الدرس : 09 - سورة النمل - تفسير الآية 61

1995-08-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام: الآية الواحدة والسِّتون من سورة النَّمل وهي قوله تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

[ سورة النمل ]

 نحن بدأنا الصلاة الساعة الثانية عشرة إلا ربع وانتهينا الساعة الثانِيَة عشرة فالأرض في رحْلتها حول الشَّمس تدور حول الشَّمس كلّ عامٍ دوْرَةً، في رحلتِها حول الشمس تقْطع ثلاثين كيلومتر في الثانِيَة الواحِدَة، فكم تقطع بالدَّقيقة ؟ ألف وثمانمائة كيلومتر، وهي تقطع بِعَشْرة دقائق إحدى عشر ألف وثمان مائة كيلومتر ؛ رُبْع محيط الأرض فالأرض مُحيطُها أربعون ألفًا كيلومتر، فالسُّؤال: هذا المَسير أليْسَ له اهْتِزاز، فَمَن جعَلَ الأرض قرارًا ؟ الأرض لها حركَتان: حركة حول الشَّمس وحركة حول نفْسِها، فالتي حول الشَّمس سرعتها ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة، أما حول نفسِها: ألف وستُّ مائة كيلومتر في الساعة، وهي مُسْتَقِرَّة، أمَّن جعل الأرض قرارًا، نِعْمة الاسْتِقرار مِن أجل أن تبْنِيَ البِناء، ومن أجل أن لا يتصَدَّع البناء، أما الزِّلزال فهو مِن أجل أن تعرِفَ نعْمة الاسْتِقْرار، وقبل يومين اهْتَزَّت دمشق أربعة على سلَّم ريشتر، وفي القاهرة ستَّة، فالإنسان على أيِّ شيءٍ يعْتَمِد ؟ بيْتٌ يُكَلِّف الملايين يقَعُ في عِدَّة ثواني ؛ أمَّن جعل الأرض قرارًا ؟ طبعًا إن كانت ساكِنَة فهي مُستَقِرَّة، وإن كانت مُتَحَرِّكَة فهي مُهْتَزَّة أمَّا أن تكون مُسْتَقِرَّة في حركَتِها فهذا مِن إتقان الله عز وجل، هل يمكن أن يخترع الإنسان سيَّارة لا تهْتَزّ أبَدًا ؟ مُسْتحيل، وكذا الطائرة، أما أن تسير الأرض بهذه السرعة ولا تهتزّ ؛ فهذا من آيات الله الدالة على عظَمَتهِ، قال تعالى:

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

 

[ سورة النمل ]

 أي أنَّها مُسْتَقِرَّة في حركاتِها، ولولا أنَّها مُسْتَقِرَّة لما بَقِيَ بناءٌ قائِم.
 الشيء الآخر، أنّ الأرض مسارُها حول الشَّمس ليس مسارًا دائِرِيًّا بل هو مسار إهْليلجي ؛ بَيْضَوي، وهذا المسار لهُ خاصَّة، وهو أنَّ أقْطارَهُ ليْسَت مُتَساوِيَة، فالأرض إذا وصَلَتْ إلى القطْر الأصْغَر تزيدُ سُرْعَتُها زِيادَةً ينشأُ عنها قُوَّةً نابِذَة تُكافؤ القوَّة الجاذبة الناتِجَة عن اقْتِرابها من الشَّمس، فهي لمَّا اقْترَبَتْ أصْبَحَت الشَّمس أقوى على جَذْبِها، فلكي لا ترْطَمِها بها، فإنَّ الأرض تزيدُ سرعتها لِيَنشأ عن هذه الزِّيادة قوَّةً نابِذَة تُكافؤ القوَّة النابذة، فإذا ابْتَعَدَتْ لكي لا تتفلَّتَ مِن مَسارِها حول الشَّمْس تقِلُّ سرْعَتُها من أجل أن يتوازن ارْتِباطها بالشَّمس، والنُّقطة الدقيقة أنَّ هناك شيئًا اسْمُهُ التَّسارُع، وهو أن تكون مثلاً مرْكبة مُسْتَقِرَّة، أحيانًا يُكْتب في تعليمات السيارة أنَّ هذه السيارة تصل سرعتها إلى المائة بعد عشرة ثواني ؛ هذا هو التَّسارع، فلو أنَّ الأرض كانت سرعتها فجْأةً لانْهَدَم ما عليها، ولو أبطأت فجْأةً لانْهَدَمَ كُلّ ما عليها، فالأرض فضْلاً عن أنَّها تسير حول الشمس بسُرعة ثلاثون كيلومتر بالثانيَة وحول نفسها، حينما تصل إلى القطر الأصغر في مسارها حول الشمس تزيد سرْعتها كي لا تنجذِب إلى الشمس وينشأ عنها قوَّة نابِذة فإذا ابْتَعَدَتْ وبَقِيَتْ على سرعتها العالِيَة تَخَلَّفَتْ من مدارِها حول الشمس، تقِلُّ سرعتها لِتَنْعَدِم القوَّة النابِذَة وتبقى على اتِّصالِها بالشَّمس، قال تعالى:

 

﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) ﴾

 

[ سورة النمل ]

 ولو تسارعَت فجْأةً لا تبقى ولو مدينة على وَجْه الأرض، أوْضَح مثل أن تضَع عُلَب على السيارة وتنطلق بها فجْأةً أو تقف فجْأةً فإنّ العلب كلَّها تضطرب، ويضطرب قانون العطالة، وهذا القانون ؛ الأشياء المُتَحَرِّكة ترْفض السُّكون، والثابتة ترفض الحركة، فإذا كان سائِق السيارة اسْتَعْمَلَ المِكْبح فجْأةً فإنَّ الرُّكاب يتقدَّمون، فلا بدّ مِن حزام أمان، لذلك الأرض إذا رَفَعَتْ سرْعَتَها فجْأةً انْهَدَم كُلُّ ما عليها، ولم يبْقَ بيْتٌ على وَجْه الأرض، ولو أنَّها أبْطأت لانْهَدَم كلّ مَن عليها، قال تعالى:

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

 

[ سورة النمل ]

 هذه مِن آيات الله الدالة على عظَمَتِهِ تعالى.
 الآن هذا الكأس أضَعُهُ فيَسْتَقِرّ، ولو رَكِبْتُ مرْكَبَةً ووصَلْتُ إلى منطقة بين الأرض والقمر اسْمُها انْعِدام الجاذِبِيَّة ؛ تمْسِكُ الكأس فَيَهْرُبُ منك إلى الأعلى، وهذا شيء معروف في مركبات الفضاء، ورُوَّاد المركبة ينْزَعِجون، تجده في السَّقْف، لا وَزْنَ له ! مَن جَعَلَ الأشياء كُلَّها تنْجَذِبُ إلى مرْكَزِ الأرض ؟ الأشياء مُسْتَقِرَّة على الأرض بِفِعْل الجاذِبِيَّة، كلمة كيلو وخمسة كيلو تعني قُوَّة جَذْب الأرض لِهذا البرتقال مثلاً:

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

 

[ سورة النمل ]

 فلو لم تكن الأرض مُسْتقرَّة لوَجَدْتَ الخزانة في السَّقف، فربُّنا عز وجل يلْفتُ نظَرَنا إلى هاتَين الآيتَين الدالَّتَين على عَظَمَتِهِ

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارا﴾

 

[ سورة النمل ]

 فالمعنى الأوَّل أنَّها مُسْتَقِرَّة في حركَتِها، والمعنى الثاني أنَّ الأشياء تسْتقرُّ عليها بِفِعْل الجاذِبِيَّة.
 قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)﴾

 

[ سورة المرسلات ]

 الأشياء تلتفتُ عليها، وتجذِبُها إلى مركزها.
 قال تعالى:

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 لا يُمْكِن أن نَشْرَب ماءً مُحَلَّى، الماء الذي نَشْرَبُهُ فيه معادِن ؛ أثنى عشَر معدَنًا مُذابًا في الماء، لذا حين يُحَلّ الماء بِآلات مُعَقَّدَة جدًا لا بدّ مِن أن يُضاف إليه مِياهُ الآبار، وهذه الينابيع التي فيها الكالسيوم والمغنزيوم واليود كُلُّها مُذابَة في ماء الشُّرب، فَمَن جَعَل هذه المُستَودعات في بُطون الجبال ؟ ومن جعَلَ الصُّخور في الجبال على شَكل إسفنج ينْحَلُّ منها بعضُ معادِنِها بِنِسَبٍ ضئيلةٍ جدًا ؟ من جعل هذه الأنهار ؟ ومن جَعَلَ طبقات الأرض؛ طبقة كتيمة وطبقة نافِذة، فربُّنا عز وجل نقَّى الماء وأذاب فيه بعض المعادِن وخزَّنَهُ، والله تعالى قال:

 

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾

 

[ سورة الحجر ]

 وضعوا إحْصاءً دقيقًا مِن فَتْرة ؛ لو أنَّ الإنسان أراد أن يُخَزِّن الماء لِسَنَة ؛ يحْتاج إلى مساحَة تُعادِلُ مساحَةَ بيْتِهِ تمامًا، عندك بيت أربعمائة متر وارتِفاع ستَّة أمْتار ؛ فهذا الماء يَكفيك سنة، هذا إن لم يَكُن هناك خزانات بالجبال، وقد وضَعوا خزَّانا بِجَبل قاسيون كلَّف أُلوف الملايين، فالله عز وجل يقول:

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾

 

[ سورة النمل ]

 الأرض تدور بِسُرْعة عالِيَةٍ جدًّا، وبعض الطائِرات التي تزيدُ سرْعَتُها عن سرعة الصَّوت ؛ إذا انْطَلَقَت من الشرق إلى الغرْب تتوقَّف الشَّمس ويتوقَّف الزَّمَن، ينطلق على الساعة السابِعَة ويصل إلى الساعة السابعة نفسها !! لأنَّهُ يدور مع الأرض أما مع العكس فالمسافة تتضاعَف سافَرْتُ مرَّةً إلى المغْرب وضاق الوقت، وبالعَودة تضاعَفَ الوقت لأنَّنا بالذَّهاب إلى الغرب نكون نمشي مع الأرض، وبالعَوْدَة عاكَسْنا جِهَة الأرض.
 فيا أيها الإخوة، يقول تعالى:

 

﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾

 

[ سورة النمل ]

 هذه السرعة العالِيَة تضْطرب الأرض بِسُرْعتها، وتأتي الجبال، ولها هدَف ميكانيكي، فالجبال من أحد وظائِفِها تَحقيق اسْتِقْرار الأرض أثناء دورانِها السريع.
 قال تعالى:

 

﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾

 

[ سورة النمل ]

 ثبتَ عبْر المركبات الفضائِيَّة والرَّصْد الفَلَكي أنَّ بين البَحْرين حاجِزًا فالبحر الأحمر والبحر الهندي، والبحر الأسوَد والبحر الأبيَض، فبَيْن البَحْريْن حاجِزًا، وهذا الحاجِز حتَّى الآن لم تُعْرَف طبيعَتُهُ إلا أنَّهُ من الثابِت أنَّ مياهَ كُلِّ بَحْرٍ لها مُكَوِّناتُها الخاصَّة، ولها مُلوحَتُها الخاصَّة، ولها كثافتها الخاصَّة، وكذا خصائصها، فَمِياهُ بَحْرٍ لا تَطْغى على مياهٍ أخرى وظَهَرَ لهم هذا بالتَّصْوير الجَوِّي ؛ رأَوْا خطًّا بين البَحْرين وهو خطّ وَهْمي، وخط تفاضل ألوان، وَجَدوا أنَّ مياه البحر الأحْمَر لا يُمْكِن أن تخْتلِط بِمِياه البحر العربي، ولا بالبحر المتوسِّط، والشيء الآخر أنَّ هذا الحاجِز مُضْطرِب أيْ يَتَحَرَّك، قال تعالى:

 

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ(20)فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(21)﴾

 

[ سورة الرحمن ]

 فالله عز وجل يقول:

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

 

[ سورة النمل ]

 هذه الآيات دالَّة على الله، ويا أيها الإخوة الآيات الدالة على الله تعالى أوْسَعُ باب لِمَعْرِفَة الله، وأقْصر طريق إليه، وإنَّك إنْ فكَّرْت فيها واجَهْتَ عظمة الله وجْهًا لِوَجه، وهذه بعض آيات الله في الأرض ؛ دَوْرَتُها حول نفْسِها، وحول الشمس، والمسار بيْضَوي، وتسارع بطيء، وأقطار مختلفة، والتباطؤ بطيء، وإذا لم نلْتَفِت إلى نعْمة الاسْتِقرار فإنَّنا نعرف هذه النِّعْمة بالزِّلْزال، وخلال سبعة درجات على ريشْتر تنهدِم البيوت، ومدينة في الساحل من أكبر المُدن في المغرب جُعِلَ عاليها سافلها خلال ثواني !! لذا اُشْكروا نِعْمة الاسْتقرار.