الدرس : 1 - سورة سبأ - تفسير الآيات 3 - 5

1995-11-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، في سورة سبأ، وهي الآية الثالثة والآيات التي بعدها، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾

[ سورة سبأ ]

 أركان الإيمان في القرآن خمسة ؛ الإيمان بالله وملائكته و كتبه ورسله والقدر خيره و شره من الله تعالى، وممَّا يلفت النظر أن أكثر ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن الكريم هما الإيمان بالله واليوم الآخر وأنَّه لا معنى أن تؤمن بالله من دون أن تؤمن بعدالته ولا معنى أن تؤمن باليوم الآخر من دون أن تؤمن بالله، فكأنَّ الركنين المتلازمين في كتاب الله ؛ الإيمان بالله و اليوم الآخر ؛ متكاملان ولأنَّك إنْ آمنتَ باليوم الآخر فستُحَلُّ مليون قضية في الحياة، لأن في الحياة الدنيا ظالم مظلوم و غنيٌّ وفقير و قويٌّ و ضعيف وصحيح ومريض ووسيم وذميم و مُعمِّر وقيصر العمر، فالحظوظ متفاوتة في الدنيا، فهناك إنسان لا يجد غرفة يتزوج فيها وآخر له قصر في مصيَف يقضي فيه أياما معدودات في الأسبوع، وهناك إنسان يتمنَّى لقمة لحم، وهناك إنسان آخر يكاد يكره اللحم لكثرة ما يأكله، فلأن هناك غني و فقير وقوي وضعيف و صحيح ومريض وظالم ومظلوم ووسيم وذميم ومعمِّر وقصير العمر، فالحظوظ متفاوتة في الدنيا تفاوتا كبيرا، و لو أن هذه الدنيا هي كلُّ شيء والموت نهاية كلِّ شيء توزيع الحظوظ فيه ظلم شديد، و لا ترتاح النفس ولا تستقر ولا يتوازن الإنسان إلا إذا آمن أنَّنا في دار عمل لا جزاء فيها ونأتي إلى دار جزاء لا عمل فيها، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام

 

((أنتم في دار عمل ولا جزاء وسوف تُنقلون إلى دار جزاء و لا عمل ))

 فلذلك لو أنه لا تُوجد الآخرة لكان الكفار أذكى من المؤمنين بمليار مرة، لأن هناك آخرة وهناك حساب دقيق يُحاسب الإنسان على نظرة وعلى كلمة وعلى ابتسامة وعلى درهم، لذلك المؤمن إذا عرف الله عز وجل هو من أسعد الناس.
 بالمناسبة، يا إخواننا أيُّ إنسان مهما كان غبيا إذا أيقن أن جهة قوية أصدرت أمرا، وعلمها يطولك و قدرتها تطولك، فلا يمكن أن يعصيَ هذه الجهة، أدنى الناس، لأنه قرار حازم و المخالفة تُسجَّل والعقاب أليم، فأي إنسان عنده ذرة تفكير لا يقدم على هذه المعصية، فإذا أنت آمنت أنَّ الله يعلم و سيُحاسِب، انتهى الأمر حينئذٍ، ولأنك علمت أن علمه يطولك، أنت لماذا لا تقف عند الإشارة الحمراء على الساعة الثالثة ليلا، لأنك تعلم أن الذي أصدر القانون لا يطولك علمه و قدرته لا تطولك، فإنك تعصي أمره، أما إذا علمت أن علمه يطولك و قدرته تطولك لا يمكن أن تعصي أمره، وإذا استوردت بضاعة و نسخة من الفاتورة تذهب إلى المالية ولم تظهر هذه البضاعة قي حساباتك سيكلفك ذلك ضريبة كبيرة جدًّا، هل يمكن أن لا تقدِّم حسابات هذه الصفقة في دفاترك ؟ مستحيل، لذلك قال تعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12)﴾

[ سورة الطلاق ]

 فالله اختار من أسماءه كلها علمه وقدرته، فلمجرد أن توقن أن علمه يطولك و أن قدرته تطولك مهما يكن الإنسان غبيا فلا بد من أن يستقيم على أمر الله فنحن في دار عمل ولا جزاء و سوف ننقَل إلى دار جزاء ولا عمل، فإذا أدرك الإنسان هذه الناحية ينضبط أشد الانضباط ويتقيَّد أشد التقييد و يكون وقَّافا عند حدود الله، فلا يتعدى ولا يظلم ولا يكذب و لا يغتاب، لأن الذي أمامه سوف يحاسبه وسيعذبه.
 الآن إذا كان من لوازم الإيمان بالله أن تؤمن باليوم الآخر، من لوازم الكفر بالله أن تكفر باليوم الآخر، لذلك الكافر يقول لك: هذه الدنيا هي كل شيء هي جنتنا و نارنا، لذلك يبحث عن المال بأي سبيل، و يستنفع إلى أعلى درجة بكل الوسائل، ويريد أن يكون مع النماذج كلها هذه صورة الكافر، قال تعالى:

 

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾

 

[ سورة سبأ ]

 أحد الإخوة الكرماء كلفوه بضريبة مخالفة سير كبيرة فانزعج وذهب حتى يراجع و يعترض، فأروْه صورة سيارته و رقمها في الشارع والساعة والدقيقة و السرعة، فسكت، فكلُّ أعمالنا مسجلة عند الله وسوف تعرض علينا باللون والصوت والصورة، قال تعالى

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾

[ سورة الإسراء ]

 قد تُسأَل لماذا طلقتَها و لماذا تزوجتها، لماذا أعطيتَ ولماذا منعتَ و لماذا غضبتَ ولماذا رضيتَ ؟ قال تعالى:

 

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾

 

[ سورة الحجر ]

 والحقيقة يا أيها الإخوة أنه كلما نما عقل الإنسان يخاف بعقله و كلما ضعف عقله يخاف بعينه، فالغنيُّ إذا وصل إلى المشكلة ينهار والواحد المثقف يعلم أن الدخان يضيِّق الشرايين و يرفع الضغط و يسرِّع نبضات قلبه...؛ هذه الأشياء وغيرها أصبحت بديهية في الدخان، فمتى يترك الإنسان الدخان ؟ الغبي حينما يُصاب بالسرطان أما الذكي حينما يقرأ هذه المعلومات يترك، فكلما خاف الإنسان بعقله يكون راقيا، وكلما خاف بعينه يكون غبيا، والإنسان إذا جاءه ملك الموت سيعرف الحقيقة التي عرفها الأنبياء ولكن بعد فوات الأوان فالبطولة الآن أن تعرفها و أنت صحيح شحيح قوي، فنحن في دار عمل و لا جزاء و سوف ننقل إلى دار جزاء و لا عمل، قال تعالى:

 

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾

 

[ سورة سبأ ]

 هذه الساعة التي " لتأتينكم " علَّتُها "قال تعالى:

 

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)﴾

 

[ سورة سبأ ]

 ثم قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5)﴾

 

[ سورة سبأ ]

 إذاً أسماء الله تعالى كلها محقَّقة في الدنيا إلا اسم العدل، يُحقق يوم القيامة، أسماءه كلها ؛ اللطيف القوي الغني السميع البصير...، كل أسماءه مجسَّدة في خلقه إلا اسم العدل يُؤخَّر إلى يوم القيامة، إلا أن الله سبحانه وتعالى رحمة بعباده يكافئ بعض المحسنين تشجيعا لهم ولغيرهم، و يعاقب بعض المسيئين ردعًا لهم ولغيرهم، لكن قد تجد إنسانا مسيئا لم يُعاقب، فنحن في دار عمل والعقاب يوم القيامة، مثل أن يكون الامتحان في شهر حزيران، أما هناك أستاذ يُجرِي مذاكرة تجريبية، يشجع فيها المجتهدين وينبِّه الكسلاء، أما الفحص النظامي ففي شهر حزيران، قال تعالى:

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 فإذا أيقنا باليوم الآخر فستنحل كل المشاكل و ننسى كل متاعبنا، و إذا وازنت بين الكافر والمؤمن، الكافر غني و متألق و يتحرك حركة واسعة جدا، صحة و أولاد و نساء و جمال وكمال، و المؤمن فقير ضعيف و دخله محدود و لكنه مستقيم، فإذا وازنت بين هذا وهذا في الدنيا يبدو الكافر أذكى من المؤمن، أما إذا وازنت بينهما في الدنيا و الآخرة معًا يظهر لك الكافر غبيا أحمق لأنه ضيَّع الأبد من أجل سنوات محدودة.
 أيها الإخوة، الإيمان، قال تعالى:

 

﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 فحظُّ الدنيا مؤقَّت، كنتُ في هذه الأيام في تشييع جنازة، لحظة وضع الميِّت في القبر لحظة غريبة جدا، القبر لا ماء فيه ولا كهرباء و لا نور، فالانتقال من بيت فخم فيه كل وسائل الراحة إلى القبر نقلة كبيرة جدا، لذلك الموت يلغي غنى الغنيِّ وفقر الفقير وقوة القوي وضعف الضعيف ووسامة الوسيم ودمامة الدميم وذكاء الذكي وغباء الغبي وصحة الصحيح ومرض المريض، فإذا نقلنا اهتماماتنا إلى الآخرة نكون عقلاء، و دقِّق في قول النبي عليه الصلاة والسلام: إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرا وإن أحزمكم أشدُّكم استعدادا له، ألا و إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التزوُّد بسكنى القبور و التأهُّب ليوم النشور
الآيات:

 

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾

 

[ سورة سبأ ]

 علة اليوم الآخر ؛ كما قال تعالى:

 

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(4)﴾

 

[ سورة يونس ]