، مراقبة تامة.
 أيها الأخوة الكرام، إذا أيقنا، أن الله معنا، فهذه من أعلى درجات الإيمان هذا العلماء سموه حال المراقبة، أن تشعر أنك مراقب من قبل الله عز وجل، بكل أحوالك، وما تكون في شأن، يعني حتى الإنسان أحياناً، في اللذائذ المباحة التي أباحها الله عز وجل له، لا ينسى أن الله أكرمه، وأن الله تفضل عليه، وأن الله سبحانه وتعالى سخر له هذا العطاء من أجل إنجاب الأولاد، ومن أجل تربيتهم يعني حتى في الساعات التي قد يغيب معظم الناس عن ربهم، هناك من لا يغيب عن رب، يشعر أنه مراقب، هو الله يراقبه، فالإنسان كلما أدرك عظم هذه المراقبة، تطامن، وتأدب، لهذا أعلى إنسان تأدب الأدب العالي هو النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا ؟ لأنه يشعر أن الله معه دائماً.
 النبي الكريم قال مرة:

 

((أنه أستحي من الله كما تستحي من رجل من علية قومك.))

 واحد منا له أقرباء، أيام بكون في عميد الأسرة، يعني شخص كبير في السن راقي علم على أخلاق، لو أن هذا الإنسان زارك، هل تستقبله بالقميص الداخلي، مستحيل، هل تستقبله وأنت منفوش الشعر مستحيل، كيف بتعامل إنسان راقي بأسرتك ؟ الأولى بك أن تتأدب مع الله، كما تتأدب مع رجل من علية القوم.
 أيها الأخوة الكرام: هي الآية أساسية، أن تشعر أن الله معك إذا وصلت أن الله معك، ويراقبك، وسيحاسبك، استقمت على أمره وإن استقمت على أمره نلت خيري الدنيا والآخرة.

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.