الدرس : 7 - سورة الرعد - تفسير الآية 31

1995-01-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة المؤمنون، فالآية الواحدة والثلاثون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾

 

(سورة الرعد )

 هذه الآية أيها الأخوة بالِغَة الدِّقَّة، وهي مُتَعَلِّقَة بِأصل العقيدة ؛ مَضمون هذه الآية أنَّ هذا الكون بِوَضْعِهِ الراهِن هو مُعْجِزَة وليس خلقُ قوانينِهِ هو المُعْجِزَة، مَن لم يرَ عظمة الله عز وجل في الشمس والقمر، ومن الليل والنهار، ومِن خلق الإنسان، ومِن المطر في السماء، ومن إنبات النبات، والسمك في البِحار، والطيور في الأجْواء، مَن لم يرَ عظمة الخَلْق مِن خِلال الخَلْق فهذا لا يُقْنِعُهُ خرق القوانين، فهذه الأمور لِضِعاف العُقول، فالله تعالى يقول:

﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾

[سورة الرعد]

 قرأْنا آية فَمَشى الجَبَل، قال تعالى:

 

﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾

 

[سورة الرعد]

 وقرأنا آية ثانِيَة فَوصَلْنا إلى الصِّين في دقيقة، قال تعالى:

 

﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾

 

[سورة الرعد]

 أو اسْتيقَظ الميِّت وجعل يُكَلِّمُنا، كلّ هذا خرْق للقوانين، فلو أنَّ القرآن الذي نزل على النبي عليه الصلاة والسلام قُطِّعت به الأرض أو سيِّرَت به الجبال أو كلِّم به الموتى، إذا لم يُرِد الإنسان أن يَهتدي - فالهِداية قرار داخِلي يتَّخِذُهُ الإنسان في أعْماق نفسِهِ، فإذا أراد أن يَهْتدِيَ إلى الله فأَصْغَر شيءٍ يهديه إلى الله ! أما إن أعْرَض عن الهِدايَة فلو عاشَ مع النبي عليه الصلاة والسلام كتِفًا بِكَتِف، ورآهُ رأْيَ العَيْن، وقرأ القرآن فمَشَتْ الجِبال، وقطع الأرض، وكُلِّم به الموتى، فخَرْق القوانين لا يمكن أن يُقْنِعَ إنسانًا بالهُدى، الكون بِوَضْعِهِ الراهِن يكْفي، فالإنسان حينما يولد، لو أمْعنَ النَّظر ! يُخَلَّق الإنسان مِن حُوَين مَنَوي ومِن بُوَيْضَة، والعِلْم أثْبَتَ أنَّ اللِّقاء الزَّوْجي يخرج من الذَّكَر خمسمائة مليون حُوَين ! وَحُوَيْنٌ واحِدٌ يَكفي لِتَلْقيح البُوَيْضَة، البُوَيْضَة والحُوَيْن على كلٍّ منهما مَعْلومات مُبَرْمَجَة تزيد عن خمسة آلاف مليون، وحتى الآن اكْتُشِف منها ثمان مائة وأكبر ضَجَّة عِلْمِيَّة الآن حول الهَنْدَسة الوِراثِيَّة ؛ هذه الجينات المُوَرِّثات خمسة آلاف مليون معلومة، فإذا عرفْتَ أنَّ في العَين مائة وثلاثون مليون عُصَيَّة ومخروط، وأنّ العصب البصري تسعمائة ألف عصب وأنَّ في شَعْر الإنسان ثلاثمائة ألف شَعْرة، وفي كُلّ شَعْرة وريد وشريان وعضلة وعصب وغُدَّة دِهْنِيَّة وصِبْغِيَّة، وإذا عرفت الخلايا في المعدة، خمسة وثلاثون مليون عُصَارَة، وفي كل نصف سنتمتر مربَّع بالمعِدَة، وإذا رأيْت خصائص الكبِد خمسة آلاف وظيفة، وخصائص السَّمع والبصر، والقلب ماذا يعْمَل ؟ فهل أنت بِحاجة لخرق هذه القوانين ؟! فالقوانين نفسُها ؛ الشمس والقمر، لِسان لَهَب الشمس مليون كيلومتر، عشرين مليون درجة في نواتها، وستَّة آلاف درجة على سطحها، مُتألِّقة من خمسة آلاف مليون عام، وقرأتْ مقالة أنَّهُ بقِيَ من عُمُرِها مائة مليار عام ! قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾

 

[سورة الرعد]

 الجواب مَحْذوف ! وهو: ما آمنوا، ولن يؤمنوا، ولو فكَّروا في الكون لعرفوا الله من دون خرْق القوانين، قال تعالى:

 

﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾

 

[سورة الرعد]

 قال تعالى:

 

﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾

 

[سورة الرعد]

 فرئيس الجامعة هل يعْجز أن يُوَزِّع أوراقًا مَكْتوبة كاملة بالإجابة الصحيحة، وعلى الطالب فقط كتابة اسمِهِ ؟! فهل لِهذا النَّجاح قيمة ؟! ليس له قيمة لا عند الناس ولا عند إدارة الجامعة، ولا عند الطالب نفسِه، فالله تعالى:

 

﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾

 لكن هذا الهُدى لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر ولا يرفع عند الله عز وجل، فهذا المؤمن لا بد أن يعرف أنَّ لو القَضِيَّة قضِيَّة إجْبار لأجْبَر الناس على الهُدى، لكنّ هذا الإجبار لا يُسْعِدُهم ولا يجعلهم يَرْقَون، فالذي يجْعلهم يَرْقَون مُبادرتهم إلى الهُدى الذاتِيَّة، والإنسان بالخِيار يُقَيَّم عملُه.
 إذًا خَرْقُ القوانين من دون أن تطلب الحقيقة من الداخل لا ينفع، فإذا أراد الإنسان الهُدى يمكن لِكأس الماء أن يوصِلُهُ إلى الله، وابنُهُ في البيت الذي يعلم أنَّه كان نقطة ماء وأصبحَ إنسانًا يتكلَّم ويضْحك وفيه قلب ومرارة وكبد وبنكرياس وكلية، وعضلات وأعصاب وعِظام وجلد وشعر، الكون وَحْدَهُ مُعْجِز، ورَدَ في الأثر: حَسْبكم الكَون مُعْجِزَة، فإذا كان بين الأرض والشمس مائة وستٌّ وخمسون مليون كيلومتر، وتكبر الشمس الأرض بِمِلْيون وثلاثمائة ألف مرَّة، ونجم العقرب يتَّسِعُ للشمس والأرض مع المسافة بينهما، فالأرض مثلاً تُسقى بِماء واحِد، وهذا فجل وذاك جزر، قال تعالى:

 

 

﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

 

[سورة الرعد]

 تفاح وبصل وموز وخيار، وفلفلة، وذكر لي صديق أنّ حقل بطيخ كان له شهرين وهو يأخذ منه، فقلتُ في نفسي: لو كان البطيخ كالتُّفاح ! ماذا نفعَل به ؟ نَرْميه، فَحِكْمَةُ الله شاءَت أن ينضج كلّ يوم قسمٌ، فسألْتُهُ كيف تختار التي نضَجت من غيرها، فالكل أخضر ؟ قال لي: الله تعالى جعَلَ حلَزون إلى جانب البطيخة تمسِكُه فإذا انْكَسَر كان دليل على أنَّها نضَجَت، وإن لم ينكسِر كان دليل عدم النُّضْج، قال تعالى:

﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16)﴾

[سورة النمل]

 والله تعالى قال:

﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)﴾

[سورة عبس]

 ثلاثة آلاف نوع قمْح بالعالم، وهو مادَّة أساسيَّة ينبت بِكُلّ الفُصول والله تعالى رحمةً بنا الأشياء التي هي من القوت تنضج بِيَوم واحِد، أما التفاح والمشمش والكمَّثرى هذه تنضج تِباعًا ؛ هذه كلُّها آيات دالة على عظمة الله عز وجل.
 المُلخَّص أنَّ الكون بِوَضْعِهِ الحقيقي، وبِسَمائِهِ وأرْضِهِ، وبِمِياهِهِ وينابيعِه، وخلق الإنسان والحيوان وحْدَهُ يدلّ على الله، ولكنَّ خرْق الكون إذا لم يكن هُدى لا يفيد شيئًا، قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾

 

[سورة الرعد]

 فلو كان هذا يَحْمِلُهم على الهُدى لفعَلَهُ الله، ولكن لا يفيدهم !
 قال تعالى:

 

﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

 

[سورة الرعد]

 الكفار مطلوبون من قبَلِ الله، قال تعالى:

 

﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾

 

[سورة الرعد]

 كل الخَلْق خلقَهم لِيَرْحمهم ولو كفروا، وحتى الكافر، يسوق له من الشدائد ما يحْملهُ على الهُدى، وأنا أقول: تسعين بالمائة من الذين اهْتَدَوا على أثر تربيَة إلهِيَّة وحكيمة ؛ إما أن يُخيفَهُ أو يُمرِضُه.
 آيتُنا فيها ثلاثة نِقاط أساسِيَّة ؛ الكَون بِوَضْعِهِ الراهِن هو المُعْجِزَة، ولو انَّ الله تعالى أراد أن يَهْدِيَ الناس جميعًا هُدى قَسْرِيًّا يسْلبهم اخْتِيارهم لَفَعَل ولكن هذا لا يُسْعِدُهم، والشيء الأخير أنَّ الخَلق كلهم مَطْلوبون عند الله عز وجل، لذلك حتى الكفار كما قال تعالى:

 

﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾

 

[سورة الرعد]

 لذا علينا أن نُفَكِّر في الكون كي نَتعرَّف إلى الله، وأن نأتِيَ الله مُخْتارين، وإذا قصَّرْنا يُرَبِّينا الله.