الدرس : 4 - سورة الرعد - تفسير الآيات 19 - 24

1994-12-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، الآية التاسعة عشرة من سورة الرعد، وهي قوله تعالى:

﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)﴾

[ سورة الرعد ]

 وصَفَ الله لنا أولوا الألباب، لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له، ويُطْبَعُ المؤمن على الخِلال كلِّها إلا الخِيانَة والكذب، فإذا خانَ أو كذب، إنَّ أطْيَب الكَسب كَسب التُّجار كما ورد في الأثر ؛ الذين إن حدَّثوا لم يكذبوا، وإن وَعَدوا لم يُخْلِفوا، وإذا ائتُمِنوا لم يخونوا، وإذا اشْتَروا لم يَذُمُّوا، وإذا باعوا لم يُطْروا، وإذا كان لهم لم يُعَسِّروا، وإذا كان عليهم لم يُنْقِذوا، فالدِّين صِدْقٌ وأمانة ووفاء بالعَهْد، لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له وهؤلاء أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ؛ شخص اشْترى بيت بِمَساكن دُمَر، فقال له صاحبها: البيت بثلاثمائة ألف ليرة الحاصل أنّ البائع جاءه من دفع له أكثر من هذا المبلغ، فلم يرضَ بيْعَهُ مِن أجل أنَّ وعد وسلَّم البيت، فلما جاء هذا الشّخص ؛ قال له: هل جاءك مَن أعطاك أكثر مِنِّي ؟ فقال البائِع: نعم، ولكنَّني لا أبيعُ ديني مِن أجل مبلغٍ بخْس من الدنيا ! فأُعْجِب هذا الشخص بِعَهد هذا البائِع، ولم تمْض أيام حتَّى طلبت الجمعيات السَّكنِيَّة من البائِعين دَفْع مبلغًا ماليًا كبيرًا ؛ فَدَفَعَ المُشتري هذا المبلغ دون أن يُعْلِم البائِع !!
 فهذه المُعاملات النادرة تُثلِجُ الصَّدْر، وإذا نظرنا إلى الخيانات التي تكون بين الناس تجعل القلب يضيق، فلو أنّ الإيمان عَشْعش قلوبنا لَعِشْنا في جنَّة، سبعمائة ألف بيت مُغْلَق في دمشق، فلو كان هناك ثقة وعَهْد لما غُلِقَتْ، وحتى قالوا: ليس هناك أزْمَة سَكَن، ولكن أزْمَة إسْكان ! فأزْمة سكَن يعني لا توجَد بُيوت، أما أزْمة إسْكان يعني لا توجَد ثِقَة، إذًا لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له، والمؤمن يُنْفِذ وعْدهُ ولو على قَطْعِ رأسِهِ، أحد الصحابة قبل الهِجْرة أُلْقِيَ عليه القَبْض من قِبَل الكفار فقال لهم: أطْلِقوا صراحي وأُعاهِدُكم على أن لا أُقاتِلَكُم ! فجاءَت الغزْوَة فلما أراد أن يُقاتِل قال له النبي عليه الصلاة والسلام:

((اِرْجِع ألم تُعاهِدهم أن لا تُقاتِلَهُم ))

 لذلك إذا عامَلْتَ مؤْمِنًا تشْعر أنَّ كلمته أثقل شهادة أحد.
 قال تعالى :

 

﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 هذه صِفات أولي الألباب، يَصِلون ما أمرَ به الله أن يوصَل، يَصِلُ رحِمَهُ والمؤمنين وإخوانهُ، أما الكفار والفجار والعُصاة، هؤلاء ينبغي أن تبتعِدَ عنهم، ولكنَّ الذي يَحْصَل أنَّ الإنسان يبْحث عن مصالِحِهِ ؛ يَصِلُ أهل الدنيا ويَقْطعُ أهْل الحقّ، ويُؤْثِر مجالس الطَّرَب على مجالس العِلْم، إذًا قُلْ لي مَن تَصِلُ ومَن تَقْطَعُ أقول لك مَن أنت ؟‍ تؤثِر ماذا ؟ أما المؤمن فَيَصِلُ أهْل الحق، ويصِلُ المؤمنين وأهل الحق، وغير المؤمن يَصِل الأقوِياء ومَن عندهم الجاه.
 قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 ساعة الحِساب نافِذة بين يَدَيْه وعَيْنَيْهِ ولا تغيب عنه لَحْظة، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 كما قلتُ لكم في درسٍ سابِق صَبْرٌ على الطاعة، وصبْر عن المَعْصِيَة وصَبْرٌ على أمر الله وقضاء الله، قد تصبر على إنسانٍ قهَرَكَ، هذا ليس لِوَجْه الله، أما الذي لِوَجه الله أن تكون أنت القويّ والطرف الآخر ضعيف، صَبَرْتَ على زوْجَتِك وأولادِك ؛ هذه هي البُطولة، أما القوي فَكُل الناس يصبرون لأنَّك لا تستطيع أن تتنفَّس معه، فالصَّبر الحقيقي أن تصبر عمَّن هو دونك.
 شدَّ أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام من ثوبه...فهذا المال ليس مالك ولا مال أبيك...." هذا هو الصَّبر، قال تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ...علانية " فمثلاً الإنسان يتجبَّر عمَّن هم دونه في الوظيفة، وأمام مُديره تجده كالطِّفل ‍! إذا لم تَقْدِر على القويّ، فارْحَم الضعيف، أما مع الضعيف مُتَجَبِّر ومع القوي كالطِّفل فهذا موقف مُتناقض ولا أخلاقي، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 كلمة ومما رزقناهم عامَّة ؛ أعطاك مال أنْفِقِ المال، وأعطاك علم أنْفِقِ العِلْم، فلو وضَعَ أخ عندك ابنه لِيَتَعَلَّم مَصْلحة واسْتَخْدَمْتَهُ لِمَصالِحِك الخاصَّة ولم تُعَلِّمْهُ المَصْحلة، فالله كبير، فالمؤمن يُعْطي من مالهِ وعِلْمِهِ وجاههِ وخِبْرَتِهِ ومن كل شيء، فالآية واضِحَة ينفق سِرًّا وعلانِيَة، فإذا هو أنْفَقَ علانِيَةً لِيُشَجِّعَ الناس، وخاف الرِّياء أنْفَقَ سِرًّا، وكل واحِدٍ حكيم نفسِهِ فالضابِط هو النيَّة.
 قال تعالى:

 

﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 الإنسان يغلط لكنَّ الله تعالى مِن كريم رحْمته قال لك: إذا غلطْت اصْنع المعروف فإنَّ الحسنات يُذْهِبن السيِّئات، كلَّما شَعَرْتَ بِعَلاقة سيِّئة مع والدَيك أو أقارِبِك أو إخوانِك قدِّم لهم الهدِيَّة وبادِرْهم بالحسنى واسْتَرْضِهِ، وإذا لم يكن معك اِقرأ القرآن، صُم، اِسْتَغْفِر، قدِّم مَعونتَك.
 ثمَّ قال تعالى:

 

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 مِن كل بابٍ مِن أبواب الخير، هناك المنفقون والدعاة إلى الله والذين أمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر، والذين تركوا عِلْمًا ينتَفَعُ به من بعدهم، والذين أسَّسوا مشاريع خَيْرِيَّة ؛ كل هذه أبواب خَيْرِيَّة، قال تعالى:

 

﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 هؤلاء هم أولوا الألباب ؛ يوفون بِعَهْد الله، و:

 

﴿يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾

 

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾

 فالأمْر واضِح، وهذه صِفات المؤمنين، لا تعيش بالأحلام الدِّين يُسر، ولا تَشْديد في ديننا، ولا يوجد أمر تَعْجيزي، ألا تستطيع أن تفْعَل عوض السيِّئة حسَنَة، إن فَعَلْت كنتَ مِن أهل الألباب.