الخطب الإذاعية - الخطبة : 71 - صلاة الاستسقاء - الأقوياء – بحضور السيد وزير الأوقاف .

2005-12-16

 الخطبة الأولى:
 الحمد لله... أن استجت لنا تفضلاً منك ورحمة، وهطلت الأمطار، نحمده حق حمده، ونسأله المزيد من فضله، فهو يعلم السر وأخفى، والجهر والنجوى، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقت فسويتَ، وقدّرت وقضيت، وأمتَّ وأحييت، وأمرضت وشفيت، وعافيت، وابتليت، وأغنيت، وأقنيت، وأضحكت وأبكيت، والمرجع والمآل إليك، نحن بك وإليك.
 وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خيرته من خلقه بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وترك أمته على بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
 صلوات الله عليه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً.
 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تثبيت النواميس والقوانين في الأرض

 إنَّ المتفكِّرَ في خلق السماوات والأرض يتبدى له من خلال جولته التأمُّلية أنّ الله ثبَّت أشياء كثيرة، منها النواميس والقوانين التي تحكم حركة الحياة، وثبَّت خصائص الأشياء التي نتعامل معها، وثبَّت دورة الأفلاك المحيطة بنا، وكل ذلك ترسيخا للنظام الكوني، وتحقيقاً لتسخير الأشياء لنا، كي ننتفع بها في حياتنا الدنيا، ولكي ترشدنا إلى ربنا، فنعرفه، ونطيعه، ونسعد بقربه في الدنيا والآخرة .
 وحَرَّك أشياء قليلة، منها الصحة والرزق، لتكون وسائل لتربيتنا، والأخذ بيدنا إلى الله وإلى جنته، فالإنسان حريص على سلامته وعلى رزقه.

التقنين الإلهي تأديب وتربية

 ومن الثابت أن التقنين الإلهي هو تقنينُ تأديبٍ وتربية، لا تقنين عجز وضعف، قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾

 

( سورة الشورى: الآية 27 )

 وقال سبحانه:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾

( سورة الحِجْر: الآية 21 )

 ثم إن الله جل وعلا لا يسوق لعباده شِدَّة إلا بما كسبت أيديهم، ويعفو عن كثير، قال عز وجل:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ﴾

( سورة النساء: الآية 147 )

 وقال عزَّ مِن قائلٍ:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

( سورة الشورى: الآية 30 )

 روى ابن ماجة والبزار والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

[ ابن ماجه، والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهما]

الماء قوام الحياة

 من النعم العظيمة التي من الله تعالى بها على الإنسان نعمة الماء العذب، فالماء العذب أفضل شراب، وأعظم صدقة، ورحمة الله لخلقه، وحيث وجد الماء وجدت الحياة .
 قال تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾

( سورة الأنبياء: من الآية 30 )

 إنَّ الحياةَ على وجهِ الأرضِ ؛ حياةَ الإنسانِ، وحياةَ الحيوانِ، وحياةَ النباتِ، قوامُها الماءُ، فالماءُ هو الوسيطُ الوحيدُ الذي يحملُ الأملاحَ، والموادَّ الغذائيةَ منحلةً فيه إلى الكائنِ الحيِّ، ولولا الماءُ لَمَا كانت حياةٌ على وجهِ الأرضِ.

 

كثرة المطر وقلته

 لذلك يتفضل الله به علينا، فيهطل في كلِّ ثانيةٍ مِن السماءِ إلى الأرضِ على مستوَى الكرةِ الأرضيةِ ستة عشر مليونَ طنٍّ مِن الماءِ، هذا التهطال لا يزيد ولاينقص كل عام، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَا عَامٌ بِأَمْطَرَ مِن عَامٍ ))

 

[البيهقي في السنن الكبرى عن ابن مسعود]

 وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، ولكن التوزيع يختلف من عام إلى عام، فيكون الجفاف في مكان، والفياضانات في مكان آخر، لحكمة أرادها الله علمها من علمها، وجهلها من جهلها

 

 

مشروعية الإستسقاء

 

 وقد تنقطع أسباب الرزق بانقطاع الأمطار، فتغور الينابيع وتجف الأنهار، وييبس الزرع، ويموت الضرع، ويهدد الإنسان بافتقاد كأس الماء، ولقمة العيش، ويجد نفسه مضطرا أن يخرج من أرضه الجدباء مشرداً، وأن يغادر بيته الخاوي هائماً على وجهه، وقد شرع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الاستسقاء طَلَبًا لِلرَّحْمَةِ وَالْإِغَاثَةِ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ الَّذِي هُوَ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ.
 ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾

( سورة نوح: الآية 10-12 )

 كَمَا اسْتَدَلَّ لَهُ بِعَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَائِهِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهِ , فَقَدْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي اسْتِسْقَائِهِ صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَحَطَ الْمَطَرُ، وَاحْمَرَّتْ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتْ الْبَهَائِمُ، فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، مَرَّتَيْنِ، وَايْمُ اللَّهِ، مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ، وَأَمْطَرَتْ، وَنَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ، تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يَحْبِسْهَا عَنَّا، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، فَكَشَطَتْ الْمَدِينَةُ، فَجَعَلَتْ تَمْطُرُ حَوْلَهَا، وَلَا تَمْطُرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةٌ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الْإِكْلِيلِ))

[ البخاري ]

 وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:

(( شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُحُوطَ الْمَطَرِ , فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى , وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ , قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ , متواضعاً، متبذلاً، متخشعاً، مترسلاً، متضرعاً فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ , فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ , وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ , وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَدْعُوَهُ , وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ , اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ، وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ من السماء، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إبِطَيْهِ , ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ , وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتْ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إلَى الْكُنِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ , وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ))

[أبو داود ]

 وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ:

(( صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ))

[ البخاري ومسلم ]

 

* * *

الخطبة الثانية:

الموضوع الساخن

 وإلى الموضوع الساخن:

 

 ما هذا العالم !؟ إنه عالم أحمر من الدماء التي تسفك ظلماً... ما هذا العالم الذي ليس في قاموسه إلا ( القتل، والتدمير، والقصف، والمداهمة، والقبض، والاعتقال، والتعذيب، والاغتيال، وأنهار من الدماء تجري...)، حتى إنك لتشك في إنسانية هذا العالم، فضلاً عن قيمه وأخلاقه، وحقيقة انتمائه إلى دينه.
 هل هذه حياة تعاش ؟
 هل هذه حضارة تثمن ؟
 هل هذه دول متقدمة ؟ أم أنها أَبَت إلا أن تأخذ بنصيبها من التخلف والهمجية، وإلا فبماذا تفسر تلك الأعمال الإجرامية والإرهاب الدولي ضد أبرياء وعزل وأصحاب حقوق سليبة، وكرامات منتهكة ؟

مسرحيات وتناقضات صارخة

 إن حياة الغاب أرحم بكثير مما نشاهده في مسرحية ( الحرية والديمقراطية، وحقوق الإنسان ) التي استمتعنا بالفصل الأول منها، ونحن في غفلة ساهون، وبكينا في الفصول اللاحقة ؛ كفصل ( التطهير العرقي... ومكافحة الإرهاب... بإرهاب يفوق حد الوصف )، لكن المخرِج المخادِع حاول أن ينسينا فصول الجريمة بقضايا براقة، من ( العولمة، التي لا تعني سوى الحيونة، أي أن تثير في الإنسان الجانب الحيواني ليس غير ) .
 ففي بلاد قوية تمت الهجرة إليها، ويتحدث أولو الأمر فيها كثيراً عن الحرية، فقد تم إبادة الملايين من سكانها الأصليين، وقد قال مندوب لصحيفة، وهي واحدة من أشهر ثلاث صحف في هذا البلد القوي: لا توجد قيم ولا أخلاق، وإنما هي القوة، والقوة وحدها، ومنذ خمسة آلاف سنة، والقوي يفرض ما يريد، وكلما أمعن في القوة كسب أكثر، فنحن حينما استأصلنا الهنود الحمر، والإنكليز حين استأصلوا سكان استراليا الأصليين نجحنا في حسم المعركة، بينما البِيْض في جنوب إفريقية لأنهم كانوا أرحم، ولم يستأصلوهم بالكلية انقلبوا عليهم، وانتصروا في النهاية ! وهذا هو التطهير العرقي، قتل كعقاص الغنم، لا يدري القائل لَ‍مَ يقتل، ولا المقتول فيمَ قُتِل، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغيّر، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه، إذن... ليس عند الأقوياء مبادئ ولاقيم، ولا شعور إنساني، إنما الذي عندهم سيناريو متقن أو غير متقن، وصفقة كبيرة أو صغيرة .
 والذين غزوا العراق بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل، استخدموا أسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليا مرات عديدة في حربه مع الشعب الأعزل، كاليورانيوم المخضب، والقنابل الفسفورية .
وباعتراف رسمي منه، ولأول مرة يعترف رئيسهم البارحة بأن قراره بشن حرب على العراق كان قراراً خاطئاً، لأنه استند إلى معلومات استخبارية خاطئة، وما نفعل بمئات الألوف من القتلى، والمعاقين ؟ من يدفع دية القتلى ؟ وتعويضات المعاقين ؟ ومن يعوض الأرملة عن  زوجها، ومن يعوض اليتامى عن آبائهم ؟ وتدمير البنية التحتية من يدفع تكاليف إعادة بنائها ؟ في حين أن الجهة العربية التي اتهمت بإسقاط طائرة غربية أُجبِرت هذه الجهة المتهمة على دفع عشرات المليارات من الدولارات، كدية لركاب الطائرة التي أسقطت .

 

قتل امرئ في بلدة جريمة لاتغتفر  وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر

 

 وهيئة الأمم في حقيقتها بعد هيمنة القطب الواحد هيئة أكل حقوق الأمم، ومجلس الأمن أداة بيد الأقوياء لبث الرعب في شعوب ضعيفة، لاحول لها ولا قوة، ولا علاقة لها بسب فرض العقوبات .

نتائج الحرب والحصار الإقتصادية والإجتماعية والثقافية

 وآثارالحصار الاقتصادي على بعض الشعوب العربية والاسلامية تفوق حد الخيال، فعدد كبير من الأطفال مات دون سن الخامسة، بسب نقص حاد في الغذاء والدواء، ويعاني الباقون أمراضاً نفسية تلازمهم طوال حياتهم، ونتيجة لهذا الحصار فقد تم تسريح ما يقارب ثلثي القوى العاملة، مما أسهم في زيادة معدلات البطالة، وتمزق الحياة الأسرية نتيجة الانخفاض الحاد للدخل، أو انعدامه، وارتفاعت معدلات الجريمة، والعنف الاجتماعي، والرشوة، والانتحار، والسرقة، والتهريب، والبغاء، وجنوح الأحداث، وظواهر اجتماعية أخرى تؤكد الخلل الخطير في بنية المجتمع المحاصر.
 ونتيجة لهذا الحصار كانت هجرة العقول بأعداد كبيرة، حيث يقدر رسميا أن أكثر من ثلاثة وعشرين ألف باحث وعالم وأستاذ جامعي وطبيب متخصص ومهندس مرموق تركوا بلدهم المحاصر، وبلغ التضخم النقدي أربعاً وعشرين ألف ضعف، فإذا كان دخل الموظف من المرتبة الأولى خمسة آلاف دينار في الشهر، صار يساوي إثنين ونصف دولار، وقد هجر المهندسون والعلماء وأساتذة الجامعات الذين لم يستطيعوا مغادرة بلدهم المحاصر، هجروا وظائفهم، وعملوا في بيع الدخان في الشوارع، أو قيادة سيارات الأجرة، أو الصيد من أجل لقمة العيش، وزادت معدلات الجريمة والدعارة إلى درجة خطيرة .
 هذه فقرات من تقرير اليونسيف، إحدى منظمات الأمم المتحدة، أخذ من موقع معلوماتي.

مبدأ الإسراف والتبذير لحفظ الأسعار

 وفي بلد قوي آخر يعتمد في الدرجة الأولى على تصدير الأغنام إلى شتى بقاع الأرض، تم إعدام عشرين مليون رأس من الغنم رمياً بالرصاص، وتم دفنها ؛ حفاظا على السعر المرتفع الذي يحقق لتجار الأغنام هناك ربحاً فلكياً .
 وفي بلد قوي آخر يتم إتلاف كميات من مشتقات الحليب يقترب حجمها من حجم أحد أهرامات مصر، حفاظاً على السعر المرتفع.
وفي بلد قوي آخر يتم إتلاف المحاصيل الزراعية حفاظاً على أسعارها المرتفعة، وتسميمها خوفاً من أن يأكلها الفقراء مجاناً، فيقلّ الطلب على شرائها، بينما هناك شعوب فتكت فيها المجاعات، وهم في أمسّ الحاجة إلى اللحوم والألبان والمحاصيل، والبلاد القوية ترسل نفاياتها الذرية إلى بلاد ضعيفة مع المساعدات الغذائية الهزيلة حتى تسبب لشعوبها الأمراض السرطانية بشكل وبائي لآلاف السنين، والبلاد القوية الآن تصنع الأدوية وتجربها على شعوب ضعيفة فتدرأ بهذا الخطر عن شعوبها .

 أما عدونا القريب فهذا موقفه: رئيس وزرائه قال لصحفي إسرائيلي في سنة 1982: إنه لن يكون أفضل من ترومان الذي قتل نصف مليون ياباني بقنبلتين جميلتين .
وقال: ربما سيكرهني العالم، وسيخشاني بدلا من أن أشتكي إليه، وربما يخاف من ضرباتي الجنونية بدلا من أن يعجب بروحي الجميلة، وليرتجف مني، وليعامل بلدي كبلد مجانين، وليقل: إننا متوحشون، وإننا نمثل خطر الموت لجميع الجيران، وإننا جميعنا غير أسوياء، ونستطيع أن نغرس أزمة فظيعة إذا قتل طفل واحد منا، وأن نفجر بسبب ذلك آبار البترول في جميع الشرق الأوسط ‍‍‍‍‍‍!

الحياة بين عظمة الأنبياء وجبروت الأقوياء

 هذا الحديث عن الأقوياء في شتى بقاع الأرض، وعبر العصور والدهور، والذين يتحرشون بنا اليوم، فالأقوياء أخذوا ولم يعطوا، وملكوا الرقاب ولم يملكوا القلوب، وعاش الناس لهم ولم يعيشوا للناس، ويمدحون في حضرتهم لا في غيبتهم، واستحقوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، بينما الأنبياء هم قمم البشر، أعطوا ولم يأخذوا، وملكوا القلوب لا الرقاب، وعاشوا للناس ولم يعش الناس لهم، ويمدحون في غيبتهم، وإلى آلاف السنين، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي .
 هؤلاء الأقوياء، وهذه أفعالهم، لايحق لهم الحديث عن الإرهاب، فضلاً عن محاربته، لأنهم سادته وصانعوه .

 

الإرهاب: مفهومه و معاييره و ردود أفعاله

 يقول السيد الرئيس في كلمته في مؤتمر القمة المنعقد في بيروت من: " لا يمتلك الفكر المضاد للإرهاب لا يستطيع أن يكافح الإرهاب، ولا أن يتحدث عنه، ولا نستطيع أن نرى الإرهاب الأصغر، ونتعامى عن الإرهاب الأكبر، وأي طرح للإرهاب في العالم، ولا تكون إسرائيل هي محوره، فهو طرح ناقص غير موضوعي ".
 إن نتائج الظلم لا يمكن ضبط حساباتها، ولا تقدير ردود أفعالها، وذلك أن ردود فعل المقهورين والمظلومين كشظايا القنابل تطيش في كل اتجاه، وتصيب من غير تصويب.
إن ردود أفعال المظلومين و الموتورين لا يمكن التحكم في مداها ولا اتجاهها، وإنها تطيش متجاوزة حدود المشروع والمعقول، مخترقة شرائع الأديان، وقوانين الأوطان، وتكفر أول ما تكفر بهذه القوانين التي لم توفر لها الحماية أولاً ؛ فلذا لن تقبلها حامية لأعدائها، فإن العلاج الأول والحقيقي هو نزع فتيل الظلم الذي يشحن النفوس بالكراهية والمقت، ويعمي البصائر والأبصار عن تدبر عواقب الأمور، والنظر في مشروعيتها أو نتائجها.
 حين ينتظر الناس طويلاً قبل أن ينالوا حقوقهم فمن المرجح أنهم سيتصرفون في فترة الانتظار بطريقة يصعب توقعها.
 اللهم يا رب إن أعداءك، وأعداءنا يقولون كما قالت عاد من قبل:

 

﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

 ، يا رب لقد غاب عنهم بغرورهم أنك أشد منهم قوة، اللهم إنا نسألك بدموع الأطفال وبكائهم، وبخشوع الشباب وتضحياتهم، وببطولة الشابات والتزامهن، وصلاح الأمهات ووعيهن، وبركوع الشيوخ ودعائهم أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وأن تحفظ أهله من كل سوء، فهو يستظل بظل كتابك، ويهتدي بهدي نبيك، وأن تحفظ سائر بلاد المسلمين .