الدرس : 5 - سورة الحجر - تفسير الآية 88 ، لا عيش إلا عيش الآخرة

1995-01-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة المؤمنون:
 الآية الثامنة والثمانون من سورة الحجر وهي قوله تعالى:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 هذه ألا أيها الأخوة: لا الناهية، الله سبحانه وتعالى ينهى النبي عن أن يمد عينيه، ما معنى مد عينيه ؟ إذا الإنسان رأى بيتاً فخماً ينظر إليه هكذا، ويتمنى أن يكون عنده مثل هذا البيت، هذا المعنى المألوف بيننا، إنسان نظر إلى مركبة فارهة، نظر إليها فكانت ملئ عينيه، وتمنى أن يكون له مثلها، لكن لو أردنا أن نفهم هذا المعنى بحق النبي عليه الصلاة والسلام.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾

 إلى ما، هذه إلى ما أيها الأخوة: لغير العاقل، ومن للعاقل، لو أن إنسان قال أنا أنظر إلى ما عندي من بقر، لا يقول أنا أنظر إلى من عندي من بقر، من للعاقل، وما لغير العاقل، تقول جاء من تحبه وهذا ما تحبه، هذا ما تحبه أداة، كأس، طعام، لباس، هذا ما تحبه لكن جاء من تحبه، من للعاقل.
 المعنى الثاني:

 

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾

 

 الأزواج هنا لا تعني الزوج وزوجته أبداً، يعني هذا الإنسان أحب المال حتى أصبح المال زوجاً له، فلان أحب البيت حتى أصبح البيت زوجاً له فلان أحب السفر حتى أصبح السفر زوجاً له، يعني أعلى درجة من الاندماج، والحب، والولاء، والاهتمام، والاستغراق، والانصراف هو الزوج، قال هؤلاء الذين أحبوا الدنيا، بعضهم أحب مالها، بعضهم أحب نسائها، بعضهم أحب مراكزها، بعضهم أحب طعامها، بعضهم أحب متعها الرخيصة، هذا الذي أحب هذا الشيء، صار الشيء زوجاً له، قال هذا الإنسان وعاء، فإذا أحب الدنيا حباً جما، امتلئ وعائه، فلا يتسع لشيء آخر، لذلك مهما حاولت أن تلقي عليه الموعظة، أن تلفت نظره إلى حقيقة الدنيا.

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)﴾

( سورة البقرة: 18 )

 هذا القلب وعاء امتلئ بحب الدنيا، لا يتسع الآن إلى شيء آخر فكأن الله سبحانه وتعالى يوجه نبيه الكريم، والدعاة من بعده، إلى أنك إذا أردت أن تهدي إنساناً غارقاً في حب الدنيا، غارقاً في شهواتها غارقاً في نسائها، غارقاً في متعها الرخيصة، لا تجد أن هذا الإنسان ممكن أن يستجيب إطلاقاً، ولا أن يلتفت، ولا أن ينتبه، ولا أن يعي ولا أن يفكر.

 

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾

 لكن أجمل ما في الآية أن الله سبحانه وتعالى وصف هؤلاء بأنهم غير عقلاء، من كلمة واحدة، ما قال ولا تمدن عينيك إلى من متعنا به أزواجاً منهم، قال:

 

 

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾

 الإنسان قد يصل للدنيا بشيء عالي جداً، يعني أناقة ما بعدها أناقة، نفاسة بالطعام ما بعدها نفاسة، مركبة من أعلى مستوى، بيت بالمصيف بيت بالساحل، بيت هنا، قال:

 

 

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾

 بربكم هل يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام أن يمد عينيه إلى ما متع به هؤلاء من الدنيا، كما يمد أحدنا عينيه إلى شيء فخمٍ في الدنيا هذا لا يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام، لا يتناسب مع مقامه إطلاقاً هو الذي قال:

 

 

((والله لو الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))

 هذا المعنى الذي نقع به أحياناً، قد نرى مركبة فارهة نقول هنيئاً لصاحبها، قد ترى بيتاً جميلاً في موقعٍ ممتاز، له إطلالة جميلة واسع، تقول هنيئاً لصاحبه، قد تجد قطعة أرض فيها مسبح وفيها فيلة، وفيها أشجار مثمرة، بقلك مثل الجنة، هنيئاً لصاحبها، هذا المعنى يليق بنا، لكن لا يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام، إذاً يمد عينيه إلى ماذا ؟ هنا السؤال، هو ينهاه، لا تمدن عينيك إلى هؤلاء، أي لا تطمع في هدايتهم، هناك معنى يؤكد هذا المعنى، قال:

 

 

﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾

 تنفي عن هذا النبي العظيم أن يمد عينيه بالمعنى المألوف عندنا يعني أنت إذا رأيت إنسان غارقاً في حب المال، في حب النساء، في حب المراكز، في حب المتع الرخيصة، غارق في شهوات دنيوية لأنك تحرص على هدايته، وفي الوقت نفسه تحزن عليه، علامة الرحمة أن تحزن عليه، إذا كان لقيت إنسان بعيد، مقطوع، غارق بالمعاصي، لا تحقد عليه، احزن عليه، هو جاهل، لا يعرف الحقيقة.

 

 

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾

 أيام بقلك واحد فلان تزوج الشغل كل همه شغله، أيام إنسان يقبر في تجارته، والله عز وجل قال في آية أخرى:

 

 

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

 

(سورة فاطر: 22)

 هذا مقبور ومنته، هذا تجارته قبرته، لا يعي على خير، ما في عنده وقت ليعرف الله عز وجل، ما في عنده وقت يحضر مجلس علم، ما في عنده وقت يقرأ قرآن، ما في عنده وقت يفهم حكم الله عز وجل، ماله فاضي، غرقان بعمله حتى قمة رأسه، قال هذا وعاء تلَ لا تغلب حالك معه، ما فيه محل، كلامك ماله محل عنده، فهذا المعنى يليق بالنبي، النبي عليه الصلاة والسلام كان يمد عينيه إلى هؤلاء الغارقين في الدنيا، إلى هؤلاء التائهين، إلى هؤلاء الشاردين، إلى هؤلاء المقطوعين عن الله عز وجل، إلى الذين أحبوا الدنيا، وانغمسوا بها، وتعلقوا بها، وامتلئ وعائهم منها، فلا يعرفون حقاً، ولا باطلاً قال: يا محمد هؤلاء الأشخاص وفر وقتك، ولا تمدن عينيك إلى هدايتهم، فقد امتلأت قلوبهم بالدنيا، ولا مكان في قلوبهم لمعرفة الله ابحث عن إنسان طالب الحق، هذا المعنى الذي يليق بالنبي.

 

﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾

 بعدين.

 

 

﴿ إِلَى مَا ﴾

 كلمة ما تعني غير عقلاء هؤلاء، لو كانوا عقلاء لفكروا بالفانية.
 بربكم أيها الأخوة، واحد ساكن ببيت مستأجر بنظام ببلد أن المالك يطرد المستأجر بثانية، بدون إنذار، هكذا النظام تبع البلد، وله دخل كبير هذا الإنسان المستأجر، يضع دخله في تزيني هذا البيت ؟ وله بيت آخر مهدم، بلا أبواب، بلا جدران، بلا سقف ذاك البيت لك ملكك، إذا وضعت فيه مالك، مالك محفوظ، أما إذا وضعت كل مالك في هذا البيت المستأجر، بأي ثانية، إطلاع لبره صفيت بره، هذا وضع الناس بالدنيا، كل إمكانيته لتزيين حياته، وملك الموت جاهز، أبو ترابة جاهز، شرف شرف خلص، طيب البيت أمشي، شوف أنت لما يطلع النعش من البيت بشكل أفقي، آخر طلع، ما في رجعة، في واحد توفى أحد أقاربه قال عشية لماذا لم يأتِ إلى البيت، خلص ما عاد يرجع، يوزعوا ملابسه، بتحل مشاكلهم، يحزن شي شهر بعدين ما حزن، مثل العادة يصيروا، قال:

 

 

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾

 

 النبي ما كان يطلع ما كان عندهم من دنيا، هي تحت قدمه صلى الله عليه وسلم، لكن كان يحزن عليهم، إلا كان يمد عينيه إلى هدايتهم يطمع بهدايتهم، لكن الله الخبير العليم، أنبئه أن هؤلاء لا خير فيهم، لا تشغل نفسك بهم، انصرف عنهم، وقتك أثمن من هؤلاء، فإذا أنت رأيت إنسان غرقان في الدنيا إلى قمة رأسه، مقبور فيها، ما في محل لكلمة حق عنده، لا ضيع وقتك معه، ابحث عن واحد راغب بالحق، طالب للحق، ابحث عن واحد عنده فكر هذا ما عنده فكر.

﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾

 ما في دعوة بالقسوة، من أنت ؟ إذا النبي عليه الصلاة والسلام، النبي، الرسول، المعصوم، الذي يوحى إليه، المؤيد بالمعجزات، سيد الخلق، حبيب الحق، قال له أنت بالذات على كل ما أنت عليه من ميزات.

 

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

 

( سورة آل عمران: 159 )

 ما بدى غلاظ الشغلة، ما بدى عنف، ما بدى قسوة:

 

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 تواضع، الإنسان المتواضع محبوب جداً، المتواضع باب إلى الله عز وجل، ما في شيء يفسد الدين كالكبر، ما في شيء يفسد العالم كالفوقية، الشعور بالعلو، هذا يفسد دعوته إلى الله عز وجل النبي الكريم مأمور بالتواضع، قال له:

 

 

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

 وفي آية ثانية:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

( سورة الشعراء: 215 )

 والآية هي:

 

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

 ماذا تفهمون من هاتين الآيتين ؟ يعني أنت كمؤمن، لو التقيت بإنسان ليس من جماعتك، ليس من جامعك، مؤمن على العين والرأس، لازم تحبه، تتواضع له وتقدره، أم هذا التعصب الأعمى، النظرة الضيقة، هذا من أخوانا هذا ليس من أخوانا، هذا من جماعة فلان، ما أضعفنا إلا هذه النظرة الضيقة، شوف هاتين الآيتين:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

 الثانية:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 يعني عامة.
 أنت كمؤمن، أي إنسان من أي مكان، بأي زمان عرف الله، استقامة على أمره، خشي الله هذا أخوك بالله، دعك من هذه النظرة الضيقة، ومن هذا التمزق الذي أصاب المسلمين، لا هذا من جماعتنا، لا هذا من جماعتكم، هؤلاء يفكروا هؤلاء، وهؤلاء يفكروا هؤلاء، هذا يلي لا يرضي الله عز وجل، والآيتين دقيقتين جداً.

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

 الثانية:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 وكل مؤمن من أخوان الكرام، التقى بمؤمن آخر من أي بلد، من أي جهة، من أي جماعة، من أي مكان، على العين والرأس، لازم تحبه وتعتني فيه، تصادقه، تعاون، تخدمه، هي الإيمان، لأن الله عز وجل أمرنا أن ننتمي لا إلى جماعة، ولا إلى فئة، ولا إلى طائفة، أمرنا أن ننتمي إلى مجموع المؤمنين، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾

( سورة الحجرات: 10 )

 ما لم تشعر بانتمائك إلى مجموع المؤمنين ما لك مؤمن، فهذه الآية تكفي.

 

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾

 يعني لا تغلب حالك، ليس عليك هداهم.

 

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾

( سورة القصص: 56 )

 إنك لا تستطيع أن تهدي من أحببت، ولست مسئول عن عدم هدايتهم، كم آية ؟ آيتين.

 

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

 

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

( سورة البقرة: 272 )

 لست قادراً، ولا مسئولاً.

 

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾

 أما هؤلاء الغارقون في الدنيا، المنغمسون في شهواتها، ما لهم هم إلا الطعام، والشراب، والنساء، والشهوات، والسفر، واللقاءات، والأكل، هؤلاء دعك منهم وفر وقتك، من تكلم بالحكمة لغير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها أهلها فقد ظلمها، يعني تعطي دابة فله يأكلها، هذه ليست للأكل، هي للشم، أكلها، طبيب يلي أعطاها له هو الدابة، ليست هي.

 

 

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

والحمد لله رب العالمين

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.