الدرس : 07 - سورة النمل - تفسير الآية 93

1995-08-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، في أواخِر السُّوَر عادَةً كلامٌ مُجْمَل فيه تَلْخيص لِفَحْوى السورة ومَضْمونها.
 فالله سبحانه وتعالى في أواخر سورة النَّمل يقول:

﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾

[ سورة النمل ]

 كلمة الحمد لله فيها دِقَّة بالِغَة ؛ الحمد للَّه، ليس هناك خِلاف في أنَّ هناك نعم في الكون عُظْمى، ولكِنَّ الخِلاف في عَزْو هذه النِّعَم، ليس هناك حَمْدا وعَدَم حمْدٍ، النِّعَمُ التي أنْعَمَ الله بها علينا تحْت سمْعِنَا وبَصَرِنا نِعْمة الصِّحة والحياة، ونِعْمة الإيجاد والهواء والماء، والطّعام والشَّراب، هذه النِّعَم ليس هناك خِلافٌ في وُجودِها، أو في عَدَمِ وُجودِها ! لكِنَّ الخلاف ؛ إلى مَن تُعْزَى ؟ فَغَيْرُ المؤمن يَعْزوها إلى قُدْرتِهِ، قال تعالى:

 

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ(78)﴾

 

(سورة القصص )

 ويَعْزوها إلى الحظّ وإلى ذَكائِهِ، يَعْزوها إلى مالِهِ، يَعْزوها إلى مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، ويَعْزوها إلى الطبيعة، ويَعْزوها إلى ما وراء الطبيعة، لكِنَّ المؤمن يعْزو هذه النِّعَم إلى الله تعالى، فالحَمْد على هذه النِّعَم لله لا لِغَيْرِهِ، لذلك بِمُجَرَّدِ أن تعْلم أنَّ هذه النِّعَم من الله عز وجل فأنت في أحَدِ مراتب الشُّكْر ولِمُجَرَّد أن يمْتلأَ قلبُكَ امْتِنانًا لله عز وجل على هذه النِّعْمة فهذه مرْتبةٌ أعلى من الشُّكْر، ولِمُجَرَّد أن تعملَ عملاً تبْتغي به وَجْهَ الله عز وجل فهذه مرْتَبَةٌ ثالثَة من الشُّكر، قال تعالى:

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)﴾

[ سورة سبأ ]

 فالله تعالى:

 

﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾

 

[ سورة النمل ]

 كُلُّ النِّعَم الظاهرة والباطِنَة مِن الله عز وجل، ولكنْ أيُّها الإخوة أريد أن أقول لكم كلمة، قال تعالى:

 

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(20)﴾

 

[ سورة لقمان ]

 فالنِّعَم الظاهِرَة ليس هناك شَكٌّ فيها ؛ نعْمة الزَّوجة والأولاد والمال والراحة، لكن هناك نِعَمٌ باطِنَة الإنسان ينْفِرُ منها، أحْيانًا الفقْر وأحْيانًا القَهْر، وأحْيانًا المرَض، والخوف والقلق والحُزْن، مُشْكِلات في بيتِهِ مع أولادِهِ و زوْجَتِه، وفي عملِهِ ومَعَ مَن هم أقْوى منه، فهذه المُشْكِلات التي تنْفِرُ النَّفْسُ منها هي في الحقيقة نِعَمٌ باطِنَة ! كيف ؟ لماذا صُنِعَتْ السيارة ؟ مِن أجل أن تسير، فهَدَفُها الأوَّل أن تسير ولماذا وُضِعَتْ فيها المكابِح ؟ مِن أجل أن توقِفَها، فهذه المكابِح هي عَكْس ما صُنِعَتْ له السيارة، وعكْس الهدف منها ولكنَّ هذه المكابِح ضرورِيَّة جدًّا لِسَلامتها، فكما أنَّ الأصْل أنْ تنْعُمَ بالنِّعَم، ولكن مِن أجل سلامَة هذه النِّعَم قد تأتي المصائِب، وهذا مِن أجل أن تلْتَفِتَ إلى الله، لذلك لا نُبالِغ إن قلنا أنّ تِسْعينًا بالمائة مِمَّن ساروا إلى الله تعالى على أَثَر نِعْمَةٍ باطِنَة وهي المُصيبة، فالمصائِب تلْفِتُ النَّظر إلى اللهو تَدْفَعُنا إلى بابِهِ تعالى، وتَحْمِلُنا على التَّوْبة وطلب الآخرة وتحْمِلُنا على العمل الصالح ؛ هذه هي النِّعَم الباطِنَة فأَنْ تشْكُرَ الله على النِّعَم الظاهرة هذا شيءٌ بديهي وسَهل، ولكنَّ البُطولَة أن تشْكُرَ الله تعالى على نِعَمٍ باطِنَة، والبُطولة كما قال الإمام الشافعي لِمَن كان يطوفُ حَوْل البيْت وهو يقول: يا رب هل أنت راضٍ عَنِّي، فقال له الإمام الشافِعي: وهل أنت راضٍ عن الله تعالى حتَّى يرْضى عنك ؟! قال: يا سبحان الله ! مَن أنت يرْحَمُكَ الله ؟ فقال: أنا مُحمّد بن إدْريس، فقال: كيف أرْضى عنه وأنا أتَمَنَّى رِضاه ؟ فقال الإمام الشافِعي: إذا كان سُرورُكَ بالنِّعْمة كَسُرورِكَ بالنِّقْمة فقد رضيتَ عن الله ! فَبُطولَتُكَ كَمُؤْمِن لا أن تقول: الحمد لله على نِعْمة الصِّحَّة، فأحْيانًا تأتي مُصيبَة، وإذا أحَبَّ الله عبْدَهُ ابْتَلاهُ معنى ابْتِلاه أيْ جَعَلَهُ في العِنايَة المُشَدَّد، فإنْ صَبَرَ اجْتَباهُ، وإن شَكَرَ اقْتناهُ، وإذا أحبَّ الله عبْدَهُ عجَّل له بالعُقوبَة، وأشَدُّ الناس بلاءً الأنبياء، وأنا أشَدُّهم بلاءً، ثمَّ الأمْثَل فالأمْثَل، فأنت كلَّما ارْتقى إيمانك تنتقل إلى حمْد الله لا على نِعَمِهِ الظاهرة، ولكن على نِعَمِهِ الباطِنَة، أحْيانًا تكون المُشْكِلَى العَويصة سبب تَوْبتِك، وإقْبالِكَ على الله، وورَعِكَ وسعادَتِك، فلا أُبالِغَ إذا قلتُ: إنَّ مُغْلَبَ الذين ساروا مع الله تعالى واصْطَلَحوا معه وأقْبلوا عليه وأنابوا إليه كان سببُ توْبتهم المشاكِل التي أقْلَقَتْ نُفوسَهُم، وشَغَلَتْ خواطِرَهُم، لذلك الإنسان يسْعَدُ حينما ينْجَحُ في الامْتِحان.
 أيها الإخوة، لا تَنْسَوا أنَّ بُطولتكم في شُكْر نِعَم الله الباطنة أعْظَمُ بِكَثير مِن بُطولَتِك في شُكْر النِّعَم الظاهرة، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءَت الأمور على ما يريد يقول: الحمد لله الذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصالحات، فإذا جاءَت الأمور على خِلاف ما يريد قال: الحمد لله على كُلّ حال، والصَّبْر في الحقيقة عند الصَّدْمة الأولى، فالإنسان بين أن يكون صابِرًا وناجِيًا وشاكِرًا، وبين أن يكون جحودًا كفورًا ! الإنسان إذا جاءَتْهُ مُصيبَة سواءٌ صَبَر أو لم يصْبِر فَهِيَ تَحُلُّ به، ولكنّ المؤمن حينما تَقَع يقول: يا رب لك الحمْد، وأنت الحكيم والعادِل وأنا عبْدُك وابن عَبْدِك وابن أمَتِك عدل فيّ قضاؤك، ماض فيّ حكمك لذا الشُّعور بالعُبودِيَّة لله عز وجل يُعْطيك مرْتبة النَّجاح، والإنسان إذا أُصيب بِمُصيبَة، وحَمِدَ الله عليها أبْدَلَهُ الله خيْرًا منها، فهذه أُمُّ سَلَمَة كانت تُحِبُّ أبا سلَمَة حُبًّا لا حُدود له، وكانت أشَدَّ النِّساء إعْجابًا بِأزْواجِهِنّ، فلمَّا مات قال لها النبي عليه الصلاة والسلام:

((قولي اللَّهم أبْدِلني من مصيبتي خيرًا منها !))

 فقالت: ليس هناك من هو أفضل من أبي سلمة !! وبعد ذلك تَزَوَّجَها النبي عليه الصلاة والسلام، فالبُطولة أن تحمد الله تعالى على النِّعَم الباطنة، ولذلك قال الإمام عليّ: الرِّضا بِمَكْروه القَضاء أرْفَعُ درَجَات اليَقين، هذا الإله العظيم لا يُعْقَل أن يُعَذِّبَنا دون سبب، هل يُمكن أن تُحَمِّل شخْصًا كيسًا من الرَّمْل ثقيلاً دون هدف ولا فائِدَة ؟! يقول لك: ماذا أفْعَلُ به ؟ والله عز وجل يقول:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

 

[ سورة النِّساء]

 ماذا يسْتفيد الله تعالى إن أمْرَضَنا وعذَّبَنا وأفقَرنا، وخوَّفنا ؟ لو أنَّ الإنس والجن كانوا على أتْقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في مُلكي شيئًا، لكنَّ الله عز وجل يُرَبِّينا ويأخذ بِأيْدينا، ويُنَبِّهُنا، قال تعالى:

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

 

[ سورة البقرة ]

 فالذي يقول الحمد لله حينما تأتيه المُصيبَة فهذا إنسانٌ راضٍ عن الله.
 أعْمَقُ من ذلك، لمَّا يرى الطَّبيب في المعِدَة الْتِهابًا حادًّا، وأيُّ غلط بالطَّعام والشَّراب يتفاقَم هذا المرض إلى قرْحة، تجد الطَّبيب يُعطي التَّعْليمات مُشَدَّدة جدًا وبالغة، أما إن وَجَد ورَمًا خبيثاً فإنَّه يقول له: كُل ما شئْت، فالإنسان حينما يكون خارِج العِنايَة الإلهِيَّة يُعْطى ما يشاء، قال تعالى:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

 

[ سورة الأنعام ]

 المال والصِّحة والجمال والنِّساء والبيوت والمرْكَبات والطائرات والبساتين ؛ أبواب كُلِّ شيء، فإذا فَرِحوا بِما أوتوا أُخِذُوا بَغْتَةً وصَدِّقوني في هذا الكلام أيُّها الإخوة، إذا كان الواحِد مِنَّا ضِمْن العِنايَة المُشَدَّدة عليه أن يشْكر الله عز وجل ويُقَبِّل الأرض من الفرح، فما دام المرض يُعالَج فهناك دِقَّة في العِنايَة وتدريبات ومُعالجات فيزْيائِيَّة، أما إن كان المرض لا يُعالَج فيُقال لك:  كُلْ ما تشاء وأنت حُرّ، فعلى الإنسان أن لا ينْكسر شُعورهُ إن بعَثَ الله له مُصيبة، قال تعالى:

 

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا﴾

 

[ سورة الفجر ]

 ولو أنَّ الدنيا تعدل عند الله جناح بَعوضَة ما سَقى منها شرْبَة ماء وقال تعالى:

 

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 لذا يجب أن تشْعُر بِمَعْنَوِيَّاتٍ عالِيَة وأنت في المُصيبَة، وأنت في الحِرْمان والفقر والمرض، وهذا يعني أنَّ الله يحبُّ أن يشْفيك، وإيَّاك أن تَعُدَّ الدنيا مِقْياسًا، والدنيا كُلَّها مُؤقَّتة، ودقِّقوا في عدد الجنازات والإنسان عليه أن لا يُغامِر ويجعل جلَّ إنجازاتِهِ في الدنيا، دَع للآخرة العَمَل الصالِح ؛ اُطْلب العِلْم، وابْحَث عن الحق، واخْدُم الناس، وافْهَم كلام الله وادْعوا إلى الله تعالى، هذه كُلُّها أعمال الآخرة، لذا مُشْكِلَةُ الموت أنَّهُ يُعَدُّ أكبَر مُصيبَة، وهو نفْسُهُ يُعَدُّ أكْبَرُ عطاءٍ، للمؤمن تُحْفَتُهُ وعُرْسُهُ ولِغَيْر المؤمن أكبر مصيبَة ونِهايَة كُلِّ شيء.