الدرس : 1 - سورة الرعد - تفسير الآيات 1 - 4

1994-12-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة الكرام، يقول الله تعالى في سورة الرعد:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[سورة الرعد]

 الحقيقة أنَّ الكون كما تعلمون أيها الأخوة مُؤلَّف من ملايين المَجَرَّات بل الرَّقم قد يقترب مِن مليون مليون مجرَّة في حُدود معلومات علماء الفلك، وكل مجرَّة تقترب من مليون مليون نَجم، وهذا الكون كلّه في فلكٍ يسْبح، وكلّ كوْكَبٍ يَجري في مسارٍ مُغْلَق، وإذا أردْنا أن نصِفَ السماء بِوَصْف جامِعٍ مانِعٍ شامِلٍ مطلق: والسماء ذات الرَّجع، فَكُلّ كوكَبٍ ينطلق ويدور ويعود بعد آلاف السِّنين مِن نقطة انْطِلاقه، أي أنَّ المَسَار مُغْلَق، فالأفلاك التي تدور فيها النُّجوم أشْكال بَيْضَوِيَّة مُغْلَقَة وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾

[سورة الطارق]

 أما أن يقول الله عز وجل:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

 

[سورة الرعد]

 المعنى المُتبادَر أنَّها بِغَير عمَد، أما المعنى اللُّغوي الدقيق أنَّها بِعَمَد ولكن لا تَرَوْنها، هيَ بِغَير عَمَدٍ مَرْئِيَّة، إذًا هي بِعَمَدٍ غير مَرْئِيَّة، فما هي الأعمدة ؟ وما هو العَمَد غير المرئي ؟ قال علماء الفلَك هي قِوى التَّجاذب ! وقانون التجاذب الذي كشَفَهُ نيوتن: أنَّ كلّ كتلة تَجْذب أو تنجذب إلى كتلة أخرى وهو معروف عند طلاب العلم الكوني ؛ جداء المسافة مضروبة بمُربع الكتلتين، فالكتلة الأكبر تجذب الأصغر، والجذب مُتَعَلِّق بالمسافة وبالكتلة.
 أيها الأخوة، لولا حركة الكواكب لأصْبَحَ هذا الكون وِفْق هذا القانون كتلةً واحِدَة ؛ لأنَّ الأكبر يَجْذب الأصغَر، فما الذي يَمْنَعُ مِن تجمُّع الكَون ؟ كلّ كوكب يدور، ومع دَوْرَتِهِ تنشأ قِوى نابِذة، هذه القِوى النابِذة تكافئ القِوى الجاذبة، فالكون يدور بانتِظام دون أن يتجمَّع في كتلة واحِدَة.
 الآن هناك نقطة دقيقة جدًا أُريد أن أضَعها بين أيديكم ؛ الشَّمس مثلاً فالأرض تدور حول الشَّمس في مسار مُغلق، والدَّوْرَة تستغرق ثلاثمائة وخمس وستون يوم وربع، وهي السنة الشَّمْسِيَّة، فلو فرَضْنا أنَّ الأرض تفلَّتَتْ مِن مسارِها حول الشَّمْس، وسارَت في الفضاء الكوني وأرَدْنا أن نُعيدها إلى مسارِها فَكَم نحْتاج إلى قوَّة ؟ قال العلماء: نحتاج إلى مليون مليون كَبْل فولاذي مظفور، وقُطر كلّ كَبْل خمسة أمتار والكَبل الذي قطره خمسة أمتار يُقاوِم مليونين طنّ، فهذه القوَّة التي ترتبط الأرض بها بالشَّمس مِن أجل أن تبقى الأرض فيها تدور حول الشَّمس ثلاثة ميلي في الثانية، إذًا الأرض مربوطة بالشَّمس بِأَعمِدَة أو حِبال لكنّ هذه الحِبال غير مَرْئِيَّة، والله عز وجل قال إنّ هذا الكون يتحرَّك بِنِظام مُبْدِع ومُعْجِز ومن دون حِبال وأعمِدة ودعائم، ثمّ لو أرادنا زرْع هذه الكبلات في الأرض لأعاقَت السَّيْر والزَّرْع وضوء الشمس نفسه، فَكَم هي آيات الله باهرة ؟! كُلُّكم يعلم أنَّ ما بين الأرض والشمس مائة وستٌّ وخمسون مليون كيلومتر، ومع ذلك الأرض مَرْبوطة بالشَّمس بِقِوى الجذب، قال تعالى:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

 

[سورة الرعد]

 والضوء يقطع هذه المسافة في ثمانية دقائق وكلُّكم يعلم أنَّ في بُرج العَقْرب نَجمًا صغيرًا اسمه نجم العقرب يتَّسِع للأرض والشمس والمسافة بينهما ! لذلك الله عز وجل قال:

﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

[سورة يونس]

 وقال تعالى:

 

﴿ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(48)﴾

 

[سورة الزخرف]

 هذا الكون خُلِق مِن أجل أن نعرف الله عز وجل، فربُّنا عز وجل يقول لك:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾

 

[سورة الرعد]

 فهل عَرَفْتَهُ ؟
 ثمَّ قال تعالى:

 

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

 

[سورة الرعد]

 يُقَدِّر علماء الفلك أنَّ الشمس مضى على تألُّقها خمسة آلاف مليون سنة ويُقَدِّر العلماء أنَّها تعيس خمسة آلاف مليون سنة، فهل عندك أنت مِدفأة تشْتعل دون وَقود ؟ أين وَقودُها ؟ الحديث عن الشمس حديث يَطول ! مليارات الأطنان لا تكفي كي تشتعِلَ بهذه الطريقَة، ستَّة آلاف درجة على سَطْحِها، عشرين مليون درجة في نواتها، ألسِنَة اللَّهَب طولها مِن نِصف إلى مليون كيلومتر، ولو أنَّ الأرض أُلْقِيَت في الشمس لتَبَخَّرَت في ثانِيَة واحِدَة قال تعالى:

 

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(11)﴾

 

[سورة لقمان]

 فهو تعالى قال:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

 

[سورة الرعد]

 والدليل قوله تعالى:

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2)وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3)وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4)وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5)وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6)وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ(7)وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)﴾

[سورة التكوير]

 فكل يمشي لأجل مُسَمّى، ثمَّ قال تعالى:

 

﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

 

[سورة الرعد]

 أي لعلَّكم تؤمنون أنَّ بعد هذه الحياة حياةٌ، وبعد هذه الحياة يوم يُحاسَب الإنسان فيه على أعْمالِهِ قال تعالى:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾

 

[سورة الرعد]

 تَمشي بِطُرق سهلة ومُمْتَدَّة، وهناك بالهندسة شَكل واحِد الخُطوط عليه مُمْتَدَّة فالمُكعَّب الحرف ينتهي عند حدِّه، والمَوْشور ينتهي عند حَرْفِهِ وكذا متوازي المستطيلات وكل شَكْل هندسي إلا الكرة ! فليس لها حُروف، فالخُطوط على الكُرة تَمْتدُّ إلى ما لا نِهايَة، وهذه إشارة في كتاب الله على أنّ الأرض كُرَة.
 قال تعالى:

 

﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً﴾

 

[سورة الرعد]

 معنى رواسي ؛ كلُّ مَن عنده مَرْكَبَة يقول لك عدَّلْت الدولاب، وذلك مِن أجل إذا مشى بِسُرعة مائتان لا تضطرب، والأرض في سرعتها الشديدة حول نفسها ومع سَيْرِها حول الشمس قد تضطرب، فما الذي يَجْعلها لا تضطرب ؟ هذه الرَّواسي والجبال، قال تعالى:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

 

[سورة الرعد]

 وعلاقة الرواسي بالأنهار أنَّ مُستَوْدعات الأنهار بالجبال.
 أندونيسيا بها أربعة آلاف جزيرة، ولكل جزيرة نَبْع ماء، وينابيع الماء بالجُزر مُستَودَعاتُها في القارات، فكلَّما جاءتْ كلمة رواسي جاءَت معها كلمة أنهار، قال تعالى:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

 

[سورة الرعد]

 أربعة آلاف وخمسمائة نوْعًا بالعالم، وثلاثمائة نوعٍ من العِنَب والبندورة فيها نوع للعصير ونوه للسَّلطة ونوع كبير وآخر مُضَلَّع ونوع ماؤُهُ كثيف، كل نوعٍ من أنواع الفاكهة مُنوَّع، الزَّيتون والتفاح والعنب.
 قال تعالى:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

 

[سورة الرعد]

 معنى ذلك أنَّ الله يَحُضُّنا على التفكّر في هذا الكون، قال تعالى:

 

﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 مَن أعطى هذه الفاكِهَة هذا الطَّعم ؟ يقول لك: فيها فوسفور وكالسيوم ومغنيزيوم وفيتامينات، من صَمَّم هذا الغِذاء ؟ قال تعالى:

 

﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾

 

[ سورة يوسف ]

 وهنا لي سؤال: كُلْ حبَّة توت وكُلْ حبَّة خوخ، وحبَّة مشمش وأجاص ود راق، وحبَّة عِنَب، هل لك أن تصف واحدة من هذه الفواكه دون أن تلجأ لاسمِها، لا يُمكِن وَصْف الطَّعم من دون ذِكْر الفاكِهَة، كلّ فاكِهَةٍ لها طَعْم، قال تعالى:

 

﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 لذلك أيها الأخوة الكرام أعلى عِبادة على الإطلاق التَّفكُّر في السماوات والأرض، أوْسَع باب لِمَعرفَةِ الله هو الكَوْن، وأقْصَر طريق لِمَعرفَة الله هو الكون، وهو أعلى عِبادة لذلك قال تعالى:

 

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)﴾

 

[ سورة القدر ]

 إذا قدَّرْت الله حقّ القدر يكون هذا أحسن مِن أن تَعْبُدَه ألف شهر أي ثمانين سنة، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)﴾

[ سورة فاطر ]

 فالتفكّر عبادة فهذا الكون خُلِقَ من أجل أن تعرفه، فالإنسان لابد أن لا يأكل كما تأكل البهائِم، قال تعالى:

﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)﴾

[ سورة محمد ]

 واشكر الله على نِعَم الله، ولا شرْط أن تكون غَنِيًّا، فالعَين نِعْمة كبيرة، وكذا الكِليَة، مَن يبيعُ كِلْيَتَهُ ؟ فأنت غنِيٌّ بِصِحَّتِك وإيمانِك وإخوانك، والله عز وجل قال:

 

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

 

[سورة الرعد ]