الدرس : 3 - سورة الرعد - تفسير الآية 18

1994-12-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة المؤمنون، الآية الثامنة عشرة من سورة الرعد وهي قوله تعالى:

﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾

[ سورة الرعد ]

 الاستِجابة لله عز وجل الانْصِياع لأمْرِهِ، والتوبة له، وطاعته، وفتْحُ صفْحةٍ جديدة معه، والإنابة إليه، والتَّوَكُّل عليه، فالله تعالى دعانا فاسْتَجَبْنا، والله عز وجل يقول:

 

﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾

 

[ سورة الرعد ]

 أمَرَكَ بِغَضِّ البَصَر فغَضَضْتَهُ، معنى هذا أنَّك اسْتَجَبْتَ، اِدْفَعْ زكاة مالِكِ، وانْصِف الناس فزكَّيْتَ وأنْصَفْت ؛ هذه هي الاسْتِجابَة، كُنْ عفيفًا ومُنْصِفًا ومُحْسِنًا ورحيمًا، وأدِّ الصلوات الخمس، وغضّ بصرَك، وحرِّرْ دَخْلَك أنْفِق مالك في الوجه الصحيح ؛ كل هذا يعني أنَّك اسْتَجَبْتَ.
 المُطْلَق على إطْلاقِهِ، ماذا يعني الحُسنى ؟ حُسْنى في صِحَّتك وزواجِك وحُسنى في عملك، هناك فندق في ألمانيا خمس نُجوم ذكر لي أخ نام في هذا الفندق مَكتوب على لَوْحَة: إذا تَقلَّبْتَ بالليل، وأصابك الأرق فالعِلَّة ليْسَت في السرير ولكن فيك ‍! الحُسنى سلامة مع نفْسِك، يمكن أن تصل إلى أكبر مرتبة اجْتِماعِيَّة، وإلى أكبر دَخْل، ولكنّ هذا الدَّخْل مَبني على إنقاذ الآخرين، وعلى الكذب والغِشّ والاخْتِيال، الذي له حساسِيَّة لا يرْتاح، المؤمن العاقل يطلب السلامة لِنَفْسِه، إذْ يُمكن أن يكون إنسان لا يكذب ودخلهُ حلال، وهو عند الناس بالدَّرجة الدنيا ولكنَّه عند الله تعالى في أعلى عِلِيِّين، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فقال عليه الصلاة والسلام:

((أهلاً بِمَن خبَّرني جبريل بِقدومه ‍ ! فقال هذا الصحابي: أَوَ مِثْلي ! قال: نعم، أنت خامِل في الأرض علم في السماء...))

 يجوز أن يكون ضارب آلة كاتبة، والمدير له ثمانية تلفونات، وسِكْرتارْيا، ومكتب طوله ثمانية أمتار وقد يكون هذا الخادم أفضل منه عند الله، التقوى ترفع الإنسان، لذلك قال تعالى:

 

﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾

 

[ سورة الرعد ]

 وعظمة القرآن أنّ المطلَق على إطْلاقِهِ، حُسنى في أسْرته، وحُسنى في عملهِ، وحُسنى في صِحَّتِه، وحتى في مماتِه، فقد كنتُ في تَعْزِيَة، وإلى جانبي كان أحد عُلماء دمشق الأكارم ؛ وله دعوة، خرج من بيْت التَّعْزِيَة، وما إن خرَجَ من بيت التَّعْزِيَة حتى رآهُ رجل، فقال له: هل لي أن أوصِلَكَ إلى البيت ؟! وكان هذا الشَّخص بيتُهُ إلى جانب بيت التَّعْزِيَة، فأوْصَلَهُ ونزل هذا العالِم من السيارة، وصَعِد أربعة طوابق نزع ثيابه وتسطَّح على فِراشِهِ، وقُبِضَتْ روحُهُ، فالله سخَّر إنسانًا يوصِلُهُ إلى بيتِه ويموت فيها مرتاحًا، ولا يموت كما يموت البعض شرّ موتة، فأحيانًا يموت الإنسان بالطريق ويبقى بها خمس ساعات حتى يؤخَذ، وهناك من يموت بالمرحاض، كما أنّ هناك من يموت وهو ساجِد، وهناك من يموت في الحج، وكذا الحسنى بالآخرة:

 

﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾

 

[ سورة الرعد ]

 أيْ كيفَما تحرَّكْت يكْرِمُكَ الله، ولهذا قال العلماء: هناك أمَّة الاسْتِجابة، وهناك أمَّة التَّبليغ، فأُمَّة الاسْتِجابة الذين اسْتَجابوا لِرَبِّهم، وأمَّة التَّبليغ هم الذين يولدون مسلمين بِحُكم أنَّ أوْلِياءهم مسلمين، فكلمة مسلم بالهَوِيَّة لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، أمَّة التبليغ إذا كنت منها لا ميِّزَة لك، ولكنّ الميِّزة أن تكون من الذين استجابوا ؛ اسْمعوا لهذه الآية:

 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

 

[سورة الأنفال ]

 عندنا بِأصول الفقه قواعِد كُلِيَّة، عندنا المعنى والمعنى المُخالِف العكسي يعني، فإذا الواحِد ما اسْتَجاب فَمَن هو ؟ ميِّت، والله تعالى قال:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾

[ سورة فاطر ]

 وقال تعالى:

 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾

 

[ سورة النحل ]

 فالطبيب إذا فحص مُصابًا على الأرض ورأى أنَّ النَّبْض معدوم، وكذا التَّنفس والاسْتِجابة منعدمة، معنى هذا أنّ المُصاب مُنْتَه، قال لي فلان: فلانة سافرة ومُتَبَرِّجة ومات زوْجُها، ومُوَظَّفة فكيف العدَّة بالنِّسبة لها ؟! فقلتُ له: هذه لا عُدَّة لها، لا صلاة ولا صوم ؛ هذه مُنعدِمَة، قال تعالى:

 

﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾

 

[ سورة الرعد ]

 فالاستِجابة حياة، والإنسان إذا بدأ يُصَلِّي، وغضَّ بصره، وينفق ماله فهذا دليل الحياة، وأنَّ فيه نبْض ! أما أن تجعل القرآن للموتى فقط فهذا جَهل، مَن دخل الأربعين فقد دَخَل أسواق الآخرة، تجده لا يدخل المنزل إلا ليلاً، أين كنت ؟!
 ثمَّ قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 لم يُزَكِّ ماله، ولم ينفق، وما غضَّ بصره، وما عَدَل، وما حرَّر دَخْلَهُ، قال تعالى:

 

﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾

 

[ سورة الرعد ]

 إذا كان الواحد له محلّ بالحمراء ؛ يقول لك: المتر بمائة وخمسون ألف ! لو أنَّ لك الشام كلّها، وكل شركات الطيران، وكل النَّفط لك، ثمّ قال تعالى:

 

﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 أحيانًا يُكتب بالجريدة ثلاث كلمات: أنَّنا سَنَسْتَوْرِد سيارات، تجد في اليوم التالي أنَّ أسعار السيارات نزَلَت إلى مائتان ألف ليرة ! إذا إنسان صرَّح تتغيَّر كل أسعار البلد، وهذا إله يقول لك: لو تَمْلِك كلّ الدنيا وكل الأسواق والشركات ؛ هناك شركات ضَخمة جدًا كما في اليابان تجد الفائض من الشركات الملايير، الله تعالى:

 

﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 أي خلِّصوني وخُذوا كلّ شيء، لن يتخلَّص إنسان، هذا كلام إله وخالق الكون، قال تعالى:

 

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 قال تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

[ سورة الزلزلة ]

 فهذه الآية تكفينا:

 

﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 فالكافر يستعِد أن يدْفع كلّ شيء ويتدَيَّن من أجل أن ينفذ من سوء الحِساب ! قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[ سورة الحجر ]

 لماذا أعْطَيْتَ ؟ ولماذا مَنَعْتَ ؟ ولماذا طلَّقْت ؟ ولماذا صافَحْتَ ؟ والآن نحن في بَحْبوحة، ومادامت هناك حركة بالقلب، فباب التَّوبة مَفتوح، مُشكلة الإيمان أنَّ الخِيار ليس قبول أو رفْض، قال تعالى:

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 ففِرْعَون آمن بعد فوات الأوان.