الدرس : 2 - عقد المزايدة.

1997-05-04

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

عقد المزايدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بدأنا في الدرس الماضي الحديث عن بعض قرارات مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن المؤتمر الإسلامي ، ورأينا كيف أن بعض هذه القرارات تلبي حاجات العصر ، وسأتابع في هذا الدرس عرض بعض قرارات مجمع الفقه الإسلامي ، القرار رقم سبعة وسبعين بشأن عقد المزايدة . عقد المزايدة مشروع في الإسلام ، وقد مرّ بكم من قبل أن الرسول عليه الصلاة والسلام :

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ : أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ ؟ قَالَ : بَلَى ، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ ))

 الحلس بساط والقعب إناء .

(( قَالَ : ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ ؟ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ : مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

 الحقيقة هذه الحادثة التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لها دلالات كثيرة ؛ أحدها أن الإنسان لا يستطيع أن يبدع في عمله إلا إذا كان مطمئناً على أهله ، فلما أمر النبي هذا الرجل أن يشتري طعاماً بدرهم ، وأن ينبذه إلى أهله ليكون مطمئناً عليهم ، وأمره بأن يحتطب ، والاحتطاب خير له من أن يسأل الناس .
 طبعاً هذه القصة لها زوايا عديدة ؛ أحد زواياها أنه يجوز بيع المزايدة ، فالقرار عقد المزايدة عقد معاوضة صحيح ، يعتمد دعوة الراغبين نداءً أو كتابةً ، يصح أن تعلن عن عقد مزايدة في الصحف ، ويصح أن تعلن عنها بالإذاعة ، ويصح أن تعلن عنها بالنداء الشخصي ، كما يجري في بعض الأسواق ، نداءً أو كتابةً للمشاركة في المزاد ، ويتم هذا عند رضا البائع ، أي إذا استقر السعر ورضي به البائع لزم البيع . طبعاً يوجد عندنا مزايدات اختيارية بين الأفراد ، ويوجد عندنا مزايدات إجبارية يوجبها القضاء ، أي لو فرضنا إنساناً غارماً عليه دين ، يباع بيته بالمزاد العلني ، هذا بيع إجباري لا اختيار فيه لصاحب البيت ، قد يكون المزاد اختيارياً ، وقد يكون إجبارياً .

 

عدم تعارض عقود المزايدات مع أحكام الشريعة :

 الإجراءات المتبعة في عقود المزايدات من تحرير كتابي وتنظيم وضوابط ، هذه يجب ألا تتعارض مع أحكام الشريعة .
 الآن يوجد نقطة دقيقة ؛ أحياناً نقول : هذا الشيء حلال في أصله ، أما لو تحركنا خلاله بغير منهج الله صار حراماً ، مثلاً الفندق خدمة مشروعة ، أما إذا كان الفندق فيه خمور ، وموبقات ، ومعاصي ، وآثام ، فهذا الفندق على الرغم من أن أصله مشروع إلا أن طريقته في جلب الأشخاص ، وفي إقامة الحفلات ، وفي توزيع الخمور محرمة ، هذا يقودنا إلى شيء ؛ هناك شيء محرم لذاته ، وهناك شيء محرم لغيره ، فلحم الخنزير محرم لذاته ، أما أن تأكل في مطعم دون أن تدفع الثمن فهذا محرم لكن لا لأصل الطعام في مطعم بل لأنك لم تدفع الثمن ، فعقد المزايدات إذا كانت التحارير والتنظيمات والشروط والضوابط الإدارية والقانونية لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية كان هذا حلالاً ، لكن ما الذي يحصل أحياناً وهذا من روح العصر ؟ أرض يشترك في ملكيتها مئة شخص ، من أجل أن تنشئ عليها عقاراً لابد من أن يوافق الجميع ، وشبه مستحيل أن يوافق الجميع ، إذاً هناك دعوى اسمها : إزالة شيوع ، هذه مشروعة في أصل الشريعة ، لو فرضنا إنساناً يملك واحداً من الألف يمنع مصلحة لألف شخص ، لو أننا أردنا الرضا التام دون دعوى إزالة شيوع مستحيل إنشاء بناء ، فهناك دعوى اسمها دعوى إزالة شيوع ، أي يعرض هذا المحضر في المزاد العلني كما هو مشروع ، أين الحرمة ؟ أن يجرى مزاد تمثيلي ، قد يملك هذا المحضر أيتام ، وصغار ، وأرامل ، وفقراء ، فإذا أجري مزاد تمثيلي أي انطرح بعشرة ملايين ، إنسان رفع مئة ألف ، الثاني رفع خمسين ألفاً ، لأن كل هؤلاء المزاودين فريق عمل واحد ، شركاء ، فتجد أن السعر يستقر على رقم أقل بكثير من ثمن المحضر ، ويظن صاحب المشروع أنه حقق ربحاً كثيراً لكنه أكل مالاً حراماً .
 فلذلك المزاودة في أصلها صحيحة إلا إذا خرجت عن أصلها الصحيح إلى شكل تمثيلي من شأنه أن يبخس الناس حقهم ، هذه مزاودة عندئذ لا نقول : باطلة أو محرمة لأن أصل المزاودة محرم ، بل لأن ممارستها لم تكن صحيحة .

 

طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزاودة جائز شرعاً :

 يوجد شيء آخر في المزاودة ؛ طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزاودة جائز شرعاً ، أي عندما نعرض أرضاً للبيع مزاودةً من دون ضمان ، من دون اشتراك بمال ، يتقدم خمسة آلاف شخص ، وهؤلاء المتقدمون لا يملكون شيئاً ، أما حينما نضع رقماً كشرط لدخول المزايدة من يتقدم ؟ الجادون في هذا الأمر .
 مثل منتزع من حياتنا الثقافية ، قديماً كان أي إنسان قدم طلباً لتقديم فحص شهادة إعدادية أو ثانوية ، مقبول طلبه ، ما الذي يحصل ؟ عندنا مئتا ألف طلب ، لابد من تهيئة أماكن لهؤلاء جميعاً ، ومقاعد ، وأوراق امتحان ، وأوراق أسئلة ، ومراقبين ، ثم نفاجأ أن خمسين ألفاً لم يتقدموا ، غير جادين ، أربكوا الوزارة ، وأربكوا المسؤولين ، وأهدرنا الوقت ، والمال ، والفراغ ، لذلك لابد من رسم تسجيل ، لماذا هذا الرسم ؟ كي تكون جاداً في تقديم الامتحان .
 ففرض مبلغٍ ضماناً لجدية الدخول في المزايدة هذا مشروع أصلاً ، إلا أن هذا المبلغ يرد لصاحبه إذا لم يرس المزاد عليه ، ليس من حق أحد من حق صاحبه ، أما لمن فاز بهذه المزايدة فيعد هذا المبلغ دفعةً أولى من الثمن ، هذا أيضاً مشروع ، إلا أن دفتر الشروط كما يقول المجمع ينبغي ألا يكون ثمنه أكبر من تكلفته ، لأنه ليس له وجه أبداً ، أحياناً يوضع رقم غير معقول ، دفتر شروط خمس أوراق بألفي ليرة ! عشرة آلاف ليرة ! لأنه يوجد ضمان ، فأن نأخذ من إنسان ثمن وريقات خمسة آلاف ليرة هذا ليس مشروعاً مع أن أصل المزايدة مشروع إلا أن هذا غير مشروع .

تحريم النجش :

 بالمناسبة كما قلت قبل قليل : النجش حرام ، ما هو النجش ؟ أن تزيد في ثمن السلعة وأنت لا تريد شراءها لتغري المشتري بشرائها ، يدخل أشخاص كما قلت قبل قليل أشخاص وهميون يزيدون في الثمن ليرفعوا من قيمة المشروع ، وهناك نوع من النجش أي إنسان ليس له علاقة بالشراء إطلاقاً ، يبدو إعجابه الشديد ودهشته ، أحياناً يقول رجل : سبحان الله ما هذه البضاعة ! هذا حرام ، إبداء الإعجاب الشديد لبضاعةٍ لا تريد شراءها كي تغري الآخرين بشرائها بثمن مرتفع هذا يجري في الأسواق ، يوجد أشخاص المحل التجاري بحسب زعمهم أنه يقدم خدمة للبائع ، فإذا عرض البائع بضاعة للشاري ، هذا الزائر يثني على هذه البضاعة ويبدي دهشته بنوعها ، وصنعتها ، وأناقتها ، وجمالها ، كي يغري هذا الشاري بهذا الشراء ، فالنجش حرام ، أن تزيد في ثمن سلعةٍ لا تريد شراءها ، أو أن تبدي إعجابك بسلعةٍ من أجل أن تمكن المشتري من دفع الثمن الباهظ ، هذا كله حرام قولاً واحداً .

 

عقد المزايدة مشروع في أصله بشرط أن نسلك فيه الطرق المشروعة :

 ويوجد شيء متبع في المزاودات أو في البيع والشراء ؛ يدّعي البائع أنه دفع له هذا المبلغ ، وقد يستخدم التدليس ، دفعوا فيه أكثر من هذا المبلغ ، أو دفع كذا ، ويقصد شيئاً آخر ، طبعاً الشاري أحياناً يكون بريئاً إذا علم أنه دفع هذا الثمن يطمئن ويشتري ، فأي كذب من صاحب السلعة ، أو الوكيل ، أو السمسار ، أي كذب لا يوجد دفع في ثمن هذا المبيع هذا الكذب يدخل في بيع النجش ، وبيع النجش حرام سواء في المديح ، أو في ادعاء دفع ثمن باهظ، أو في دفع ثمن وأنت لا تنوي شراء هذه السلعة ، هنا يوجد تعليق لطيف ، ومن الصور الحديثة للنجش المحظورة شرعاً اعتماد الوسائل السمعية والمرئية والمقروءة ، أي الإعلانات التي تذكر أوصافاً رفيعةً لا تمثل الحقيقة ، أو ترفع الثمن لتغري المشتري ، أو لتحمله على التعاقد ، أي الإعلان جائز ومحرم بآن واحد ، جائز الإعلان إذا كان الوصف مطابقاً للواقع ، أما محرم إذا كان في الإعلان تدليس أو مبالغة أو كذب ، أحياناً تعرض البضاعة عرضاً شيقاً جداً ، هذا العرض يمثل واقع البضاعة ، إذاً هذا كله متعلق بموضوع عقد المزايدة ، عقد المزايدة مشروع في أصله بشرط أن نسلك فيه الطرق المشروعة التي أجازها الشرع الحنيف .

 

بيع الوفاء :

 بيع آخر اسمه بيع الوفاء ، هذا شائع جداً في بعض المحافظات الشمالية في القطر ، شائع جداً ، أي نعطيك هذا البيت وتعطينا مليون ليرة لسنة ، وبعد سنة نعطيك المليون وتعطينا البيت ، الصورة بيع ، بعناك هذا البيت بمليون بشرط أن تعيد البيت بعد عام ، ونعيد لك المبلغ بعد عام ، قال : هذا البيع اسمه بيع الوفاء ، هو قرض جرّ نفعاً ، القرار سبعة وستين يقول هذا القرار : إن حقيقة هذا البيع هو قرض جرّ نفعاً فهو تحايل على الربا ، وبعدم صحته قال جمهور العلماء ، وكما قلت قبل قليل : مثل هذا البيع شائع جداً جداً ، وأنا أُسأل عنه كثيراً بعتك هذا البيت ، أو أجرتك هذا البيت ، سمّه بيعاً ، سمّه أجاراً ، سمّه وديعةً ، سمّه قرضاً مادام هناك انتفاع من قرض ، والحقيقة كما تعلمون أيها الأخوة الأمور بمقاصدها ، لو أنني قلت لك : بعتك هذا الكتاب بلا ثمن ، هذا اسمه عقد هبة مع أن النص بيع ، وأحياناً أصحاب المكتبات - سامحهم الله - إذا أرادوا أن يبيعوا مصحفاً يقولون : هذا وهبته بألفي ليرة لأنه لا يجوز أن نبيعه ، كلام فارغ ، قل ما شئت ، أعطيته المصحف وأخذت ألفي ليرة ، هذا بيع لو قلت : وهبتك هذا الكتاب ، وهبتك هذا المصحف بألفي ليرة هذا اسمه عقد بيع ، الأمور بمقاصدها ، فهذا البيع بيع الوفاء بيع محرم لأنه في حقيقته قرض جرّ نفعاً ، سمّه ما شئت ، سمّه بيع ، أجار ، ائتمان ، كل هذه الأسماء لا تقدم ولا تؤخر ، هذا بيع محرم لأنه قرض جرّ نفعاً ، وكل قرض جرّ نفعاً فهو ربا ، حتى الشيء المرهون إذا انتفعت به فهو ربا ، أبو حنيفة النعمان فيما يروى عنه أنه كان واقفاً في ظل بيت فتحول إلى الشمس فلما سئل ، قال : هذا البيت مرهون عندي وأنا أكره أن أنتفع بظله .

 

التداوي :

 يوجد موضوع دقيق جداً ؛ والله أنا أراه شائعاً بين المسلمين وهذا لجهلهم ولقصور فهمهم في أمور الدين ، هو العلاج الطبي ؛ طبعاً مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في جدة في عام ألف وتسعمئة واثنين وتسعين بعد استماعه إلى المناقشات التي دارت في هذا الموضوع موضوع العلاج الطبي قرر أولاً : التداوي ، يوجد أشخاص كثيرون يقول لك : سلم أمرك إلى الله، الله الشافي ، أحياناً تمرض زوجته يدّعي الورع ، أنا لا أسمح لطبيب أن يراها ، أعوذ بالله الله يشفيها ، هذا كلام غير شرعي ، هذا كلام غير مقبول شرعاً .
 القرار رقم 68 : الأصل في حكم التداوي أنه مشروع لما ورد في شأنه في القرآن الكريم والسنة القولية والعملية ، التداوي مشروع في القرآن وفي السنة ، لما فيه من حفظ النفس ، وحفظ النفس أحد المقاصد الكلية من التشريع ، يجب ألا يغيب عن أذهانكم أن حياة الإنسان ليست ملكاً له وحده إنها ملك أسرته ، وإنها ملك أقربائه المنتفعين به ، فإذا كان مؤمناً صادقاً إنها ملك المؤمنين ، فالعناية بالصحة من لوازم الإيمان ، فكل إنسان يهمل معالجة نفسه فقد وقع في مخالفةٍ للشريعة ، وكلكم يعلم أن للشريعة مقاصد خمسة ، حفظ الدين ، وحفظ النفس ، وحفظ العرض ، والعقل ، والمال ، ويوجد موضوع لطيف جداً وهذا من فقه الإنسان ؛ هذه المقاصد الخمسة مرتبة الدين أولاً ، النفس ثانياً ، العرض ثالثاً ، العقل ، المال ، دائماً وأبداً أنت مباح لك أن تخاطر ، وأن تضحي بالأدنى من أجل الأعلى ، أوضح مثل الجهاد في سبيل الله نضحي بحياتنا من أجل ديننا ، أو نضحي بمالنا من أجل عرضنا ، ورد عن رسول الله أن :

((ذبوا عن أعراضكم بأموالكم))

[ الخطيب عن أبي هريرة]

 وهذه المقاصد الخمسة ، الدين ، والنفس ، والعرض ، والعقل ، والمال ، كلها عليها حدود ، حدّ الردة ، وحدّ القتل ، وحدّ شرب الخمر ، وحدّ الزنا ، وحدّ السرقة ، كلها عليها حدود لأنها مقاصد كبرى للشريعة .
 هذه المقاصد الكبرى هي بالأصل ثلاثة مستويات ؛ ضرورات ، حاجيات ، محسنات ، أيضاً لك أن تضحي بالمحسنات من أجل الحاجيات ، وبالحاجيات من أجل الضرورات ، ولك أن تضحي بحكم شرعي وهو ستر العورة من أجل حفظ النفس ، الإنسان أحياناً يضطر أن يأخذ زوجته إلى طبيب ، وأن يرى بعض أعضائها، نحن خالفنا مبدأ ستر العورة لكن من أجل حفظ النفس ، كما يقول سيدنا عمر رضي الله عنه : " ليس بخيركم من عرف الخير ولا من عرف الشر ولكن من عرف الشريين وفرق بينهما واختار أهونهما ".
 هذه حقيقة دقيقة جداً أيها الأخوة ؛ لذلك نحن في موضوع التداوي ، التداوي يندرج تحت حفظ النفس ، تختلف أحكامه باختلاف الأحوال والأشخاص ، يكون بمستوى الفرض، بالمناسبة أيها الأخوة أنا أرى أن تقدم الطب تقدماً مذهلاً هذا من تكريم الإنسان ، لكرامة الإنسان على الله ، الله جل جلاله سمح للعلماء المتخصصين في شأن الصحة والطب أن يكتشفوا أشياء لم تكن من قبل ، أحياناً نستمع إلى إنجازات طبية مذهلة ، الآن وصلوا إلى إدخال قسطرة ضمن الشرايين ، تارةً يوسعون الشريان ببالون ، وتارةً براصور ، وتارةً يجرفون تجريفاً ، وتارةً تدخل حفارة إلى الشريان المسدود ، شيء يفوق حدّ الخيال ، قسطرة تدخل من الشريان الفخذي إلى القلب لتصل إلى الشريان التاجي إلى فروعه الصغيرة ، طبعاً أول شيء يصورونه أين الاختناقات ؟ تارةً يدخل آلة تحفر هذه المادة المتكلسة ، تارةً يوضع راصور في أدق الأماكن ، وكلها تجري عن طريق الشاشات ، التقدم العلمي هذا لكرامة الإنسان على الله .

 

معنويات المريض العالية جداً تقوي جهاز مناعته :

 أما الشيء اللطيف جداً أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

((ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن هذا الحديث الشريف إذا سمعه مريض امتلأ قلبه طمأنينةً ، الذي ذكرته يوم الجمعة في الخطبة وأعدته في الدرس شيء خطير جداً ، معنويات المريض العالية جداً هذه تقوي جهاز مناعته ، وجهاز مناعته من أبرع الأجهزة التي أبدعها الله عز وجل لتحقيق الشفاء الذاتي ، أي أنت حينما ترفع معنويات مريض ، تنفس له في الأجل ، تبشره برحمة الله ، هذا عملياً له تكتيك عضوي ، حينما ترفع معنوياته يقوى جهاز مناعته ، وحينما يقوى جهاز مناعته عناصر هذا الجهاز الكريات البيضاء تستطيع أن تكتشف شذوذ الخلية قبل أن تشذ ، هذا شيء اكتشف في أواخر السبعينات ، وسماه العلماء : الخلايا القاتلة بالفطرة ، أي أودع الله بهذه الخلايا شيئاً عجيباً ، الجرثوم عندما يتحرك تراه قد تحرك ، ولكن قبل أن يتحرك تشتم أنه سيتحرك فتقضي عليه ، هذا شيء مذهل بالجهاز المناعي بالكريات البيضاء ، قسم منها يكتشف الشذوذ قبل أن يقع فيقضي عليه ، وأجمل ما في الموضوع أن الطمأنينة ، والسكينة ، والرضا ، والحب يقويان هذا الجهاز ، وأن القلق ، والخوف ، والضغينة ، والحقد يضعفان هذا المرض ، والآن بدا جلياً أن هذا الجهاز جهاز المناعة مسؤول عن معظم الشفاء من الأمراض ، لذلك أخطر شيء أن المصابين بالإيدز احتمال إصابتهم بالسرطان تسعون بالمئة لأن أكبر مهمات هذا الجهاز ضبط نمو الخلايا ، فإذا ضعف هذا الجهاز نمت الخلايا نمواً عشوائياً .

 

اختلاف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص :

 إذاً تختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص ، يكون واجباً على الشخص ، لأنه إذا تركه يفضي إلى تلف نفسه ، والله لا أقول مبالغةً هناك أمراض خطيرة جداً سببها أن المريض أهمل نفسه في البدايات ، أي كل شيء في البدايات معالجته سهلة ، أنا أذكر مرة زارنا طبيب وقال لي : أنا أحمل بوردين وخرجت خمسين جيلاً من الأطباء من جامعة دمشق ، أستاذ قدير ومتقدم بالسن ، ويتمتع بحيوية ونشاط عجيبين ، ويبدو أنه صالح ولا أزكيه على الله ، قال لي : جاءتني مريضة معها ورم خبيث في صدرها إلى كتفها ، فلما رآها دهش أين كنت أيها الزوج ؟ قال لي : قرعت الزوج تقريعاً شديداً حتى إنني قلت له فيما بيني وبينه أنت مجرم في حقها ، قال لي : ولم ؟ قلت له : إن هذا المرض في بداياته سهل ، ومعالجته سهلة يوجد أشعة ، أدوية كيميائية قوية ، استئصال ، لكن في نهاياته يستشري هذا المرض ، فهذا الزوج قال له : أنا عند فلان أتعالج وسمّى اسم طبيب ناشئ ، نحن عنده منذ سنتين وما قال لنا سرطان ، قال : التهاب ، وهذه الأدوية ، نأخذ أدوية ضد الالتهاب ، فهمس في أذني هذا الطبيب وقال لي : والله أيها الأخ الكريم طالب طب سنة ثانية يعلم أن هذا ورم خبيث ، ولكن يبدو أن هذا الطبيب أراد أن يبتز المريض ، لأنه لو قال له : سرطان لتركه المريض ، يقول لي هذا الطبيب : حينما علم الزوج هذه الحقيقة وقع على الأرض واضطرب واختلج وقال : يا رب إن كنت موجوداً فانتقم منه ، وخفف عنه ، وبعد ستة أيام توفيت زوجته ، يقول هذا الأخ الدكتور الطبيب : بعد أحد عشر شهراً زارني شخص سمته حسن ، جلس في المقعد الذي جلس فيه زوج المريضة وقال له : أنا زميلك ، أنا فلان ومصاب بمرض خبيث في صدري ، هو نفسه الطبيب الذي عالج زوجة الرجل السابق .
 أنت جاهل في القانون لو زرت محامياً وقال لك : هذه الدعوى ناجحة مئة بالمئة تصدقه ، وقد تكون خاسرة مئة بالمئة ، إلى أن تعلم الحقيقة تكون قد دفعت له مئة ألف ، هؤلاء قلة ، ولكن أشهد الله أن هذا بين المؤمنين مستحيل ، مستحيل أخ كريم مؤمن يعمل في المحاماة يبتز أموال الناس ، مستحيل أخ كريم مؤمن يعمل في الطب أن يبتز أموال الناس ، لكن ممكن إذا إنسان متفلت ، عقيدته زائغة ، منهجه فيه خلل ، لا يخاف الله عز وجل قد يفعل ما يشاء .
 فقال : المعالجة واجبة على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه ، أو أحد أعضائه ، أو عجزه ، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره كالأمراض المعدية ، يقول لك: أنا أدخن ، هل تدري أن ثمانية عشر بالمئة من أضرار التدخين تكون في أولادك وزوجتك ، المدخن إذا دخن بين أشخاص في غرفة مغلقة ثمانية عشر بالمئة من مضار التدخين تنتقل إلى هؤلاء الأشخاص ، يوجد درس عن التدخين أنا ذكرته سابقاً مهم جداً ، والله سمعه الأسبوع الماضي رجل مدمن على التدخين أربعة باكيتات في اليوم ، حينما سمع هذا الشريط ترك الدخان من فوره ، شيء مخيف ، قال لي طبيب مختص بالأذن والأنف والحَنجرة : حينما يأتيني مريض مصاب بورم خبيث في حنجرته بشكل عشوائي أضع يدي على صدره فإذا فيها باكيت دخان ، وأقول له : هذا من هذا .
 طبيب جراح قلب يحضر معنا قال لي : والله من ثمانية أعوام ما أجريت عملية قلب إلا لمدخن أبداً ، الإنسان آن له أن يرجع إلى الصواب ، المعالجة فرض ، هنا سماها المؤتمر واجباً ، والواجب قريب من الفرض .
 تكون المعالجة مندوبةً إذا كان تركها يؤدي إلى ضعف البدن ، ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى ، أي الإنسان أحياناً لا يوجد عنده شيء خطير لكن لو أنه عمل تحليلاً ومعالجات يقوى بدنه ، هذه مندوبة ، فبين الواجب وبين المندوب ، ويكون مباحاً إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين ، ويكون مكروهاً إذا كان بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها .
 أخ كريم يقيم نصف العام في كندا ، ونصف العام في الشام ، ابنته هناك ، زارني قبل يومين حدثني حديثاً رائعاً قال : ظهرت عملية جراحية مبتكرة في كندا ، عملية تجميل لصدور النساء ، يضعون لدائن بلاستيكية مرنة تعيد هذه المرأة إلى شبابها فيما يبدو ، أي يكون صدرها كامرأة شابة ، كم واحدة أجرت هذه العملية في كندا ؟ مليونا امرأة ، الآن مليونا امرأة مهددة بالسرطان ، وفي الإعلانات والإذاعة يعلنون أن كل امرأة أجرت هذه العملية لها تعويض من الدولة لأنها بعد حين ستموت ، هذا ما يسمى تغيير خلق الله ، يغيرون خلق الله ، هذا الكلام من إنسان يقيم في كندا ، مليونا امرأة أجرت هذه العملية لتحسين منظرها ، وضع لدائن مرنة في أسفل الثدي من أجل أن تبدو شابةً ، هذه العملية سببت السرطان الحتمي ، كل امرأة وضعت هذه اللدائن هي في طريقها إلى الموت بسبب سرطان الثدي ، فالإنسان هذا التداوي مكروه له ، بل محرم ، صار عندنا التداوي واجباً ، و مندوباً ، و مباحاً ، و مكروهاً إذا كان بفعلٍ يخاف منه حدوث مضاعفات أشدّ من العلة المراد إزالتها .
 إنسان أجرى عملية تجميل ، استأصل جزءاً من الدهن في جسمه كان هذا الاستئصال سبب وفاته ، يوجد عمليات جراحية غير ضرورية ، أما إذا في تشويه منفر الفقهاء أباحوا ، أي عمليات التجميل بسبب تشوه خلقي منفر مباحة ، أما بسبب التحسين فهذه ممنوعة ومحرمة شرعاً .

علاج الحالات الميئوس منها :

 يوجد قرار لطيف : علاج الحالات الميئوس منها مما تقتضيه عقيدة المسلم أن المرض والشفاء بيد الله عز وجل ، وأن التداوي والعلاج أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون ، وأنه لا يجوز اليأس من روح الله ، أو القنوت من رحمته ، بل ينبغي بقاء الأمل بالشفاء بإذن الله ، وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض ، والدأب في معالجة وتخفيف آلامه النفسية والبدنية ، بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه ، أنا لي صديق يعمل في التدريس - وهذه القصة قبل خمسة عشر عاماً - أصيب بمرض خبيث في رئتيه ، والمرض في الدرجة الخامسة الميئوس منها ، ولقربي منه أنا تتبعت ما جرى خلال هذه الفترة ، فأخذ عينات - خزعات - من رئته وحللت في الشام وفي بريطانيا ، ومجمع أطباء من نخبة الأطباء قرروا أن هذا مرض خبيث وخطير ، وأنه إن لم تستأصل رئته فلابد من أن يموت ، وهناك عملية نجاحها يقدر بثلاثين بالمئة في أمريكا ، تزرع رئة مكان الرئة المعطوبة ، وتكلف ثمن بيته بالضبط ، والله الرجل رأيته قبل يومين حي يرزق ، والله هذا المرض تراجع ذاتياً وذكرته في الخطبة ، فأي إنسان يقول لك : هذه القضية ميئوس منها لا تصدقه .
 لنا أخ من أخواننا الكرام قال لي : أنا ولدت في غرفة في بيت عربي ، الغرفة التي تلي غرفة الولادة غرفة عمه ، زوجة عمه مريضة مرضاً شديداً ، فالأطباء قالوا : انتهت ، اكتبوا النعوة ، والقصة صعب أن تصدقوها ، قال لي : أنا كبرت ودرست ابتدائي ثم دخلت مع والدي في العمل ، وتوفي والدي ، ونزلت مكان والدي في العمل ، وتزوجت واشتريت بيتاً في أحد أحياء دمشق ، وبعد خمسة وأربعين عاماً زارتني امرأة عمي ، هذا بعد أن قالوا : اكتبوا النعوة ، وبعد خمسة وأربعين عاماً زارتني امرأة عمي ، فموضوع أن يقول : هذا الرجل منته هذا لا يعلمه إلا الله ، ويوجد شيء اسمه شفاء ذاتي ، وهذا الشفاء الذاتي يلقي نور الأمل في القلب. الآن الحكم الشرعي يعتبر أن الحالة الميئوس من علاجها هي بحسب تقدير الأطباء ، وإمكانات الطب المتاحة في كل مكان وزمان ، وتبعاً لظروف المرضى ، هذا كلام نسبي وليس قطعياً ، أنا قلت لكم البارحة : هذه الحادثة وقعت في الشام ، طبيب درس في أمريكا هناك لهم أخلاق خاصة ، الأطباء يلقون باسم المرض للمريض مباشرةً من دون مجاملة ، طبيب متخصص حديثاً من أمريكا جاءه مريض معه مرض خبيث ، قال له : أنت معك هذا المرض وتقديري تعيش أربعة أشهر ، تدبر أمرك في هذه الأشهر ، مات في اليوم الثاني ، الإنسان أحياناً لا يحتمل خبر المرض ، فالنبي علمنا أن ننفس له بالأجل .
 فكل ما يقوله الأطباء عن حالات ميئوس منها ، هذا بتقديرهم وفي حدود علمهم، وفي حدود الظروف التي يعيشها المريض ، لكن إذا تبدلت هذه الظروف قد يشفى .
 يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان تام الأهلية ، فإذا كان عديم الأهلية أو ناقصها اعتبر أذن وليه بحسب ترتيب الولاية الشرعية ، أخ كريم من أخواننا ، الأخ الطبيب الذي زارني بالمكتب قال لي : أنا أرجوك إذا استشارك أحد أخوانك في شيء اسمه استئصال لا تشر إلا بعد أخذ رأي عدة أطباء ، قال لي : والله جاءتني مريضة استؤصل ثديها وكان قد عقد قرانها قبل أشهر ، فلما علم زوجها بهذا فسخ العقد ودمرت المرأة ، طبعاً الاستئصال خطأ ، قال لي : أنا أرجوك إذا استشارك أحد أخوانك في شيء اسمه استئصال لا تشر إلا بعد أخذ رأي عدة أطباء ، سبحان الله بعد حين أخ كريم مهندس قال لي : ابنتي توقفت كليتها - ابنته صغيرة- والطبيب قال : لابد من استئصالها فوراً وإلا تنتقل العدوى إلى أختها ، هذا الأخ نصحني حديثاً قلت له : اسأل طبيباً آخر ودللته على طبيبين مؤمنين سألهم فقالوا له : لا يوجد داعي للسرعة ، معنا مدة شهرين ، والله جاءني بعد شهر ونصف والبسمة تعلو وجهه وقال لي : عملت كلية ابنتي ، الإنسان عليه أن يستشير ، شيء اسمه استئصال لا يمكن أن نقبل برأي مفرد إلا برأي جماعي .
 يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان تام الأهلية ، فإذا كان عديم الأهلية أو ناقصها اعتبر أذن وليه بحسب ترتيب الولاية الشرعية ، هنا يوجد نقطة دقيقة بالفقه لو فرضنا الولي شحيحاً والعملية يدفعها من جيبه ، يقول لك : لا يوجد حاجة للعملية ، إذا ثبت أن الولي كان متعسفاً في ولايته على المريض قال : يؤخذ رأي ولي آخر ، وقد يقع هذا .

الإلزام بالتداوي في بعض الأحوال :

 القرار قبل الأخير لولي الأمر - الحاكم المسلم ، أي وزير الصحة - الإلزام بالتداوي في بعض الأحوال ، التلقيح الإجباري ، أحياناً يمنعون بالصيف السلطات في المطاعم، يكون هناك وباء كوليرا دائماً ولي الأمر مثل الدماغ في الإنسان ، فأحياناً تقتضي المصلحة ذلك.
 لولي الأمر الإلزام في التداوي في بعض الأحوال كالأمراض المعدية ، والتحصينات الوقائية ، أحياناً يكون هناك فحص إجباري ، إنسان قادم من أوربا يوجد فحص إجباري لعله مصاب بالإيدز ، المريض يتألم جداً ويعد هذا إهانةً له ، لا ، هذا إجراء وقائي ضروري جداً .
 في حالة الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب للخطر لا يحتاج إلى أذن المريض ، إنسان مدهوس بسيارة أخذناه إلى الإسعاف ، وغاب عن الوعي ، ولا نعرف أهله من، و يجب أن تجرى له عملية ، في هذه الحالات لا يحتاج إلى أذن المريض ، أحياناً يوجد أبحاث طبية تجرى على بعض المرضى قال : هذه الأبحاث الطبية لابد من موافقة الشخص التام الأهلية بصورة خاليةً من شائبة الإكراه ، أو الإغراء المادي ، ماذا جرى في الهند ؟ نصف الشعب الهندي باع كليته ، والمبلغ زهيد جداً ألف دولار ، خمسون ألفاً وبقي بكلية واحدة ، طبعاً الآن في الهند منعوا هذا منعاً قطعياً ، وأي طبيب يجري زرع كلية يحاسب حساباً شديداً ، هناك جهل لأنه إغراء مادي ، أي فقير قيل له هذه ألف دولار وأعطني كليتك ، ونجاحها ليس نجاحاً قطعياً ، لذلك لابد من إجراء الأبحاث الطبية من موافقة الشخص التام الأهلية بصورة خالية من شائبة الإكراه أو الإغراء المادي .
 هذه بعض القرارات في شأن العلاج الطبي ، العلاج الطبي يبدأ بالفرضية ، ويمر بالندب ، ثم بالإباحة ، ثم بالتحريم ، يوجد علاج غير مضمون ، العلاج أخطر من الداء ، الحقيقة العلم ثمين جداً ، رتبة العلم أعلى الرتب ، أنا لا أبالغ معظم المآسي في العالم بسبب الجهل ، الجهل بمنهج الله عز وجل ، أحياناً تنشأ مشكلة لها مضاعفات أساسها جهل بحكم الله عز وجل .

 

تلخيص لما سبق :

 أرجو الله عز وجل أن نستفيد من هذه الدروس ، أي يوجد شخص يقول لك : أنا ورع لا أسمح لطبيب أن يرى زوجتي ، هذا غلط كبير ، يوجد أمراض في البدايات سهل علاجها، تواكل ، إهمال ، يقول لك : سلم أمرك لله ، هذا الكلام لا معنى له ، الله عز وجل أمرنا بالأخذ بالأسباب ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[ أحمد عن عوف بن مالك]

 معنى هذا أن الدرس اليوم كان في موضوع العلاج الطبي ، وبيع المزايدة ، وبيع الوفاء ، بيع الوفاء محرم لأنه قرض جرّ نفعاً ، وبيع المزايدة حلال بشرط أن نسلك به الطرق المشروعة ، والعلاج الطبي فرض ومندوب ومباح ومحرم .