العبادات الشعائرية : التيمم 1 - تعريفه - شروطه .

1985-03-24

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

شروط التيمم :

1 ـ النية :

 أيها الأخوة المؤمنون؛ تحدثنا في الدرس الماضي عن الغسل، واليوم نتحدث عن التيمم.
 يصح التيمم بشروط ثمانية: الأول: النية، وحقيقتها: عقد القلب على الفعل، والعلماء على خلاف في النية، فأكثرهم أنها عمل قلبي، فإذا عزَم الإنسان على أن يفعل هذه العبادة، فهذه العزيمة هي النية، ووقتها: عند ضرب يده على ما يتيمم به، ففي أثناء الضرب على الحجر، أو التراب، أو الرخام، في أثناء الضرب ينوي الإنسانُ التيممَ من هذا الصعيد الطاهر لأداء الصلاة، أو لقراءة القرآن، أو لشيء آخر.
 وشروط صحة النية ثلاثة: الإسلام، فلا تصح النية لغير المسلم، وهذا شيء بديهي، والتمييز، يعني العقل، والعلم بما ينويه، ينوي التيمم للصلاة، كأنْ ينوي التيممَ لصلاة جنازة، أو ينوي التيمم لقراءة القرآن، وهكذا.
 ويشترط لصحة نية التيمم للصلاة أحد ثلاثة أشياء: إما نية الطهارة، هذه نية، أو نية استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة، من هذه العبادة المقصودة قراءة القرآن.
 إذا نعود فنذكِّر أنَّ للتيمم ثمانية شروط:الشرط الأول النية، وهي عقد القلب على فعل طاعة ما.

2 ـ العذر المبيح للتيمم :

 الشرط الثاني: العذر المبيح للتيمم، فإذا لم يكن هناك عذر مبيح للتيمم لم يصحّ التيمُّمُ، ما هي الأعذار؟ بُعْدُه مسافة ميل عن الماء، أي إذا كان بينك وبين الماء ميل، ولو في المصر، ولو كنت في بلد آهل بالسكان، وبينك وبين الماء ميل، هذا الميل يجيز لك التيمم، وكذلك حصول مرض، كمثل أشخاص يعانون مِن مرض الروماتيزم، وبردٍ يخاف منه التلف أو المرض، أي يخاف من التلف أي الهلاك، أو المرض، أو ازدياد المرض، إذاً بعد المسافة، والمرض، وخوف عدو، أو حيوان مفترس أو نحوه، فأحيانا عند الماء عدو ما، والعدو بطاش، كما في أثناء الحرب، وخوف عطش، فإذا كان مع الإنسان كمية ماء، وهو في الصحراء، وإذا توضأ بما معه من ماء ربَّما مات عطشا، إذًا خاف العطش، أو خاف المرض، أو خاف العدو، واحتياج ماء لعجن لا لطبخ مرق، فإذا كان معك ماء يكفي لعجن العجين، فلو أنك توضأت به لبقيت بلا خبز، ولفقد آلة أيضًا، فحبل الدلو مقطوع مثلاً، أو ليس لديه حبل للدلو، والماء على بعد أمتار، لكن لديك حبلٌ، فهذا يعني فَقْدَ آلة، وخوف فوت صلاة، أي الصلاة التي لا تقضى، مثل الجنازة وصلاة العيدين، فإذا خفت أن تفوتك صلاة الجنازة، أو صلاة العيدين فعليك بالتيمم.
 إذاً فالأعذار المبيحة للتيمم، البعدُ عن الماء، وخوفُ المرض، وخوفُ العدو، وخوفُ العطش، والاحتياجُ لعجن لا لطبخ مرق، لأنّ المرق شيء ثانوي في الطعام، أما الماء للعجين فشيء أساسي، ولفقد آلة كحبل الدلو، أو السطل، أو ما شاكل ذلك، وفي أيامنا هذه إذا انقطع تيارُ الكهرباء، وعنده محرك يعمل على الكهرباء، والماء على بعد خمسين مترًا، وتيار الكهرباء مقطوع، فعليه أنْ يتيمم، وخوفُ فوت صلاة جنازة، أو عيد، هذا الشرط الثاني.

3 ـ أن يكون التيمم بطاهر :

 الشرط الثالث: أن يكون التيمم بطاهر، نويت التيمم من هذا الصعيد الطاهر، من جنس الأرض، كالتراب، والحجر، والرمل، فالرخام حجر، أما الحطب، والفضة، والذهب فليست من جنس الأرض.

 الشرط الأول: النية، الشرط الثاني: وجود العذر المبيح، البعد، وخوف المرض، وخوف العطش، وخوف العدو أيًّاً كان، واحتياج ماء لعجن، وفقدُ الآلة، وخوفُ فوات صلاة، والشرط الثالث: أن يكون التيمم بطاهر من جنس الأرض كالتراب، والحجر، والرمل، لا الحطب، والفضة، والذهب.

4 ـ استيعاب المحل بالمسح :

 الشرط الرابع: استيعاب المحل بالمسح، أي استيعاب الوجه كاملاً، من منبت الشعر إلى أسفل الذقن، وطرفي شحمتي الأذنين استيعابًا كاملاً، وكذلك اليدين استيعابهما كاملتين.

5 ـ أن يمسح بجميع اليد أو أكثرها :

 الشرط الخامس: أن يمسح بجميع اليد، أو أكثرها، فلو مسح بإصبعين لم يصحّ، ولو كرّر حتى استوعب، بخلاف مسح الرأس.

6 ـ أن يكون بضربتين بباطن الكفين :

 الشرط السادس: أن يكون بضربتين بباطن الكفين، ولو في مكان واحد.

7 ـ انقطاع ما ينافي التيمم من حيض ونفاس :

 الشرط السابع: انقطاع ما ينافي التيمم من حيض، ونفاس، فلو كانت المرأة في حيض أو نفاس لم يصحّ التيمم، إذْ لا بد من انقطاعهما انقطاعًا كاملاً.

8 ـ زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ و شحمٍ :

 الشرط الثامن: زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ و شحمٍ، فإذا وُجدَ على الأظافر طلاءٌ، أو شحم، أو عجين، أو مادة مانعة فسدَ التيمُّم، فهذه ثمانية شروط للتيمم، وأعيدها سريعاً، أولاً: النية، ثانياً: وجود العذر المبيح، ثالثاً: التيمم بصعيد طاهر من جنس الأرض، رابعاً: استيعاب المحل بالمسح، خامساً: أن يمسح بجميع اليد، أو بأكثرها، سادساً: أن يكون بضربتين بباطن الكفين، ولو في مكان واحد، سابعاً: انقطاع ما ينافي التيمم، من حيض أو نفاس، الثامن: زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ، وهذه المعلومات أكثر الإخوة الحاضرين على علم بمعظمها، ولكن فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

* * *

صفات العالم :

1 ـ أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور :

 ولننتقل إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين عنوانه " صفات العالم "، وهي: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما أكثر البدعة التي تقطع الإنسان عن ربه كأجهزة اللهو، إذْ يقول بعضُهم: به نسمع تلاوة القرآن، وتقدِّم أحاديث دينية، كما تقدِّم مواضيع علمية، فربنا عز وجل قال:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 219]

 مثلاً برميل فيه ماء مر، مذاب فيه ملعقة عسل، فمن أجل أن تصل هذه الملعقة إلى جوفك، يجب أن تشرب هذا البرميل بكامله، وهو مرٌّ، وقد يكون ساماً، وقد يكون مؤذياً، فلذلك عليه أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور، أي يجوز للجمهور في آخر الزمان أنْ يتفقوا على ضلالة، كأنْ يصير شيء بحكم العادة، أو شيء بحكم العرف، فيصير لكثرة انتشاره بديهيًا، فيقال: فمَن أنت حتى تجيز ما لا يجوز؟ ومن أين تأتينا بهذا الدين؟
 فهنا يقول الإمام الغزالي: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرنّه إطباق الخلق على ما أُحدِث بعد الصحابة رَضِي اللَّه عَنْهم.

2 ـ حرصه على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم :

 ليكن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم، فإذا اقتدى إنسان بالصحابة كان في قمة الذكاء والتوفيق، وإذا اقتدى بغير الصحابة فل، طبعاً هم رجال ونحن رجال كما قال بعض العارفين، وقال بعض العارفين: ما جاءنا عن صاحب القبة الخضراء فعلى العين والرأس، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وما جاءنا عن أصحابه الكرام فعلى العين والرأس، لماذا؟ لأنهم أخذوا عن النبي، والنبيُّ معصوم، وما جاءنا بعد ذلك عن غيرهم، فنحن رجال وهم رجال، وقال بعضهم الآخر: كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذه القبة الخضراء، ما ينطق عن الهوى، وقال بعضهم: ما من أحد يكبر عن أن يُنقَد، وما من أحد يصغر عن أن يَنقَد، فالإنسان غير معصوم.
 لذلك قال سيدنا عمر: " أحبُّ ما أهدى إليّ أصحابي عيوبي "، أكبر هدية تقدمها لأخيك إن رأيت فيه شططاً، أو انحرافاً، أو تقصيراً، أو مخالفةً، أو معصيةً، فبينك وبينه، وبمنتهى اللطف والتهذيب، قل له: يا أخي إنني أحبُّك، وأنت مؤمن، وأنت قارئ قرآن، وهذا الذي تفعله لا يليق بالمؤمنين، إذا قلت له بينك وبينه فهذه نصيحة، فإذا وجهت له هذه الملاحظة أمام ملأٍ فهذا تشهير، وقد يكون الرد عنيفاً، لأنك شهرت به.
 ويسأل الغزالي هذا السؤال فقال: أكان همُّ الصحابة في التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولاية وتولِّي الأوقاف والوصايا وأكل مال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في الِعشرة أم كان همُّهم في الخوف والتفكر والمجاهدة والمراقبة واجتناب دقيق الإثم وجليله والحرص على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان إلى غير ذلك من علوم البطون؟.

سيرة الصحابة العطرة قدوةٌ لنا :

 إنّ سيرةَ الصحابة العطرة قدوةٌ لنا، فأحيانا قد تحضر مجلسًا فيقال لك: هذا مجلسُ ذكر، وتجدهم يلبسون ثيابًا بيضاء، ويقومون بحركات، وفي أثناء الدوران السريع تصير ملابسُهم مثل المظلة، يا ترى أهكذا فَعَلَ الصحابة؟ وبهذه الطريقة وأمثالها فتحوا العالم؟ وبهذه الطريقة انتزعوا إعجاب الأمم؟ وبهذه الطريقة صاروا قادة الشعوب؟ والخلاصة أنّك تشعر أنّ هناك أفعالاً ليست من الدين في شيء.
 يقول الحسن رَضِي اللَّه عَنْه: "محدثان أُحدِثا في الإسلام؛ رجل ذو رأي سيئ زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومُترَف يعبد الدنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وإياها يطلب".
 والحقيقة هنا تحليل دقيق، فأنتَ أمام رجل آثر الدنيا على الآخرة، وكلُّ همِّه الدنيا، أو رجل آخر همُّه أن يتتبَّع أفكار الناس، فمن وافقه على أفكاره المنحرفة ظنّه صالحاً ومن خالفه كَفَّرَه، وهذان المُحدَثان ليسا من الدين في شيء.
 ويقول الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه: واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان، وأقربهم إلى الحق أشبههم بصحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أخَذَ الدينَ.
 لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه: خيرنا أتبعنا لهذا الدين لما قيل له: خالفتَ فلاناً؟ فلا ينبغي أن يكترث بمخالفة أهل العصر إذا كان عملُه موافقًا عملَ أهلِ عصر رسول الله وهم الصحابة الكرام.
 فإذا خالفتَ أهل عصرك، واتبعت أهل عصر رسول الله فأنت على حق، وكلمة الإمام علي كرم الله وجهه يقول: " نحن نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال "، هذه كلمةٌ في منتهى الدقة، فلا يعرف الحق لأن فلانًا قاله، بل يعرف فلانًا أهو على حق أو على باطل في ضوء الحق الذي تعرفه، فالحق هو الأصل.
 فلو فرضنا مدرس لغة عربية نصب الفاعل، فإنّ الفاعل لم يَعُدْ منصوبًا، فحكمُ الفاعل الرفع، إذا ذاك المدرِّس مخطئ، ففي اللغة قواعد ثابتة في ضوئها تقيّم ضوابطها، فإذا قرأ جاهلٌ في كتابٍ مطبوع ونصَب الفاعلَ فليس الصواب في قراءته، وقال: أنا أظنه مرفوعًا، لا، فهذا خطأ مطبعيّ، فأنت تعرف الكلام بالحقائق التي تعرفها من قبل، ولا تستنبط الحقائق من كتاب طارئ.
 يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ الْكَلَامُ وَالْهَدْيُ فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدِثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ أَلَا لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ أَلَا إِنَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ وَإِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ))

[ ابن ماجه عن ابن مسعود]

من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة :

 سألني الأسبوع الماضي رجلٌ، فقال: أليس هناك حديث " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "، فأردت أن أبسِّط له الموضوع، فقلت: لما وضعوا في المساجد برادات للماء في أيام الصيف الحارة، والمصلي يتمنّى أن يشرب كأس ماء بارد، فهذه البرادات انتشرت بعد ذلك فهذه سنّة حسنة، ووضعوا في المساجد سخانات للمياه، ففي أيام الشتاء يتمنى المتوضِّئُ أن يكون الماءُ ساخناً، وهذه أيضًا سنة حسنة:

((اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ ))

[رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]

 طبعاً هذه سنة نبوية مطهرة، فإذا أصيب مسلم بمصاب، أو بلاء، أو حادث وفاة، فهو بعيد عن جو الطعام والشراب، فإذا قَدَّم له الأهل الطعام والشراب جاهزين، فهذا اتباع لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فأبواب الخير كثيرة، وقد بلغني أنّ أحَدَ الصالحين بالشام أوقف مبلغًا كبيرًا من المال لكل غلام كُسِر معه إناء، ويخاف عقاباً أليماً من وليه، أو سيده، يأتيه بقطعة من هذا الإناء فيعطيه إناءً كاملاً جديداً، فهذا الإنسان أراد أن يخفِّف مآسي المجتمع، وَاللَّهِ هذه سنَّة حسنة، فإذا فكر الإنسانُ في أعمال الخير، فأعمال الخير لا تُعدُّ ولا تُحصَى، لكن هذه ليست بدعاً ، هذه من صلب الدين، ومغطاة بآيات، وأحاديث كثيرة، من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة فإذا أَلْحَقَ شخصٌ بالمسجد مستوصفًا، وعولِج فيه مريض فقير، فهذا شيءٌ جميل، وهذه سنة حسنة، وإذا علَّم الإنسان الأولاَدَ القرآنَ الكريمَ، فألزم المدرِّسُ نفسه بذلك، فهذا شيء يُحمَد عليه.
ويقول عليه الصلاة والسلام:

((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وخالط أهل الفقه والحكم، وجانب أهل الزلل والمعصية، طوبى لمن ذل في نفسه وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل عن الناس شرَّه، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضلَ من ماله، وأمسك الفضلَ من قوله، ووسعته السنَّةُ، ولم يَعْدُهَا إلى بدعة))

[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]

 هناك كثير مِن الأمثلة على البدع، فبعضُ المسلمين يرغب في حضورِ احتفال رأس السنة، وآخرُ يحبُّ أنْ يقلِّد الأجانب، وهذه بِدَعٌ.

إكرام الوالدين وحسن صحبتهما يوازي الجهاد في سبيل الله :

 في خطبة الجمعة حدَّثتُكم أنّ عيد الأم شيءٌ مستورَد، لكن المسلمين يملكون من هذه البضاعة الشيءَ النفيس:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا ))

[النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 فلقد رأى النبيُّ الكريمُ أنَّ إكرام الوالدين وحسن صحبتهما أولى لذلك الرجل من الجهاد، وعَدَّ الإحسانَ إليهما موازياً للجهاد في سبيل الله، وإليكم حديثًا آخر:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَلَكَ وَالِدَانِ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 حادثة أخرى:

((عَنْ الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ، وَكَانَ لا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهمَا يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ))

[البخاري عَنْ الْعَبَّاسِ]

 جاءه رجل ثالث قال له: لي أم تركتها وحيدة، وأتيت لأجاهد معك يا رسول الله - أو كما قال - فقال عليه الصلاة والسلام: " قَابِلْ اللهَ في برِّها "، فبرُّ الوالدة عملٌ يكفي أن تقابل اللهَ به عز وجل، " قَابِلْ اللهَ في برِّها "، وقال عليه الصلاة والسلام: لو أن في اللغة كلمة أقل من "أف" لقالها الله عز وجل، إذا نحن عندنا في العام 365 عيدًا للأم، كل يوم أنت مكلف بطلبِ رضى الوالدة، لا بالكلام بل بالإحسان والأدب وطلب الرحمة، وتدعو لهما في آخر كل الصلاة؛ ربِّ اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربَّياني صغيرة، لكن في مجتمع آخر يكون للأم خمسةُ أولاد، ولا ترى أحدًا منهم طيلة العام، فلمثل هذا المجتمع كان عيد الأم، أجَلْ لمثل هؤلاء كان عيد الأم، لرجل يموت في بيته فتتفسخ جثتُه، ويبقى ستة أشهر إلى أن يُقتحم عليه البيت من نتن الرائحة، وله خمسة أولاد متزوجون يقيمون في لندن، في المدينة نفسها التي هو فيها، ولم يخطر على بال واحد منهم أن يزور أباه خلالَ هذه الأشهر الست، فلمثل هؤلاء كان عيد الأم، وغالباً حتى في هذا العيد يكتفون بإرسال بطاقات زيارة بدل الزيارة الحقيقة.
 إذاً المسلمُ وسعته السنَّة، ولم تستهوِه البدعة، وكثير من الصراعات في حياتنا؛ صراعات لها أول وليس لها آخر، كلها مستوردة من الغرب ، فمصمِّم أزياء في فرنسا مثلاً، لنزوة شيطانية ألَمَّتْ في عقله يمكن أنْ يجعل نساء المسلمين يخرجنَ على قواعد الشرع، وإذا رضينا هذا، وإذا تتبعنا هذه الصراعات، وبجَّلناها، وقدّسناها، فأين نحن إذًا من الإسلام؟
 والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

(( طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوِه البدعة))

[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]

كلُّ كلام لا علاقة له بذكر الله لغو ملغي :

 وفي هذا الحديث:

((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس....))

[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]

 لما يتعامَى الإنسان عن عيوب الناس، وينشغل بعيوب نفسه، فهذا مؤمن حقاً، أمّا التافه فهمُّه الأول تتبُّعُ عورات الناس، لِمَ فلانة طلقت؟ ولِمَ فلان ليس له أولادٌ؟ يا ترى السبب منه أم منها؟ وما دخلك أنت بينهما؟ ومَن استشارك؟ ومَن شكا لك الموضوع؟

((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس....))

[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]

((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ومن علامة الإيمان.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

[ سورة المؤمنون:1-3]

 قال بعض المفسرين: كلُّ كلام لا علاقة له بذكر الله فهو لغو ملغي، إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها، ودنيِّها، فلذلك:

((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية...))

[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]

و:

(( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذه الدعوات يا ربّ يا ربّ صارت هباءً منثورًا، فإذا كان دخله حرامًا، يا ربّ ويا ربّ، فهذا نفاق، وإذا لا يصلِّي الفرض إلا في الصف الأول وفي وقته، والله شيء جميل، لكنه يملك مطعمًا تباع فيه الخمرة، قلت له: ما هذا؟ فقال لي: إنْ شاء الله في رقبة شريكي، أنا لا أذهب إلى المطعم أبدًا، و الحمد لله، ولكنه يقبض الربح في آخر السنة، وإن شاء الله بيعُ الخمرة في رقبة شريكه كما يزعم:

((يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 أي أنا لا أعتقد شيئًا في الحياة أخطر من الدعاء، لأنك بالدعاء تستعين بأقوى قوة بالكون وهي الله عز وجل، وبالدعاء أنت أقوى إنسان على وجه الأرض.

الإنسان بالدعاء يعلن أنّ له عند الله رجاء :

 كان سراقةُ بن مالك فارساً شجاعاً صنديداً طمع في الجائزة، إنها مئتان من الإبل لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً، وحينما اقترب منه غاصت قدما فرسه في الرمل أول مرة والثانية والثالثة، شعر أن هذا ممنوع مني، إذًا في الكون قوة إلهية تحميه بالدعاء، فيكون أقوى إنسان على وجه الأرض.
 كذلك معركة الخندق معركة كبيرة، كانت على وشك أن تستأصل المسلمين، إنّها حرب تدميرية هدفها إنهاء الإسلام كلياً، فالله عز وجل أرسل رياحًا عصفت بخيام الكافرين فأطفأت نيرانهم، وقلبت قدورهم، ودبّت بينهم الخلافات، وكان سيدنا نعيم بن مسعود قد أسلم في الوقت المناسب، قال للرسول الكريم: مُرْني يا رسول الله، فقال له: أنت واحد، ولكن خذِّلْ عنا ما استطعت، فذهب إلى الأحزاب وقال لهم كلاماً عن اليهود، وذهب إلى اليهود وقال لهم كلامًا آخر، فأوقع بينهم الشقاق، وكانت النتيجة أن انصرفت الأحزاب، ونصر اللهُ عبده، وهزم الأحزاب وحده، ولا شيء قبله ولا شيء بعده.
 وفي حنين أمسك النبي الكريم حفنة من رمل ورماها في الوجوه وقال: شاهت الوجوه:

أنا النبيُّ لا كذب أن ا ابنُ عبدِ المطلب
***

 إنّك بالدعاء تعلن أنّ لك عند الله رجاء، واللهُ سبحانه وتعالى هو هو، قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وآياته هي هي، وقوانينه هي هي، في أي زمان إذا قلت: يا ربّ، يقول الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السموات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجًا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وجعلت الأرض هوياً تحت قدميه، الدعاء شيء خطير، أنت بالدعاء يستجيب الله لك، لكن العبد الذي يقول:

((... يَا رَبِّ يَا رَب، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))

[مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

من أراد تحقيق أهدافه فلابد له من التفرغ ولزوم مجالس العلم والبذل :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((...وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وخالط أهل الفقه والحكم...))

 فمِن أين ترجو الخير إن كنت بعيدًا عن أهل الخير؟ ومِن أين ترجو أن تكون عالماً إذا كنت بعيدًا عن مجالس العلم؟ وهل سمعتُم في حياتكم أنّ إنسانًا صار طبيبًا وهو جالس في بيته أو وهو مقيم بالسوق؟ فلا بد من التفرغ، ومِن لزوم مجالس العلم، ومن البذل، حتى تكون محققًا لأهدافك.

من فهم مضمون الآيات و عمل بها فقد فقه :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((.....وجانب أهل الزلل والمعصية، طوبى لمن ذل في نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته...))

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 إذا كنتَ ذا قلبٍ سليٍم فهنيئا لك، لأنّ الله معك:

((.....وعزل عن الناس شرَّه، طوبى لمن عمل بعلمه....))

 والله شيء جميل، لِيَضَعْ كلُّ واحد منا يضع نفسه محلّ البدوي الذي قال للنبي الكريم: يا رسول الله عظني وأوجز؟ فنظر إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و قال له:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8 ]

 قال الأعرابيُّ: قد كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجل، لو قال: فَقِه فلها معنى آخر، أما قال: فَقُه الرجل، لو قال: فقِهَ، أي عرف أحكام الفقه، لكنّه قال: فقُه أي أصبح فقيهاً، كأنْ تكون آية قرآنية قرأتها فشعرت أنك اكتفيت بها لعشرات السنين، تطبيقاً لهذا الحكم، قال تعالى:

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123 ]

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 38]

 هذه آية ثانية.

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 فإِنْ فهمتَ مضمون هذه الآيات و عملتَ بها فقد فقُهتَ بإذن الله.

التطاوُل على الناس وصفاتهم في المجالس شيءٌ قبيحٌ وحسابُه عند الله عسيرٌ :

 واللِه في القرآن آيات كثيرًا، كل آية إذا عقلتها تقول: كفيت:

((.....طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضلَ من ماله، وأمسك الفضلَ من قوله....))

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]

 فأنْ يقول قائلٌ: الحمد لله لا أسرق، ما هذا الكلام؟ هذه كبائر، مِن البديهي ألاّ تسرق، فإذا قال لك طبيب: أنا الحمد لله أقرأ وأكتب، أتتعجب من ذلك و تقول: تقرأ وتكتب!! هذه بديهية، هذه يفعلها طالب ابتدائي، أنت مطالب بعلم دقيق، مطالب باستشارات، مطالب بمطالعة عميقة، مطالب بحل معضلات، أمّا أنْ تقرأ وتكتب، فهذه بديهيات، أما إذا كنت في مجلس، وطُرِح موضوع عن إنسان، فسلَقَتْهُ الألسنة، أنت كمؤمن ماذا تفعل؟ أتجري مجراهم؟ لا، فإمّا أن تقوم من هذا المجلس، وإما أن تسكِتهم، فهذه غيبة، أو حدّثك شخصٌ بقصة عن فلان، أتنقلها مكبراً فيدبّ الخلافُ بينهما؟ فاعلمْ أنّه لا يدخل الجنة نمّام أبداً، أو قتات، والمعنى واحد، إنه شي خطير على مستوى اللسان، هناك كبائر، فاحذر الغيبة والنميمة والسخرية، قالت له: صفيَّةُ قصيرة، فقال لها: يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجتْ بمياه البحر لأفسدته، فكلمة "قصيرة "، يقولون: قصيرة مثل المسطيجة، وأحياناً يقولون: إذا كان طويلاً زيادة مثل الحورة !! أمَّا إذا كان قصيرًا زيادة فيغتابونه غيبةً مهلِكةً، فالتطاوُل على الناس وصفاتهم في المجالس شيءٌ قبيحٌ، وهذا كله حسابُه عند الله عسيرٌ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم.

من قرأ ما جاء في كتاب الله بهرته حقائقُ الإيمان :

 لذلك:

((......وأمسك الفضلَ من قوله، ووسعته السنَّةُ، ولم يَعْدُهَا إلى بدعة))

 عليك بكتاب الله، أما يكفيك؟ ففيه كل شيء، والحديث النبوي الشريف ألا يكفيك؟ وَاللَّهِ هذه الأيامُ أقرأ مسرحية شكسبير، وماذا يعنيك من شكسبير؟ أعنده حكمة؟ أيصف لك نفوسًا مريضة؟ فإذا نقب شخصٌ في صندوق قمامة فماذا سيجد؟ سيجد قشر برتقال، والأكلة المتعفنة، واللحمة المتفسخة، هذا ما في صناديق القمامة، فإذا قرأت الروايات والقصص فلن يطالعك منها إلاّ انحراف أخلاقي، وهبوط نفسي، وضعف إنساني، وواقع مؤلم، وفقر مدقع، ولؤم لا يحتمل، فعندما تنتهي من القراءة تشعر بانقباض شديد، لأن الكاتب أوصلك إلى الوحل الذي صنعتْهُ قبائحُ الناس، فمرَّغك في وحل البشر، لكن اقرأ عن صحابي جليل، ستبقى أسبوعًا مترنمًا، واللهِ الأسبوع الماضي ذهبت إلى البيت، ومن عادتي أن أقرأ قبل أن أنام، لشدة استمتاعي بالقصة التي تلوتها على مسامعكم، لكنّني واللِه ما تمكَّنتُ من أن أقرأ شيئاً، فبقيت هكذا مستمتعاً بهذه المواقف التي وقفها سيدنا أبو سفيان بن الحارث، وما استُنبِط من مواعظ من هذه القصة، اقرأ قصص الصحابة تجد نفسَك ارتفعت، ويمكن أنْ تنسى نفسك أنك من مواليد الشام ومن أبناء سنة ألف و تسعمئة و خمس و ثمانين، تُشَدُّ بروابط متينة إلى ذاك المجتمع الفاضل، وإلى هذه القيم العالية، وإلى هذه البطولات، وتتمنى أن تكون خادمًا عندهم، وتتمنى أن تكون حارسًا لهم، وتعجب لِما هم عليه مِن هذا الكمال، والإنسان يذكر الصالحين الأبطال، فيتعطر المجلس بذكرهم، ويعتمر قلبه بالإيمان، وترتفع معنوياته، ويشعر أنّه إنسان آخر، بينما إذا قرأ القصص الحديثة، فكأنّه خاض في صندوق قمامة إلى قمة رأسه، تجد فيها السفه، والحمق، والخيانة، والغدر، واللؤم، والفقر المدقع، والغنى الفاحش، والفرق الطبقي الذي لا يحتمل، والضعيف الذي لا ناصر له، لكن اقرأ ما جاء في كتاب الله؛ فتروعك حقائقُ الإيمان، إذْ يقرأ كلامًا يفيده، "طوبى لمن وسعته السنة، ولم تستهوِه البدعة"، يقول أحدهم: واللهِ أنا أعلِّم ابني العزف على الكمان، وهي آلة حنونة، ولكن السنة ما اكتفيت بها، وما لامست مشاعري، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إن طرب المؤمن بكتاب الله لمقياسٌ فنيُّ بحت، ولو اجتمع ذواقو الغناء في العالم لما طربوا مجتمعين كما يطرب مؤمن بآيات الله، تذوب نفسُك مع معانيها، وتشعر أن المتكلم هو الله عز وجل، خالقك.

﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾

[ سورة ص: 44 ]

 ثم اقرأْ هذه الآية:

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

[ سورة الحديد: 16 ]

 دخلت منزلَ شخصٍ منذ يومين، وهو متقدم في السن، حدّثني موجزًا بكلمتين، فقد سمعنا أن لك دروسًا، قلت له: نعم، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: "عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وشاب شعرك، وانحنى ظهرك، فاستحِ مني فأنا أستحيي منك"، فقال: لا تضيِّق و لا تشدِّد فكل سنٍّ لها ظروفها، فهو يبقى إلى الساعة الثانية يلعب بالنرد رغم كِبَر سنِّه، فهذه مِن رجل كبُرت سنُّه ثخينةٌ حقًّاً، ولا تُقبَل أبدًا، وعلمت أنّه جاءت امرأة إلى البيت، وهي صديقة زوجتك فيقول: تعالوا إلى هنا ليجلسهما إليه، رغم سنه، بحجَّة أن غرفته فيها مدفأة، فأنا أذكر هذا و أمثاله بالحديث القدسي: "فاستحِ مني فأنا أستحيي منك".

 

* * *

قصة وحشي بن حرب الحبشي :

 هذه قصة صحابي، ونقول " صحابي" والله أعلم بحاله، فهذا الرجل فعل مأساة في تاريخ المسلمين؛ قتل خير الناس بعد محمد صلى الله عليه و سلم، وقتل شرَّ الناس أيضاً، فلعل الله عز وجل يغفر له هذه بتلك، فَمَنْ هذا؟ هذا الذي أدمى فؤاد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أدمى فؤاده حينما قتل عمه حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وإنْ أحدٌ منكم أكرمه الله عز وجل بزيارة الحرم النبوي الشريف، فلينتقل إلى الأماكن المقدسة، ومنها أُحُد، فإنه سيجد قبر سيدنا حمزة، أشهر قبر هناك، في ساحة معركة أحد، ثم شفى قلوبَ المسلمين حينما قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة، إنه وحشي بن حرب الحبشي، المكنى أبو دسمة، و له قصة عنيفة حزينة دامية، فأَعِرْهُ سمعك ليروي لك مأساته بنفسه، قال وحشي: كنت غلاماً رقيقاً لجبير بن مطعم أحد سادة قريش، وكان عمه طعيمة قد قتل يوم بدر على يد حمزة بن عبد المطلب، فحزن عليه أشد الحزن، وأقسم باللات والعزى ليثأرنّ لعمه، وليقتلن قاتله، وجعل يتربص بحمزة الفرص، ولم يمضِ على ذلك طويل وقت حتى عقدت قريش العزم على الخروج إلى أُحُد للقضاء على محمد بن عبد الله، والثأر لقتلاها في بدر، فكتَّبتْ كتائبها، وجمَّعتْ أحلافها، وأعدَّت عدَّتها، ثم أسلمتْ قيادتها إلى أبي سفيان بن حرب، فرأى أبو سفيان أن يجعل مع الجيش طائفة من عقيلات قريش، أيْ من نساء قريش، ممَّن قتل آباؤهن، أو أبناؤهن، أو أخوتُهن، أو أحٌد من ذويهن في بدر، ليَحمسْنَ الجيش على القتال، وَيَحُلْنَ دون الرجال ودون الفرار، فكان في طليعة من خرج معه من النساء زوجه هند بنت عتبة، وكان أبوها وعمها وأخوها قد قتلوا جميعاً في بدر، ولما أوشك الجيش على الرحيل التفت إليّ جبير بن مطعم وقال: هل لك يا أبا دسمة - أأي وحشيًّا - في أن تنقذ نفسك من الرق؟ قلت: ومن لي في ذلك؟ قال: أنا لك به، قلت: وكيف؟ قال: إن قتلتَ حمزة بن عبد المطلب عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق، قلت: ومن يضمن لي الوفاء بذلك؟ قال: من تشاء، ولأُشهِدَنَّ على ذلك الناسَ جميعاً، قلت: أَفعلُ وأنا لها، قال وحشي: وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلّما أخطئ شيئاً أرميه بها، فأخذت حربتي ومضيت مع الجيش، وجعلت أمشي في مؤخرته، قريباً من النساء، فما كان لي أربٌ بالقتال، له مصلحة بسيدنا حمزة فقط، وكنت كلما مررتُ بهند زوجة أبي سفيان، أو مرَّتْ بي، ورأت الحربة تلتمع في يدي تحت وهج الشمس تقول: أبا دسمة أشفِ واستشفِ، فلما بلغنا أحد والتقى الجمعان خرجت ألتمس حمزة بن عبد المطلب، وقد كنت أعرفه من قبل، ولم يكن حمزة يخفى على أحد، لأنه كان يضع على رأسه ريشة نعامة، كما كان يفعل ذوو البأس من شجعان العرب، وما هو إلا قليل حتى رأيت حمزة يهدر بين الجموع كالجمل الأورق، وهو يهد الناس بسيفه هداً، فما يصمد أمامه أحد، ولا يثبت له شيءٌ، وفيما كنت أتهيأ له، وأستتر منه بشجرة أو حجر متربصاً أن يدنو مني، حتى تقدمني إليه فارسٌ من قريش يدعى سباع بن عبد العزي، وهو يقول: بارزني يا حمزة، بارزني، فبرز له حمزة وهو يقول: هلمّ إلي، ثم ما أسرع أن بادره بضربة من سيفه فخر صريعاً، يتخبط بدمائه بين يديه، عند ذلك وقفت من حمزة موقفاً أرضاه، أي صارت المسافة قريبة، وجعلت أهز حربتي، حتى إذا اطمأننت لها دفعت بها نحوه، فوقعتْ في أسفل بطنه، فخطا متثاقلاً نحوي خطوتين، ثم ما لبث أن سقط والحربة في جسده، فتركتها حتى أيقنت أنه مات، ثم أتيته وانتزعتها منه، ورجعت إلى الخيام وقعدت فيها، إذ لم تكن لي حاجة غيره، وإنما قتلتُه لأُعتَق، ثم حمي وطيس المعركة وكثر فيها الكر والفر، غير أن الدائرة ما لبثت أن دارت على أصحاب محمد، وكثر فيهم القتل، عند ذلك غدت هنُد بنتُ عتبة على قتلى المسلمين، ومن ورائها طائفة من النساء، فجعلت تمثّل بهم، فتبقر بطونهم، وتفقأُ عيونهم، وتجدع أنوفهم، وتصلم آذانهم، وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم دُعِي إلى التمثيل في قتلى بدر، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً"، ثم صنَعَتْ من الأنوف والآذان قلادةً وأقراطاً فتحلّت بها، ودفعت قلادتها وقرطيها الذهبيين لي وقالت: هما لك يا أبا دسمة، هما لك، فاحتفظتُ بهما فإنهما ثمينان، ولما وضعت الحرب أوزارها، عدتُ مع الجيش إلى مكة فبرَّ لي جبيرُ بن مطعم بما وعدني، وأعتق رقبتي، فغدوتُ حرًّاً، لكن أمر محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل ينمو يوماً بعد يوم، وأخذ المسلمون يزدادون ساعة بعد ساعة فكنتُ كلما عظم أمر محمد، عظم عليَّ الكرب، وتمكن الجزع والخوف من نفسي، وما زلتُ على حالي هذه حتى دخل محمد مكة بجيشه الجرار فاتحاً، والعاقبة للمتقين، عند ذلك ولَّيْتُ هارباً إلى الطائف، ألتمس فيها الأمن، لكن أهل الطائف ما لبثوا كثيراً حتى لانوا للإسلام، وأعدُّوا وفداً منهم إلى لقاء محمد، وإعلان دخولهم فيه، وعندما أنزل ربنا عز وجل قوله تعالى:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾

[ سورة النصر: 1 ـ 3 ]

 قالوا: في هذه الآية نَعيُ النبي عليه الصلاة والسلام، أي أنّ رسالته تحققت وتمَّت، وقال عليه الصلاة والسلام:" يأتي على أمتي زمان يخرج الناس من دين الله أفواجًا"، وكيف ذلك؟ فهذه مثلاً مضى عليها أربعون سنة محجَّبة ثم سفرت وأظهرتْ مفاتنها، وتدَّعي أنّ خلقها قد ضاق، بل قد ضاقت نفسُها ذرعًا بالحجاب، فيخرج الناسُ أفواجاً، كما دخلوا أفواجاً، عند ذلك قال وحشي: سقط في يدي، وضاقت عليَّ الأرضُ بما رحبت، وتعيَّت عليّ المذاهب، فقلت: ألحقُ بالشام، أو باليمن، أو ببعض البلاد الأخرى، فوالله إني لفي غمرة همَّي هذه إذْ رقّ لي رجل ناصح وقال: ويحك يا حبشي، إن محمدًا واللهِ لا يقتل أحدًا من الناس إذا دخل في دينه، وفي الإسلام قواعد صارمة، ولو أنّ هذا الحبشي قالها نفاقاً، أو شكلاً، أو تقية، أو ممالأةً، أو مماراةً، لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقد حقَن دمه، قال له: ويحك يا حبشي، إن محمدًا والله ما يقتل أحدًا من الناس إذا دخل دينه، وتشهد بشهادة الحق، فما أنْ سمعتُ مقاله، حتى خرجت ميمِّمًا وجهي شطرَ يثرب، أبتغي محمدًا، فلما بلغتها تحسّست أمَره، فعرفت أنه في المسجد، فدخلت عليه في خفةٍ وحذر، ومضيت نحوه، حتى صرت واقفاً فوق رأسه، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلما سمع الشهادتين، رفع بصره إليّ، فلما عرفني ردّ بصره عني، وقال: أوحشي أنت؟ قلت: نعم يا رسول الله، فقال: اقعد وحدِّثني كيف قتلت حمزة؟ فقعدت فحدثت خبره، فلما فرغت من حديثي أشاح عني بوجهه، وقال: ويحك يا وحشي، غيِّب وجهك عني، فلا أرينَّكَ بعد اليوم، أيْ لن يقتله رسول الله، ففي الإسلام قواعد ثابتة، لكن غيِّبْ وجهك عني، فلا أرينَّك بعد اليوم، فكنت منذ ذلك اليوم أتجنب أن يقع بصر النبي الكريم عليَّ، فإذا جلس الصحابة قبالته أخذتُ مكانًا خلفه، وبقيتُ على ذلك حتى قبض النبي عليه الصلاة والسلام، فموقفي مُخْزٍ إلى يوم القيامة، ثم أردف وحشي يقول: وعلى الرغم من أني عرفت أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فقد ظللتُ أستشعر فداحة الفعلة التي اجترحتها، وأستفظع الأمرَ الجلَلَ الذي نزل بي، وطفقت أتحيَّنُ الفرص كي أكفِّر عمَا سلف، وصدَق النبي الكريم إذْ قال: " ألا يا رب شهوةِ ساعةٍ أورثت حزناً طويلاً "، فعلى الإنسان أنْ يفكِّر مليون مرة قبل أنْ يعمل عملاً، كقتل النفس، فيمكن لعملٍ ما أنْ يجعله في حجاب إلى يوم القيامة، فقدْ يكون ذاك العملُ أحَدَ أسباب هلاكه، " ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلاً "، ثم قال: فلما لحق النبي الكريم بالرفيق الأعلى، وآلت الخلافة إلى صاحبه أبي بكر، وارتدَّ بنو حنيفة أصحاب مسيلمة مع المرتدين، جهّز خليفةُ رسول الله جيشاً لحرب مسيلمة، فقلت في نفسي: إن هذه وَاللَّهِ فرصتك يا وحشي فاغتنمها، ولا تدَعْها تفْلتُ من يديك، ثم خرجت مع جيوش المسلمين، وأخذت معي حربتي التي قتلت بها سيد الشهداء حمزة، و آليت على نفسي أن أقتل بها مسيلمة الكذاب، أو أظفر بالشهادة، فلما اقتحم المسلمون على مسيلمة وجيشه حديقة الموت، والتحموا بأعداء الله جعلت أترصد مسيلمة، فرأيته قائماً والسيف في يده، ورأيت رجلاً من الأنصار يتربص به مثلما أتربص أنا به، فلما وقفتُ منه موقفاً أرضاه هززت حربتي حتى إذا استقامت في يدي دفعت بها نحوه فوقعت فيه، وفي نفس اللحظة التي أطلقت حربتي على مسيلمة كان الأنصاري يثب عليه ويكيل له ضربة بالسيف، فربك يعلم أيّنا قتله، فإن كنت أنا الذي قتلته أكن قد قتلتُ خير الناس بعد محمد، وقتلتُ شر الناس بعده، لعلّ الله عز وجل يجعل هذه بتلك.

عذاب النفس يسبق كل عذاب :

 هذه القصة هدفها أنّ الإنسان أحياناً في ساعة الغفلة، أو طغيان الشهوة، أو الطمع في المال، أو القوة العمياء، يرتكب حماقة كبيرة من السذاجة والغباء، حيث تقول: أتوب منها، هذا كلام، فلما تشعر النفس بشناعة عملها وفظاعة فعلتها فليس مِن قوة تزيح عن كاهلها الشعور بالإثم، فمثلاً إذا كان الإنسان في ساعة سكر شديد، قام يذبح ابنه، وبعدما ذهب عنه أثرُ السكر وصحا منها رأى ما فعلتْ يدُه، ولات حين مندَم، ولو تصورنا أنّ أحداً لم يحاسبه، ولم يعتقله، وليس مِن قضاء يحاكمه، لكنّه يتفتَّت ألمًا وحسرةً، و يموت كل ساعة مئة مرّة، لماذا؟ لأن عذاب النفس يسبق كل عذاب، و قد حُكيَ لي أنّ شخصًا منذُ ثلاثين سنة تقريبًا في بيروت دهس طفلاً بسيارته، فلما أوى لينام ما استطاع، والحادث وقع الساعة الواحدة ليلاً حسب الرواية، إذْ بعث الوالدُ ابنه لشراء حاجة من الدكان، وبينما الولدُ يقطع الشارع دهسته سيارة فمات، فأول يوم ما استطاع أن ينام، وثاني يوم، وثالث يوم، ورابع يوم، ومضى عليه عشرون يوماً لا ينام، فالتجأ إلى طبيب نفسي علَّه يجد ما يريحه و يهدِّئ من رَوعه، فحذارِ من ساعة الغفلة، ومن ساعة طغيان الشهوة.