الدرس : 04 - سورة النمل - تفسير الآيات 22 - 31

1995-08-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، لا لنا في قِصَّة سيِّدنا سليمان عليه السلام التي ورَدَت في سورة النَّمل، قال تعالى:

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)﴾

(سورة النمل)

 ذَهَب الهُدْهُد إلى مملكة سبأ، وجاء سليمان الحكيم بنبأ يقين، قال تعالى:

 

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24)﴾

 

(سورة النمل)

 هنا نقْطة دقيقة جدًّا وهي أنَّ الكافر في النِّعْمة، أما المؤمن ففي المُنْعِم فالشَّمس أساس الحياة والبقر أفْضل حيوان في الإنسان، لأنَّ الحليب منه، والهنود عبَدُوا البقر، وممْلكَةُ سبأ عبَدَتْ الشَّمس، فَكُلّ إنسان يبْقى في النِّعْمة، وقد حُجِبَ عن المُنْعِم فَهُوَ الكافر، أما المؤمن انْتَقل مِن النِّعْمة إلى المُنْعِم ومِن الشَّمْس إلى رب الشَّمس، ومِن البقرة إلى الذي سخَّرها وذلَّلها فالمؤمن مُوَحِّد والكافر مُشْرِك، قال تعالى:

 

﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 

(سورة النمل)

 النُّقْطة الدقيقة هيأنَّ المؤمن يؤمِن أنَّ السَّماء والأرض كلَّها مُسَخَّرة للإنسان تسْخير تَعريفٍ وتسْخير تَكريم، وأُلِحُّ على هاتَين الكلمتين تَسْخير تعريف وتَكْريم، فهذا الكَون له مُهِمَّتان خطيرتان: الأولى أن ننتَفِعَ به، وننتَفِعُ بالشَّمس والقمر، وبالنبات والماء والهواء فَكُلّ شيءٍ خُلِق لنا، فَنَحْنُ مُسَخَّر له، والكون مُسَخَّر أيُّهما أكْرم على الله عز وجل ؛ المُسَخَّرُ له أم المُسَخَّر ؟! قال تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70)﴾

 

[سورة الإسراء]

 فالكون وظيفتهُ الأولى أن تعرف الله مِن خِلاله، فلو أنَّ واحِدًا دَخْلُهُ لا يكفي لِشِراء العَسَل ولكنَّه قرأ عن العسَل كِتابًا، وعن النَّحْل كِتابًا فانْهَمَرَتْ دُموعُهُ، وخشَعَ قلْبُهُ، وتعرَّف إلى الله مِن خِلال النَّحْل هذا الإنسان ذي الدَّخل المَحْدود حقَّقَ الغايَة القُصْوى مِن خلْق النَّحل والعسَل، والذي جَعَلَ طعامَهُ العسَل ودَخْلُهُ كبير جدًّا، ولم يصِل مِن العسَل إلى رب العسَل فهذا عطَّل أكْبرَ غايَةٍ مِن خلْق النَّحْل، فالمُشْكِلة أن تعرف الله تعالى فالواحد ممكن أن لا يسْمح له دَخْلُهُ أن يشْتري وردًا، لو وقَفَ أمام بائِع الوُرود، بألوانها ورائِحَتها، وتناسب ألوانها، وجمالها، وقال: سبحان الله العظيم، فأنت لو لم تشْتري هذا الورْد فأنت حقَّقْت الهدَف من مُرادِهِ، وهو تسْبيحك ! فالكون له مُهِمَّتان مُهِمَّة تعريف، ومُهِمَّة تكريم، فالتَّكريم حصَل، وبقِيَ التعريف، لذلك قال تعالى:

 

﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)﴾

 

(سورة النمل)

 ثمَّ قال تعالى:

 

﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)﴾

 

(سورة النمل)

 شتَّان بين الشَّمس وربِّ الشَّمس، فالشَّمس لا تسْمَعُكَ إذا دَعَوتها وبالتالي لا تسْتجيب لك، ولك لله سبحانه وتعالى يُخرج الخبْأ في السماء والأرض، فالسماء تنْشَقُّ عن المَطَر، والأرض تنْشقّ عن النَّبات، مَن الذي يُنْبِتُ ؟ الله ومن الذي يُنزِل الخبأ من السماء ؟ الله والله يعلم ما نُخفي وما نُعْلن فأنت قُلْ ما شئْتَ فالله يعلمُ ما تُخْفي وأبْلغُ من ذلك يعلمُ السِّر وأخفى فالسِّر ما تُخْفيه، وأخْفى هو ما يَخْفى عنك، يعْلمُ علانِيَّتَك، ويعْلمُ سِرَّك، ويعْلمُ ما يخْفى عنك، فهذا الذي يعْلم، وهذا الذي كرَّمَ، اُعْبُد هذا الإله العظيم، وهذا كلام الهُدْهُد فكيف بِإنسانٍ عاقِل تجدهُ يعبُدُ الشَّمس من دون الله، والقمر من دون الله، أو يعبدُ البقر، وحتَّى الجُرذان، وباليابان يعْبدون ذَكَر الرَّجل ‍‍!! قال تعالى:

 

﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾

 

(سورة النمل)

 الأمْرُ كلُّهُ بيَدِهِ تعالى.
 الآية الدقيقة الدقيقة، قوله تعالى:

 

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

 

(سورة النمل)

 يا أخي الكريم، إن كنتَ أبًا أو أخًا كبيرًا، أو مُعَلِّمًا، أو مُديرًا قبل أن تَحْكُم تَحَقَّق، قال تعالى:

 

﴿"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)﴾

 

[سورة الحجرات]

 كلُّ إنسانٍ ولاَّهُ الله تعالى على عشرة أشْخاص ؛ هذه الآية شِعارُهُ فَقَبْلَ أن تغْضَب وتَحْقِد وتُزَمْجِر وقبل أن تتَّخِذ قرارًا وتُعادي، وقبل أن تقْطَع وتحْسِن، قال تعالى:

 

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

 

(سورة النمل)

 هذه آيةُ التَّحَقُّق، قال تعالى بعدها:

 

﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾

 

(سورة النمل)

 فهو لا يتكلَّم باسْمِهِ الشَّخصي، ولكنْ يتكلَّم باسْم خالقِ الكَون، فكما أنَّ القاضي يقول: باسم الشَّعب، فهو لا يحكم بصِفَتِهِ الشَّخْصِيَّة، ولكنْ يحْكُم نِيابَةً عن الشَّعْب، وهذه البسْملة لها معنى كبير جدًا، فأنت إذا أرَدْتَ أن تشْرب قلتَ بسْم الله، أيْ هذه نِعْمة الله وهذا الماء سخَّرهُ الله لك، فهو الذي جَعَلَهُ عذْبًا فراتًا وسَمَحَ له أن يصِلَ إليك، وهو الذي جَعَلَهُ مَيْسورًا، والمعنى الثانيكما في الحديث:

 

(( كَانَ أَنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا ))

 

[رواه البخاري]

 أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أمرَكَ أن تشْربَ ثلاثًا، وأنت تشْرب قاعِدًا، وأن تُبْعِدَ الإناء عن فيكَ فيما بين الشَّرْبَتَيْن لأنَّهُ ثبتَ أنَّ زفير الهواء ينقل الأمراض، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يشْرب وينفُخُ في الإناء فقال له كما في حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:

((أَبِنِ القَدَحَ عَن فِيكَ، ثُمَّ تَنَفَّس.))

[رواه البيهقي]

 وقالوا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

((: مُصُّوا المَاءَ مَصًّا وَلَا تَعَبُّوهُ عَبًّا ))

[رواه البيهقي]

 وأمرنا أن نُغَطِّي الوِعاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام أوتِيَ جوامِعَ الكَلِم، والعلوم كلَّها، فالإنسان يدخل في الصَّيف إلى بيتِه وحرارته أكثر من خمس وثلاثين، يفْتح البرادّ ويأخذ زجاجة من الماء درجتها اثنان ! ويشْربها !! فالكبِد والمعِدَة من سبعٍ وثلاثين إلى الدرجة الثانية، قال:

((فإنّ الكُباد من العَبّ ! ))

 وثبتَ أنَّ هناك عصَبًا حائِرًا ومُبْهَمًا بين القلب والرِّئتين والمَعِدَة، فهناك حالات موت مفاجئ نتيجة تنبُّأ زائِد عن الحدّ لِهذا العصَب الحائِر، وهذا العصَب بين القلب والرِّئتين والمعِدَة، لذا أكثر أعراض الذَّبْحة الصَّدْرِيَّة مِن الأكل الثَّقيل، ويحسّ بِضيقٍ في صَدْرِهِ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مُصُّوا الماء مصًّا ولا تَعُضُّوه عضًّا فإنّ الكُباد من العَبّ))

 وكان النبي يُسَمِّي ويُبْعِدُ الإناء عن فِيه ؛ هذه آداب الشُّرب الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام فإذا شرب الإنسان وقال: بسم الله، فأوَّل قِسْم هذه نِعْمة الله تعالى، وَمِنْ فضْل الله علينا أنَّ بلدنا فيه ماء فيجة وأنا ذَهَبْتُ إلى الحج، وكل قارورة ثمنها ثلاثة ريالات ! فأوَّل قِسْم بالتَّسْمِيَة أن ترى فضْل الله عليك، والقِسْم الثاني أن تُنَفِّذ الأمر وِفْقَ منْهَج الله، وأن ترى نِعمة الماء العَذْب الفُرات، وأن تشْربَهُ وِفْق السنَّة، وبالأكل معنى بِسْم الله فاللَّبَن ؛ مِن أين ؟ مِن البقَر والجبن والزَّيْتون، فأنت إذا اسْتَعْرضْت الأطباق طبقًا طبقًا، وعرفْتَ من مُصَمِّم ومُربِّي والخالق، وأنَّ هذه المائدة مائدة الله، وإذا أكلْتَ فَكُلْ باعْتِدال وامْضَغ جيِّدًا، وكُلْ أَكْلاً مُعْتَدِلاً، والنبي عليه الصلاة والسلام علَّمَنا بِرَمَضان أن نشْرب ونأكل ثلاث ثمرات، ونُصَلِّي المغرب والسنَّة البعْدِيَّة، فهذا السُّكَر الطبيعي ينتقل من الفم إلى الدم في عشرين دقيقة، ويصل إلى مركز تنبيه الجوع فيَشْبَع، حينها تأكل أكلاً مُعْتَدِلاً والآية الكريمة:

 

 

﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ(20)﴾

 

[سورة الواقعة]

 تقديم الفاكهة على اللَّحْم تقْديم إشاري، فالفاكهة مادَّة سُكَّرِيَّة لطيفة سريعة هَضْم وتنتقل مِن الفم إلى الدمّ بِعِشْرين دقيقة فالواحد مهما كان جائِعًا، حينما يأكل مادَّة سُكَّريَّة فإنَّها تصل إلى الدَّم وتشْبَع، أما الجُلوس على مائدة الطَّعام، والأكلات كلُّها دُسوم، لُحوم، فهذا كي يصل إلى الدَّم يحتاج إلى مُدَّة كثيرة، لذا نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام أكل شيء حُلوٍ قبل الإفطار، وقال عليه الصلاة والسلام:

((أذيبوا طعامكم بِذِكْر الله" ))

 فإذا أكل الإنسان مع أهله، وجعله فرصةً للالْتِقاء، ونحن عندنا عادات سيِّئة.
 إذًا معنى بسم الله الرحمن الرحيم شَقَّين ؛ أن تعرف نِعمة الله، وأن تُمارِسَها وِفْق منهَجِ الله.
 قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾

 

(سورة النمل)