الدرس : 6 - سورة الذاريات - تفسير الآية 56 ، لماذا خلق الإنسان؟

1997-05-11

 الحمد لله رب العالمن والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمن:
أيها الإخوة الكرام:
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الذاريات:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 الحقيقة أنك إذا سافرت إلى بلداً ما، في ذهنك هدفاً واضح، قد تسافر سائحاً، وقد تسافر تاجراً، وقد تسافر طالباً.
 إذا سافرت طالباً، وأنت في البلد الأجنبي، كل حركة وكل سكنة تقاسه بالهدف، لو رأيت مقصفاً جميلاً، وعندك غداً امتحان لا تدخل، كل إغراءٍ، وكل حركةٍ وكل سكنةٍ وأنت مسافر بهذا البلد تقيسها بالهدف الذي جئت من أجله.
لذلك الطالب إذا كان هدفه واضحاً، يرجع معه دكتوراه، أما إذا نسيه هدفه وإنساق وراء مغريات طارئة، عاد بخفي حنين.
هذه المقدمة ذكرتها كي نصل إلى أنه لا تصح حركتك إلا إذا عرفت هدفك، لا تصح حركتك إلا إذا عرفت هدفك.
 فأنت في الدنيا لماذا خلقت ؟ آلاف الأشخاص يتحيرون، يقول لك لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ والجواب واضح مثل الشمس، واضح بجلاء منقطع النظير، يقول الله لك:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.
 العبادة علة وجودنا، علة وجودنا، أنت في الدنيا من أجل أن تعبد الله، فهذا الذي يقول جئت لا من أين أتيت، ولقد رأيت قدامي طريقاً فمشيت، ثم يقول لا أدري لا أدري لا أدري، لكن المؤمن يدري، المؤمن يدري، والذي جعله يدري كتاب الله، والذي جعله يدري هذه الآية، أنت في الدنيا من أجل أن تعبده.
هذا أول شيء، أول حقيقة لا تصح حركتك إلا إذا عرفت هدفك.
أنت الآن في باريس، تاجر الحركة نحوه المعامل.
أنت الآن في باريس سائح الحركة نحوه المتاحف.
أنت الآن في باريس طالب علم الحركة نحو الجامعات.
الحركة تتحدد بحسب الهدف.
 طيب هلق الناس يجمعون الأموال الطائلة، يأتيهم الموت فجأة، واحد كان في بلد بالسعودية، بقي له هناك ثلاثون عاماً، وجمع أموال طائلة ولم يحج ولا مرة واحدة، وافته المنية في بلداً سياحي جميل، وهو في الفندق، سكت قلبية، انتهى.
 فالإنسان حينما يتحرك بلا هدف هناك صعق، مفاجئة لم تكن بالحسبان أما حينما تتحرك وهدفك واضح، يأتي الموت متوقعاً.
لذلك يقول الله عز وجل وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. والعبادة الطاعة.
 العلماء قالوا خالص الطاعة، مع خالص الحب، مع خالص الإخلاص طاعةٌ وحبٌ وإخلاص، لكن هذا الطاعة وهذا الحب وهذا الإخلاص لا يمكن أن يكون من دون أن تعرف الله.
كيف أنه لا تصح الصلاة من غير وضوء، فالوضوء فرض لأنه شرط الصلاة، ولا تصح الطاعة من دون معرفة الله.
طيب إذا عرفته وأطعته، تقطف ثمار الطاعة هي السعادة، التي يبحث عنها كل إنسان كائن من كان، هي السلامة و السعادة.
 إذاً معرفةٌ، طاعةٌ، وحبٌ، وإخلاص، سلامةٌ وسعادة، هذه العبادة، معرفةٌ بالله من خلال آياته الكونية، والتكوينة، والقرآنية، وطاعةٌ طوعيةٌ ممزوجةٍ بمحبةٍ قلبيةٍ، وإخلاصٍ شديد هذه تفضي إلى سعادة أبديةٍ وسلامةٍ من كل عطب، فأنت سليمٌ معافى سعيد، هي معنى العبادة.
لذلك ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، وما عبد الله من حبه ولم يطعه تعصي الإله

وأنــت تـظـهر حـبـه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته  إن المحب لمن يحب يطيع

أيها الأخ الكريم:
 يعني كيف إذا كان الهدف أمامك واضح كالشمس ؟ الآن أنت ماذا تفعل باليوم دعيت إلى سهرة مختلطة، هذه تتناقض مع العبادة، أعتذر، دعيت إلى عمل صالح يتوافق مع العبادة بلبي رأساً، دعيت إلى إدلاء بشهادة، وأنا لم أكن شاهداً بتناقض مع العبادة أعتذر، فصار إذا أنت عرفت هدفك، كل حركةٍ وكل سكنةٍ تقيسها بهدفك.
 الآن إذا كان طالب عنه امتحان مصيري بينبنى عليه تخرجه، وبينبنى على التخرج تعينه في منصب رفيع، بينبنى على التعين زواجه وبينبنى على التعين رفعة مكانته فرضاً، فقبل الامتحان بأسبوع لو رأى مجلة ما بيقرأها، طيب أن تقرأ مقالة ليس حرام ما بيقرأها، بس ما في عنده وقت لأنه، مادام هدفه واضح والامتحان مصيري لها ينبنى على الامتحان نجاحه وتخرجه، وعلى التخرج تعينه، وعلى التعين زواجه وعلى زواجه بناء أسرة، وتحقيق مكانة علية، إذاً كل هذا الهدف الكبير أساسه هذا الكتاب المقرر، وقد يمتنع عن قراءة صحيفة أحياناً، يأتي هاتف من صديقه، كيفك والله مشغول بتعذرني، طبق السماعة، ليش عملت هيك ؟ هدفه واضح لأنه، قال له صديق أنا في مسألة بالموضوع الفلاني حليتها، تعى لعندي، طيب هلق رفض واحد، قال له تعى لعندي، مادام موضوع مسألة ورياضيات وفحص رياضيات بيستقبله، استقبل، ورفض، واعتذر، ورحب، هكذا المؤمن هدفه واضح، هلق في إغرائات، في مطاليب، بيدرس المطلب، قالت له بدنا كذا، وكذا زوجته أحد الصحابة قال لها: إعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين مالا لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلا أن أضحي بك من أجلهن أهون من أضحي بهن من أجلك.
والله أيها الأخوة، الناس يتحركون بلا هدف يركضون وراء المال، يغتصبون المال، يأخذونه حراماً، بالكذب والخداع، والغش، والاحتيال، ولا يحسبون حساباً لمغادرة الدنيا .
 النقطة الدقيقة إذا عرفت هدفك صحت حركتك، واحد جايه لفرنسا طالب علم ركب السيارة على السوربون، قام لقى نادي، نادي كولف يقف ويدخل إلى الداخل ؟ لا هدفه السربون الجامعة، في ألف شيء مغري على الطريق، في نوادي، في مسابح، في متاحف، في مطاعم هدفه الجامعة هلق، هدفه الواضح.
 هلق إذا واحد راح لحلب، كم مفرق على اليمن واليسار ؟ مفرق طرطوس، مفرق تدمر، مفرق السلمية، مفرق جبلة، مفرق المعرة، هدفه حلب، كل هذه المنعطفات الجانبية لا يلقي لها بالاً أبداً، هذا حال المؤمن.
الله عز وجل يقول: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.
 فكل شيئاً يتوافق مع العبادة تفعله حباً وكرامة من كل قلبك، وكل شيء ببعدك عن الله عز وجل ممنوع، يعني أحيان إنسان يمتنع عن قراءة قصة سخيفة، طيب هذا الذي يمضي خمس ساعات وراء أفلام متكرر ساقطة، سخيفة، يعني قصة معروفه، وشيء مملل، وهبوط في الأخلاق وهبوط، خيانات وانحرافات، أين هدفه ؟ هدفه غير واضح، هذا الذي يمضي حتى الساعة الواحدة بالطاولة، هذا ما هدفه، مر أحد علماء الشام الكبار أمام مقهى، قال يا سبحان الله، لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم، بتلاقي المؤمن ما عنده دقيقة فراغ دقيقة ما في عنده، لأنه هدفه كبير، هدفه معرفة الله، هدفه الدعوة إلى الله، هدفه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تربية أولاده، تحصين زوجته، تحقيق شيء، يترك أثر علمي أثر ديني أثر اجتماعي عمل صالح، هذا هدفه، فوقته ضيق جداً، لذلك: إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافه ودنيه، الإنسان إذا عرف هدفه سلك هذا الطريق صار مشغول، قال علية الصلاة والسلام إن لفي الصلاة لشغله، قال كان علية الصلاة والسلام يجلس مع أصحابه، قال فإذا دخل وقت الصلاة فكأنه لايعرفنا ولانعرفه، هدفه كبير.
فيا أيها الأخوة:
 لا يحق لواحد منكم أن يقول ليش الله خلقنا، أجابك عن هذا السؤال، أجابك إجابة واضحة، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، أن تطيعه وأن تحبه وأن تخلص له، ولن تطعيه ولن تحبه ولن تخلص له إلا إذا عرفته، إن عرفته أطعته، إن عرفته تحبه، إن عرفته أخلصت له، إن أطعته وأحببته وأخلصت له تسلم وتسعد، وهذا مطلب كل إنسان في الأرض، من آدم إلى يوم القيامة، من بحب المرض منكم وأنا معكم والله ؟ من بحب العمليات الخطيرة ؟ من بحب الأمراض الخبيث ؟ من بحب الأمراض العضالة ؟ من بحب السجن ؟ من بحب القهر ؟ من بحب الفقر ؟ من بحب الذل ؟ من بحبه ؟ كلنا نبحث عن سلامتنا وسعادتنا، أما الإنسان يبحث عن اللؤلؤ في الصحراء لن يجده اللؤلؤ في البحار، والسعادة في طاعة الله، والسعادة في القرب منه، والسعادة في التضحية والبذل من أجله، والسعادة في مجاهدة النفس والهوى، هي السعادة.
فيا أيها الأخوة الكرام:
آية من أدق الآيات وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، العبادة هدفنا العبادة منهجنا، العبادة دستورنا، والله عز وجل يسعدك في الدنيا قبل الآخرة،

 

﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾

( سورة الرحمن: 46 )

﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾

( سورة النحل: 97 )

 هذا وعد إلهي، هذا فوق المكانة والزمانة والظروف والكساد وقلة الأعمال وعد الله عز وجل، الله عز وجل ليس فقيراً، هو غني، قوي، إذا بدى لكم أن في الشيء قليل، هذا تقنين تأديب لا تقنين عجز،

 

﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾

 

( سورة الحجر:21 )

يعني إذا الله أعطى أدهش، أعطى أدهش...
 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمن، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..