العبادات الشعائرية : المسح على الجبيرة .

1985-04-14

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

المسح على الجبيرة :

 أيها الأخوة الكرام، موضوع قصير عنوانه " المسح على الجبيرة " فمن افتصد، أي أخرج دماً من جسمه، أو بجرح، أو بكسر عضوٍ فشدَّه بخرقةٍ، أي الضمّاد، أو بأيِّ حادث، وأيّ كسر إذا شُدَّ بضماد، أو جبيرة، وكان لا يستطيع غسل العضو، ولا يستطيع مسحه وجب المسح على أكثر ما شدَّ به العضو.
 اليد مكسورة ومجبَّرة بجبصين وقماش، مجروحة عليها شاش ومادة معقمة، فصد دمه ربط مكان الفصادة بشاش، أي جبيرة أو أي ضماد شده الإنسان على جسمه إن لم يستطع غسله أولاً، وإن لم يستطع مسحه كذلك فماذا يفعل؟ وجب المسحُ على أكثر ما شدّ به العضو، على القماش وكفى المسح على ما ظهر، وإذا كانت الجبيرة طبقات متعددة فيمسح الطبقة الأخيرة فقط، والمسح كالغسل، معنى كالغسل هناك فرق كبير بين المسح على الجبيرة وبين المسح على الخفين، المسح على الخفين مسح بدل، بدل من غسل الرجلين، وله مدة يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وله نواقض، لكن المسح على الجبيرة كالغسل فلا يتوقف بمدة، ولا يشترط شد الجبيرة على طهر، رجل أُخِذَ بحالة إسعاف إلى المستشفى ولم يكن متوضئًا، فماذا نفعل؟ هل نفكُّ الضماد؟ لا، إذْ لا يشترط شدُّ الجبيرة على طُهر، ويجوز مسحُ جبيرة إحدى الرجلين، أما بالخفين فيمسح الاثنتين معاً، رِجْل واحدة مضمَّدة والثانية معافاة، تَغسل واحدة وتَمسح على الثانية، ولا يبطل المسح بسقوطها قبل البرء، وإن سقطت فالمسح لا يبطل بل تصلي ولو سقطتْ، ويجوز تبديلها بغيرها، ولا يجب إعادة المسح عليها، فالمريض مجروح، ولهُ في الشرع وُسعةٌ كبيرة، والشرعُ سَمحٌ في تعامله مع هذا المريض.
 ثم إذا رمَد الإنسان وأُمِر ألاّ يغسل عينه، ماذا يفعل؟ أو انكسر ظفره، وجُعِل عليه دواء أو مادة عازلة ويضرّه نزعُه، جاز له المسح، لا يوجد جبيرة للعيون، عينٌ رمداء وضِع لها الدواء، والماء يضرها، يمسح على جفنه من دون غسيل، ظفره انكسر وضع عليه مادة معقمة يضرها الماء يمسح على ظفره، الآن لا يوجد جبيرة، فلتَعلمْ إذًا أنّ الدين يسر، فلك أن تمسح على الخفين، ولك أن تتيمم، ولك أن تمسح على الجبيرة، أو أي ضماد، ولك أن تمسح على عضو يضره الماء من دون ضماد.

المسح على الجبيرة لا يفتقر إلى نية ولا توقيت ولا زمن :

 والمسح على الجبيرة لا يفتقر إلى نية، حتى لو كان العضوُ يضرُّه الماء جاز له تركُ المسح، أكرِّر وأقول: ولا يفتقر المسُح على الجبيرة إلى نية كما في المسح على الخف، فلا نية ولا توقيت ولا زمن، ولا يشترط أن تكون الجبيرة على طهر، وإذا سقطت لا ينتقض الوضوء، ويجوز تبديلها وتغيرها، ولا يشترط النية، فقدْ رُفِع عن أمتي كلُّ ما يبعث على الضيق والتبرم من الشرع، فالدين يُسْرٌ.

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا]

* * *

المؤمن الصادق يجب أن يكون حزيناً منكسراً يقلقه أمر آخرته :

 وبعدُ، فإلى فصل آخر مختار من إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي، كنا في الدرس الماضي تحدثنا عن اليقين، وقلنا: إنَّ اليقين عند الصوفيين أو عند الفقهاء يختلف عن اليقين عند المتكلمين والفلاسفة، فاليقين عند المتكلمين هو عدم الشك، أما اليقين عند الفقهاء والصوفيين فهو أن توقن بالموت ولا تعمل لما بعد الموت، أن توقن بالجنة ولا تعمل لها، أن توقن بالنار ولا تتقي النار، هذا هو ضعف اليقين، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين.
 إنّ المؤمن الصادق يجب أن يكون حزيناً، منكسراً، مطرقاً، صامتاً، لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام: "الحزانى في كنف الله"، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزانى معرضون إلى الرحمة، ما معنى "حزانى" أي أنّ أحدهم يقلقه أمر آخرته، ويخشى أن تأتيه المنية وليس معه زاد كافٍ إلى الآخرة، فهذا الحزن المقدس، يخشى ألاّ يكون الله راضيًا عنه، ويخشى أن يكون في عمله رياء، يخشى أن يكون في قلبه نفاق، يخشى أن تخونه عينه، وأن ينطلق لسانُه في غضب الله، وأن يكون هذا العمل لغير الله، وأن يرجو غير الله، وأن يخاف من غير الله، فالطالبُ في أثناء العمل الدراسي وهو طموح، ويعلِّق أهمية كبرى على نجاحه، يرجو أن ينجح، ولكنه يخاف ألاَّ يُجمِّع معدلَ الطب، فهو قلق، فيطمئنه أهله، وجيرانه، وأصدقاؤه، ومع ذلك يقول: الأسئلة صعبة هذه السنة، وسوف يرفعون المعدلات، وأخاف ألاّ أدخل كليةَ الطب، فالمجتهد يقلق، أما الكسول فيجد طمأنينة بلهاءَ.

المؤمن يقلق أما المنافق فمطمئن طمأنينة بلهاء :

 المؤمن يقلق، أما المنافق فمطمئن طمأنينة بلهاء، معها غباء، لذلك لا يجتمع على عبد أمْنَانِ ولا خوفان، إن أمِنَني في الدنيا أخَفْتُه يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، والكافر كما قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾

[ سورة الانشقاق: 13]

 كان مسروراً، يضحك ملء فمه، يتمطى، أما المؤمن فقال تعالى:

﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾

[ سورة الانشقاق: 9]

 تخاف ألاّ تكون في مستوى ما تقول، هذا حزن، تخاف أن يكون قولك أرقى من عملك، وهذا شيء مخيف، تخاف أن يسعدَ الناسُ بدعوتك وتشقى بها، تخاف أن يكون أحدٌ أسعدَ منك، وعِلمُك كان لغير الله، تخاف أن تكون عبرة لأحد من خلق الله، تخاف أن تقول قولاً ظاهرُه فيه رضى الله عز وجل، لكنك تلتمس به رضى أحد سوى الله عز وجل، وتخاف أن تتزين للناس بما يشينك عند الله، فهذا هو القلق، وإذا لم يكن للإنسان قلق من هذا المستوى فهو إنسانٌ جاهل، وإذا كان الطالب خارج المدرسة من أبناء الأزِقة، فهل هذا يقلق على وظيفة؟ أو على واجب مدرسي؟ أو على امتحان؟ أو على مذاكرة؟ أو على دوام مدرسي؟ أو من استدعاء وليّ؟ لا أحَدَ يحاسبه، فهذا مطمئن، لكنها طمأنينة بلهاء، وطمأنينة الجُهلاء، لكن العالم لا يطمئن.

القلق من عقاب الله عز وجل قلق مقدس :

 ذات مرة قلت لكم: لو أن إنساناً وجد شقًّاً أساسيًا بجسر أساسي في بنائه، فقد يعرضه على دهَّان، يقول له الدهَّان: هذا يحتاج إلى معجون وسوف أصلِحه لك إن شاء الله، ويتوارى الشقُّ، لكن قد يعرضه على مهندس، ويقول له: هذا البناء خطر، يحتاج إلى إخلائِه فوراً، فبين أن يصلحه له الدهَّان وبين الإخلاء مسافة كبيرة وشاسعة، وهي كالمسافة بين العلم والجهل تماماً، فبقدر علمك تخشى الله، بقدر علمك عن الله تخافه، بقدر ما تعرف عن الآخرة ترجوها، بقدر ما تعرف عن النار تتقيها، بقدر ما تعرف عن كرم الله تطمع بكرمه، بقدر ما تعرف عن عقاب الله تخاف عقابه، فهذا القلق هو القلق المقدس، إنسان يعيش على هامش الحياة لا يدري لماذا خلق، ولماذا جاء إلى الدنيا، وما جوهر الحياة وما المصير.
 هذا هو الحزن المقدَّس، عندما النبي الكريم قال:" الحزانى في كنف الله"، هذا هو الحزن حقًّاً.
 إذا وجد الأب ابنه غيرَ مستقيم، والابن لا يبالي ويضحك ملء فمه، والأب أعرض عنه، وهو لا يزال يضحك، ولا يزال مستهتراً، ألا يتألم الأب من هذا الابن؟ وإذا رأى الابن أباه معرضاً عنه، فقَلِقَ أشد القلق، فقلقُه دليلُ محبةِ الابن أباه، وحِرصُ الابنِ على إرضاء أبيه يجعله يقلق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله يحب كل قلب حزين ))

[الحاكم عن أبي الدرداء]

 والحزانى معرضون للرحمة، فعليه أن يكون حزيناً منكسراً مطرقاً صامتاً، يظهر أثر الخشية على هيئته، ومظهره، وسيرته، وحركته، وسكونه، ونطقه، وسكوته، أما أهل الدنيا فماذا يفعلون؟ يتهافتون على الكلام، ويتشدقون بألفاظ، ويستغرقون في الضحك، ويفعلون أعمالاً تدلُّ على بطرهم، واستهزائهم، وطمأنينتهم البلهاء.

أنواع العلم :

 لذلك قال الإمام التستري: "العلم الذي لا يورث خشيةً هو نوع من الجهل "، أيضاً قال الإمام نفسه: " العلم على ثلاثة أنواع علم بالله، وعلم بأمر الله، وعلم بخلق الله "، فالمختص بالفيزياء والكيمياء، والرياضيات، والفلك، والطب، والهندسة، والجيولوجيا، وعلم طبقات الأرض، وعلم المستحاثات، وميكانيك التربة، والفيزياء النووية، والكيمياء العضوية، والكيمياء التطبيقية، والرياضيات البحتة، والرياضيات الحديثة، هذه علوم بمخلوقات الله بَرَعَ فيها الغربيون إلى حدّ كبير، ويظن الناس أن كلمة العلم تعني هذا، لا، بل هذه صنعة من صنعات الحياة، أما العلم بأمر الله أن تعرف الحلال والحرام، وأبواب الفقه، والعبادات، والطهارة، وأنواع المياه، وأن تعرف أحكام الصلاة، وفروضها، وشروطها، وسننها، ومكروهاتها، وأن تعرف الصيام والحج والزكاة، وأن تعرف علم الفرائض والمواريث والتركات، وبحث البيوع، وبحث العقد، والوديعة، وأبواب الفقه معروفة عندك، عبادات، ومعاملات، وحدود، وأحوال شخصية، وهناك علم الأديان، علم الفقه المقارن، أصول الأديان، الفقه وأصوله، المذاهب الإسلامية، والفرق الإسلامية، ادخل إلى كلية الشريعة تجد موادَّ وكتبًا ومؤلفات ومجلدات تحوي تلك العلوم كلها، هذا علم بأمر الله، أما العلم الشريف فهو العلم بالله عز وجل، أن تعرف الله، فإذا جمعت بين معرفة الله ومعرفة أمره فقد جمعتَ أصول المجد من طرفيه، أن تعرف أمر الله، وأن تعرف الله.

معرفة أمر الله تحتاج إلى فكر نيِّر وذكاء :

 لكن معرفة أمر الله تحتاج إلى فكر نيِّر، وذكاء، وإلى مراجع، وكتب، ودراسة، وملخصات، هذا العلم بأمر الله، والعلم بمخلوقات الله كذلك ، أما العلم بالله فلا يحتاج إلى شيء من هذا القبيل، يحتاج إلى مجاهدة، الإمام الغزالي يقول: " جاهد تشاهد "، أي العلم بالله لا يحتاج إلى مجلدات، يحتاج إلى غض بصر، العلم بالله يحتاج إلى عمل صالح، وحلم، و بر الوالدين، وضبط النفس، فإذا ضبطت نفسك، وبذلت من وقتك، ومن مالك، ومن جهدك، ومن خبرتك، وقدَّمتَه لله خالصاً، تجلَّى الله على قلبك فسعدتَ بقربه، فعرفتَ عن ذاته ما لم يعرف علماء الأرض، علماء الظاهر، قال تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 282]

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن: 11]

 إذًا هذا هو العلم بالله.

الخشية علامة العلم بالله :

 لذلك الإمام الغزالي يقول:" حيثما وردت كلمة العلم في الكتاب والسنة فإنما تعني العلم بالله "، هذا المفروض، لكن ما أكثر المتعلمين، بعض الدول تقول لك: المتعلمون عندها مئة بالمئة، وبعض الدول يقولون: نسبة المتعلمين عندهم عالية، الآن صار العلم شائعًا، فمن الذي بقي جاهلاً؟ قلة قليلة، لكن ليس هذا العلم هو المقصود، فمع هذا العلم هناك الفسق، والفجور، والزنا، والخمر، والانحراف، والربا، ومع هذه الثقافة الرفيعة والشهادات الجامعية العليا هناك الغش، والدجل، والمحاباة، والتدليس، حتى في المهن الراقية، فالطبيب مثلاً يكتب لك لإجراء تحليلين زيادة ولست بحاجةٍ إليهما، وذلك بالاتفاق مع المحلل في مناصفةً الأجر، فالطبيب كيف فعل هذا؟ والمحامي يعلم علم اليقين، وبعضهم ممن لا يخاف الله عز وجل، وبعضهم الآخر مِمَّن يخاف الله، ولهم عند الله مكانة عالية، لكن بعضهم مقتنع قناعة تامة أن هذه الدعوة لن تربح، وأن كل الاجتهادات لا تؤيِّدها محكمةُ النقض، ومع ذلك يقول لك: أنا أُربِحُها لك، وادفع لي دفعة مقدمة خمسة آلاف، والباقي عند انتهاء القضية، وتبقى في القضاء عدة سنوات، ثم يقول هذا المحامي مفترياً على القاضي النزيه: لقد ارتشى من خصمي، وقد نبهتك كثيراً، إلا أنه قد أخذ عشرة آلاف، وحلّ مشكلاته الشخصية، ووضعك في توتر نفسي سنوات عديدة، فهذا مثقف ودرس القانون، والأحوال الشخصية، ودرس أصول المحاكمات، ودرس أحوالَ القضاء، والعدالة، حتى إنه درَسَ سيرة سيدنا عمر، فهذا علمٌ بأمر الله لا يقدم ولا يؤخر، لكن العلم بالله هو الذي يجدي، وعلامة العلم بالله الخشية، لذلك:

(( عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ ))

[الدارمي عَنْ مَسْرُوقٍ]

 وإليكم مثل بسيط، إنسان يحمل دكتوراه في هندسة الميكانيك، وإنسان لا يقرأ ولا يكتب، فالذي لا يقرأ ولا يكتب عندما تألَّق الضوء الأحمر في سيارته توقف، وقال: هناك نقص في الزيت، والذي يحمل دكتوراه في الميكانيك تابع مسيره، فأحرق المحرِّك، وهذا الذي لا يقرأ ولا يكتب وقف في الوقت المناسب، فأيُّهما العالم؟ هذا الجاهل في نظر الناس هو العالم.

من خشي الله عز وجل واستقام على أمره وعمل للآخرة فقد نجا :

 أمّا على مستوى الآخرة فهذا الذي لم يتعلم أصول الفقه، ولا أحكام التجويد، ولم يتعلم أحكام البيوع، لكنه خشي الله عز وجل، واستقام على أمره، وعمل للآخرة، هذا الذي نجَا، والذي تعلَّم علم الثقلين، ولم يعمل بعلمه فهو الذي هلك، لذلك تعلموا ما شئتم فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم، سيدنا عمر قال: " تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، وليتواضع لكم من يتعلم منكم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء"، وقد مرَّ معنا في درس سابق قوله تعالى:

﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾

[سورة الضحى: 10]

 بعض المفسرين وَّجه الآية توجيهاً آخر، فقال: هذا الذي يسأل العالم لا ينبغي للعالم أن يترفع عن الإجابة، فإجابة العالم للمتعلم فرض، فلا تنهره، ولا تقل له: ليس عندي وقت، أو هذا السؤال سخيف، أجبه بتواضع، ويقال: ما آتى الله عبداً علماً إلا آتاه الله معه حلماً وتواضعاً وحسن خلق ورقة، وإذا أردت أن تعرف إنْ كان هذا علمُك من الله عز وجل، فإنّ معه حلماً وتواضعاً وحسن خلق ورقّة، فإذا كان معه كبر وشعور بالعلو وعجرفة فهذا العلم من الكتب.

أرقى عطاء لله عز وجل أن تكون عالماً و أديباً :

 ورد في الأثر: "من آتاه الله علماً، وزهداً، وتواضعاً، وحسن خلق فهو إمام المتقين"، هناك حديث - سبحان الله - كنت أقرؤه كثيراً، ومرةً ذكرته في خطبة، وكنت أغفل عن شقه الثاني، يقول عليه الصلاة والسلام:

((ما استرذل اللهُ عبداً إلا حظر عنه العلم والأدب ))

[ ابن النجار عن أبي هريرة]

 ومعنى استرذله أيْ رآه رذيلاً، سخيفاً، شهوانياً، دنيوياً، ذا أفق ضيق، يعيش لوقته، وهمومه دنيوية، وطموحاته أرضية، وميوله شهوانية، فإن رآه كذلك حَظَر عليه العلم والأدب، أحيانًا يضيق الوالد ذرعاً بابنه فيقول له: المدرسة ليست لك، هذه لغيرك، أنت للطريق، كنت أقف عند كلمة العلم، إلا حظر عليه العلم وأتابع دون أنْ ألتفت لكلمة الأدب، لكني مرة وقفتُ عند الكلمة الثانية العلم والأدب، معنى هذا أن أرقى عطاء لله عز وجل أن تكون عالماً وأن تكون أديباً، وقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد:

((عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قُلْتُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ قَالَتْ لا تَفْعَلْ أَمَا تَقْرَأُ ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ))

[أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ]

 سئلت مرة ثانية عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألا تقرؤون قوله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون:1-8]

 هذه أخلاق النبي الكريم، فلا يقلُّ الأدبُ عن العلم، بل يزيد عليه.

الأدبُ لا يقل عن العلم بل يزيد عليه :

 يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك، أربعة أخماس الدين أدب، سيدنا زيد الخير، اللهم صلِّ على سيدنا محمد قال عن زيد هذا: ما وصف لي رجل إلا رأيته دون ما وصف، أحيانًا يقول لك رجل: المكان الفلاني رائع، فتذهب إليه فتجده عاديًا ودون الوسط، لكنه قال لك: مكان جميل ساحر، ثم تراه دون الوسط، فالنبي الكريم قال: "ما وصف لي رجل إلا رأيته دون ما وصف إلا زيد الخير"، زيد الخير سيد قومه، بلغه نبأ بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فجمع وجهاء القوم، ووفد إلى النبي الكريم، فدخل المسجد في أثناء الخطبة، والنبيُّ الكريم فَطِنَ وقد رأى أنه دخل أناس جدد، فقال: أنا خير لكم من اللات والعزى، أنا خير لكم مما تعبدون من دون الله، أنا خير لكم من الجمل الأسود، وهو من أرقى أنواع الأموال مثل الدولار، وبعدما انتهت الخطبة، سأله النبي الكريم: مَن الرجل؟ فقال: أنا زيد الخيل، فقال له: بل أنت زيد الخير، لله درُّك، ثم انطلق به إلى البيت، ولم يمض على إسلامه عشر دقائق حتى قال له: ما وُصِف لي رجل إلا دون ما وصف إلا أنت يا زيد الخير، وفي البيت دَفَع له وسادة، فماذا قال سيدنا زيد الخير؟ قال: والله لا أتكئ في حضرتك يا رسول الله، هذا هو الأدب، الدين كله أدب، كان صلى الله عليه وسلم يُقرَع بابه بالأظافر، وهذا الذي رفع صوته فوق صوت النبي نزلت في حقه آية، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة الحجرات:2]

 هذه لوحة خضراء معلَّقة على الحجرة الشريفة النبوية في الحرم المدني، كُتِبَ عليها " أن تحبط أعمالكم "، فلان عمَّر مسجدًا، فإذا وقفَ موقفاً ليس فيه أدب مع رسول الله حبط عملُه.

من آتاه الله علماً وزهداً وحسن خلق فهو إمام المتقين :

 أنا أقرأ في بعض كتب الفقه، أنّ الإنسان إذا رمى المصحف يُعدُّ مرتداً، وتطلق منه زوجته، ويؤخذ ماله، فهو كتاب خالق الكون، حتى إذا كان الإنسان له أخ اسمه يحيى، وقال له: يا يحيى خذ الكتاب، ففي هذا إثم كبير، أَمِنْ أجل هذا أنزلت هذه الآية؟ من أجل أن تستخدمها مع أخيك يحيى، وتعطيه كتاب رياضيات، هذا استخفاف بكلام الله، فمن آتاه الله علماً، وزهداً، وحسن خلق، فهو إمام المتقين، ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن من خيار أمتي قوماً يضحكون جهراً من سعة رحمة الله، ويبكون سراً من خوف عذابه، أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء، أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة يتمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة))

[الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عياض]

 ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( قيل: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: اجتناب المحارم، ولا يزال فوك رطباً من ذكر الله، قيل فأي الأصحاب خير؟ قال صلى الله عليه وسلم: صاحب إن ذكرت الله أعانك - تقول لشخص: ادخل لنصلي، فيقول: نعم، جزاك الله خيرًا، بينما تقول لآخر: ادخل لنصلي، فيقول: لدينا متَّسعٌ من الوقت، نؤجِّلها - وإن نسيته ذكّرك، قيل: فأي الأصحاب شر؟ قال: صاحب إن نسيت لم يذكرك، وإن ذكرت لم يعنك، قيل: فأي الناس أعلم؟ قال: أشدهم لله خشية))

[سفيان عن مالك بن معول]

 أنتَ إزاء اثنين يسيران في الطريق، الأول يحمل دكتوراه، والآخر يحمل لسانس، هذا يغض بصره، في حين أنّ الأول ينظر ويحملق، فأيُّهما أعلم؟ هذا مقياس رسول الله.

(( قيل فأخبرنا بخيارنا نجالسهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: الذين إذا رُؤوا ذكر الله بهم))

[سفيان عن مالك بن معول]

 إن رأيته ذكرتَ الله، تسمعه يقول: والله يجب أن أثابر على الحضور إلى المسجد، أو يقول: يجب أن أتوب إلى الله، أنت َلمْحَته في الطريق ولم تسلم عليه لعجلتك، لكن نويت أن تتوب إلى الله مِن بعد أنْ رأيته بتلك النظرة الخاطئة.

((قيل فأي الناس شر؟ فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا: أخبرنا، قال: العلماء إذا فسدوا..))


 لأنهم قدوة يوقعون الناس في حيرة كبيرة، ويختل توازن الإنسان إذا رآهم، لماذا يفعل هذا؟ يشك في قدسية الدين، يشك في جدوى الدين وثمرته، هذا هو الدين.
 وقال ابن عمر رضي الله عنهما:" لقد عشنا برهة من الدهر وإنّ أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن - إن أوتيت الإيمان قبل القرآن فهمت القرآن وعملت به - وسيأتي بعدكم أقوام يؤتون القرآن قبل الإيمان، يقيمون حروفه ويضيعون حدوده ".
 حروفه مئة بالمئة، مخارج الكلمات مئة بالمئة، صفات الحروف مئة بالمئة، أما حدوده فوسط، أو لا يطبق مما علِم شيئًا.
 "....يقيمون حروفه ويضيعون حدوده وحقوقه، يقولون: قرأنا فمن أقرأ منا؟ وعلمنا فمن أعلم منا؟ فذلك حظُّهم".

 

علامات علماء الآخرة :

 

1 ـ خشية الله عز وجل :

 آخر فقرة من الدرس: خمسٌ من الأخلاق، هي من علامات علماء الآخرة، مفهومة من خمس آيات من كتاب الله عز وجل، واللهُ عز وجل سيعرفنا إلى الدعاة الصادقين من خمس آيات، أول آية، قال تعالى:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾

[ سورة فاطر:28]

 فإذا رأيت إنساناً يخشى الله فهو عالم، قد يقول: أنا محتار، فكلُّهم يدَّعي العلم، لا تحتَرْ، فالذي يخشى الله هو العالم.

2 ـ الخشوع :

 الصفة الثانية الخشوع، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 199 ]

 الخشية والخشوع.

3 ـ التواضع :

 الصفة الثالثة: التواضع، قال تعالى:

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الحجر : 88 ]

 فإذا كان النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق أُمِرَ أن يخفض جناحه للمؤمنين، فمن أنت حتى تتكبر عليهم؟ إنّ علامة العالم الصادق تواضعُه لمَن يعلم:

((عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ يَا أَخِي لَا تَنْسَنَا مِنْ دُعَائِكَ، وَقَالَ بَعْدُ فِي الْمَدِينَةِ يَا أَخِي أَشْرِكْنَا فِي دُعَائِكَ فَقَالَ عُمَرُ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِقَوْلِهِ يَا أَخِي))

[أحمد عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل هذا الكلام تواضع منه صلى الله عليه وسلم؟ لا بل هو حقيقة.

4 ـ حسن الخلق :

 الصفة الرابعة: حسن الخلق، أنْ يوجد في قلبك رحمة، ولين، أو لا رحمة ولين، بل عندك قسوة، فعالم قاسٍ لا وجود له، دخلت المسجدَ فرأيت طفلاً لا يعرف كيف يصلي، فلا تنهره، بل شجِّعه، وعلِّمه، وارفق به، فإذا كان لديك قسوة فليس لديك علم، الخشية، والخشوع، وحسن الخلق، والتواضع.

5 ـ الزهد :

 وآخر شيء الزهد، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 80 ]

 ازهدوا في الدنيا، فالعالم زاهد وخاشع، يخشى الله، متواضع، وحسن الخلق، فإن توافرت هذه الصفات الخمسة في إنسان فتابِعْه وسِرْ معه، فلعل الله عز وجل يرحمك به.

 

* * *

قصة النبي الكريم مع سفانة بنت حاتم الطائي :

 والآن إلى قصتين، الأولى منهما جرت مع النبي عليه الصلاة والسلام، والثانية جرتْ في عصر لاحق، وجَّه النبي عليه الصلاة والسلام إلى قبيلة طيِّئ فريقًا من جنده يقدُمُهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ففزع عديُّ بن حاتم، وكان من أشد الناس عداءً لرسول الله ففرَّ إلى الشام، فصبَّح عليٌّ القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله، فلما عرضت عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم الطائي، فقالت وكانت ذكية: يا رسول الله، لم تقل يا محمد وهي لم تسلم بعد: هلك الوالد وغاب الوافد، قال: من الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله؟ قالت: فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فامنن عليّ مَنَّ الله عليك، فالنبي الكريم ما استجاب إليها أول الأمر، وفي اليوم الثاني حينما مرّ بالأسرى وقفت وقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن علي مَّن الله عليك قال: من الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله؟ ثم تابع مسيره، وفي المرة الثالثة لم تقف لأنها يئست، والنبي الكريم حريص على إطلاق سراحها، فأشار إلى سيدنا علي أن يدعها وأن تسأله مرةً ثالثة، فلما سألته قالت: يا رسول إن أبي كان سيد قومه، يفكُّ العاني- أي الأسير- ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذِّمار، ويفرِّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكلَّ- الفقير- ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجةٍ فردَّه خائباً، أنا بنت حاتم طيِّئ، هذه أخلاق الجاهلية، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً- ولكن أبوها لم يكن مؤمناً- ولو كان أبوك مسلماً لترَحمَّنا عليه، فماذا فهم؟ الإنسان قد يكون ذكيًّاً، وقد يفك العاني، ويحمل الكلَّ ابتغاء السمعة، فلا يمكن أن تعدَّ هذه الأعمال صالحةً إلا إذا بُنيتْ على إيمان بالله، يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً، خلوا عنها فإن أباها كان يحبُّ مكارم الأخلاق.
 النبي الكريم له كلمة مؤثِّرة: " ارحموا عزيز قوم ذل، وغنيًّا افتقر، وعالمًا ضاع بين الجهال".
 وامتن عليها وعلى قومها جميعهم فأطلقهم تكريماً لها، فهذه سفانة استأذنته في الدعاء وقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمةً عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها.
 فلما أطلقها رجعتْ إلى أخيها عدي بن حاتم وهو بدومة الجندل فقالت له: يا أخي ائتِ هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله، فإني قد رأيت هدياً ورأياً سيغلب أهل الغلبة، ورأيت خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإنْ يكن نبياً فالسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلم تزل في عز ملكه.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ قَالَ أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإسْلامِ إِذَا فَقُهُوا))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

قصة معن بن زائدة و هروبه من المنصور :

 وأمّا القصة الثانية فإنّي أضعها بين أيديكم وأتلوها على مسامعكم، قال معن بن زائدة: لما هربت من المنصور وخرجت من باب حرب، وهذا في بغداد، ففيها باب اسمه باب حرب، بعد أن أقمت في الشمس أياماً - بعد أن حَرَقَ وجهه ليغيِّر معالمه - إذْ كان المنصور قد أهدر دم معن بن زائدة، فماذا فعل؟ قال: أقمتُ في الشمس أياماً، وخففت لحيتي وعارضي، ولبست جبة صوف غليظة، وركبت جملاً، وكان مِن قَبلُ يركب فرسًا، وخرجت على هذا الجمل لأمضي إلى البادية، فتبعني رجل متقلد سيفه، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خصام الجمل فأناخه وقبض علي، فقلت ما شأنك؟ قال: أنت بغية أمير المؤمنين، فقلت له: ومن أنا حتى يطلبني؟ قال له: أنت معن بن زائدة، فقلت له: يا هذا اتقِ الله، وأين أنا من معن؟ قال: دع عنك هذا، أنا والله أَعْرَفُ بك، قلت له: فإنْ كانت القصة كما تقول فهذه جوهرة حملتها معي ثمنها أضعاف ما بذل المنصور لمن جاءه بي، وقد وضع المنصور مكافأة ألف دينار، وهذه ثمنها مئة ألف دينار، فخذها ولا تسفك دمي، فقال هذا الرجل المتقلد السيف: هاتها، فأخرجتها إليه، فنظر إليها ساعة وقلبها، ثم قال: صدقْتَ في قيمتها، ولست قابلها منك حتى أسألك عن شيء، فإنْ صدقتني أطلقتك، قلت: قل، قال: إن الناس يصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت كل مالك مرةً؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، قال: فاستحييت، هو لم يعطِ العشر، فقال له: نعم، وقلت: أظن أني فعلت هذا، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا والله راجل ولا يوجد عندي فرس أركبها، ورزقي من أبي جعفر عشرون درهماً، وهذه الجوهرة قيمتها مئة ألف، وقد وهبتها لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك، أنت مالك ما دفعته كله ولا نصفه ولا ربعه ولا ثلثه ولا عشره، أما أنا فراجل لا أملك فرسًا أركبها، وراتبي عشرون درهماً، وهذه الجوهرة ثمنها مئة ألف، ومع ذلك وهبتها لك، فلا تعجبك نفسك، ولا تحتقرن أحداً بعد اليوم، ولا تتوقف عند مكرمة، ثم رمى بالجوهرة وخلّى خطامَ الجمل، وقال له: اذهب.
 فقلت: يا هذا لقد فضحتني، والله الذي لا إله إلا هو لسفكُ دمي أهونُ عليّ ممّا فعلت، وكان أجود العرب، فضحك ثم قال: أردتَ أنْ تكذبني في مقامي هذا، فو الله لا أخذها، ولا آخذ لمعروف ثمناً، هكذا كان أجدادنا، الآن يقول لك: ماذا لنا على هذه الخدمة؟ يريد ثمنًا لمساعدتك إذا طلبتَ منه المساعدة، فو الله لا آخذها ولا آخذ لمعروف ثمناً، قال: فوالله لقد طلبته بعد إذ أمنتُ، وبذلتُ لمن يجيئني به ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض قد ابتلعته، هكذا كان أجدادنا في الجاهلية مثل حاتم طيِّئ، وهكذا كان أجدادنا في العصور المتأخرة، فأين نحن من هؤلاء؟

من كان يرجو الله و اليوم الآخر فالنبي الكريم أسوة له :

 وهذه كلمة موجزة حول آية قرآنية، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 أما واقع الناس فهو غير ذلك، ليس لهم برسول الله أسوة حسنة، ولهم بزيد أو عبيد من أرباب الدنيا من أصحاب المال، ولهم بالغرب أسوة حسنة يقلِّدون الغربيين في عاداتهم ومأكلهم ومشربهم، فلمن هذه الآية:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 فإن كنت يا أخي الكريم ترجو الله واليوم الآخر وذكرتَ الله كثيراً تَرَ أن النبي عليه الصلاة والسلام بسنّته المطهرة وسيرته العطرة أسوةً لك في الدنيا، وإن كانت الدنيا أكبر هم بعض الناس، وصار الناس الكبراء أصحاب المال والجاه والسلطان والقوة هم أسوتهم السيئة، فهذا بوارٌ وخسار، ولكي يكون النبيُّ أسوة حسنة لنا يجب أن يرجو أحدنا اللهَ واليوم الآخر، فإذا رجا الدنيا انقلب كبراء الدنيا أسوة له في دنياه.
 والقرآن الكريم قراءته سهلة، ولكن أن تقف عند آياته، وتعقلها، وأن تقف عند حدودها، وأن تعرف أين أنت منها، وماذا فعلت حتى وصلت، فهذا يحتاج إلى جهد، وهذا كلام الله سبحانه وتعالى، ونرجو أن يكون النبي أسوة حسنة لنا، قال عليه الصلاة والسلام:

(( طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوِه البدعة))

[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]