العقيدة الإسلامية - الدرس : 45 - الإيمان باليوم الآخر 3

1987-09-13

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ما هي السنن أو القوانين الإلهية في القرآن الكريم؟

1- قانون الجزاء الرباني:

 أيها الأخوة, لا زلنا في موضوع كبير، أحد أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر، وقد ذكَرنا كمقدمة لهذا الموضوع كيف أن الإنسان قبل حَمَل الأمانة ليصل بها إلى أعلى درجة من درجات السعادة الأبدية، وأنه بحملِ الأمانة لابد أن يُبتلى، وأنّ الابتلاء ثمن الجنة؟ واليوم فإلى بعض السنن الثابتة التي سنّها الله عزّ وجل في القرآن الكريم، تأتي كلمة السنّة بالمعنى الحديث: القانون، والقانون بالتعريف الدقيق: هو العلاقة الثابتة بين شيئين، فإذا تحدثنا عن السنن المطّرِدة أو المطّرَدة " كلاهما صحيح " التي سنّها الله عزّ وجل فمِنْ قَبِيل الحديث عن القوانين الثابتة التي قنَّنها الله عزّ وجل، قال تعالى:

﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾

( سورة فاطر الآية: 43)

 من هذه السنن الثابتة، أو من هذه القوانين الثابتة قانون الجزاء الرباني، هناك جزاء، فاعمل ما شئتَ، فكل شيء له ثمن, الإحسان له جزاء، والإساءة لها جزاء، وبرّ الوالدين له جزاء، وعقوقهما له جزاء، والرحمة بالزوجة لها جزاء، والقسوة عليها لها جزاء، والصدق مع الناس له جزاء، وخيانتهم له جزاء, أيُّ عمـلٍ فكري، أو قلبي، أو كلامي، أو فعلي، صغيرٍ أو كبير، فردي أو جماعي، خاص أو عام، معروف أو مجهول، ظاهر أو خفي، أيّ عمل يفعله الإنسان لا بد أنْ يلقى جزاءه، متى؟ بعد قليل، مبدئياً في الدنيا، ثم في الآخرة, لذلك مِنَ الغباء والسذاجة والحمق أنْ تظنَّ، أو أن تتَوَهَّم أنَّ الرجل إذا فعل السيئات سينجو من عقاب رب الأرض والسموات، اعمل ما شئت، فإنّ لكل حسنة ثواباً، وإنّ لكل سيئة عقاباً، والديّان موجود، والبرّ لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان.

الابتلاء يستتبع الجزاء:

  فالابتلاء يستتبع الجزاء، فما معنى أنْ تجري الجامعة امتحاناً، وتنفق عليه مئات الألوف، وتجمع من أجله مئات المراقبين، وتجهد نفسها في طبع الأسئلة، وفي اختيارها، حيث تغطي المنهاج كله، وأن تجمع الطلاب شهراً أو شهرين في قاعات لساعات عديدة يكتبون، لو أنّ هذه الجامعة جمعت هذه الأوراق، وأحرقتها، وانتهى الأمر, هل يُعقل أن تفعل جامعة ذلك ؟ فما دام هناك امتحان فلا بد من نجاحٍ أو رسوب، ولا بد مع النجاح مِن ارتقاء إلى صفٍ أعلى، ولا بد مع الرسوب مِن تضييعِ عام بأكمله، ولا بد مع النجاح في الصف الأخير من تعيين في وظيفة مرموقة، أيُعقل أن يكون الابتلاء بلا جزاء؟ فكل عمل له جزاء، فهنيئاً لمَن عرف ربه، وعرف الواحد الديان، وتعامل معه، فأخلص له، وأحسن لعباده، وحينما تخاف الله عزّ وجل، ولاَ تَغش مسلماً, أيٌعقل أن يأتي رجل ليبثّ في قلبك الرعب؟ لا، إن خفتَ اللهَ فلن يخيفك أحد، وإن لم تخفه فسوف تخاف من أحقر الناس، وسوف ترتعد فرائصك من أتفه الناس، إما أن تخافه، وإما أن تخاف من عبدٍ لا يخافه.
 هذا الابتلاء لن يكون إذا كان أمام الإنسان طريق واحدة, فكيف نمتحن الإنسان؟ وكيف نبتليه إذا كان أمامه طريق واحدة؟ لا بد من طريقين، لذلك كان طريق الخير والشر، وطريق الحق والباطل، وطريق الإحسان والإساءة، وطريق الإخلاص والخيانة، وطريق الصدق والكذب، وطريق الشهوة والعقل، وطريق المبدأ والمصلحة، وطريق القيم والحاجات، لأن ثمة ابتلاء، ومن لوازم الابتلاء تعدُّد الطرق، الاختيار ماذا يتبعه؟ لو أننا خيرنا إنساناً، وقلنا له: أعطيناك حرية الاختيار، لكن ليس أمامك إلا هذا الطريق ذو الاتجاه الإجباري، فأين الاختيار ؟ إذاً: ليس هناك اختيار، أما إذا كان هناك طريقان, فلك حينئذٍ أن تختار أحدهما, وهذا الابتلاء الذي لا بد له مِن طرق عديدة كي يتحقق وجوده, لا بد أنْ يتبعه جزاء محقق, وربنا عزّ وجل في آية محكمة واضحة يقول:

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 51)

 هذه لام التعليل، بل هي لام العلة, علّة خَلْقِنا، وعلّة خَلْقِنا مرة ثانية، وعلّة الدنيا والآخرة أنّ الله عزّ وجل قال:

 

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

 

( سورة إبراهيم الآية: 51)

 

2- قانون الجزاء أثر من آثار العدل:

 الحقيقـة أنّ من أسماء الله الحق، وقد يقول أحدنا: الحقُ اسم من أسماء الله، ولا يتحقق الحقُّ إلا بالعدل، بل إنّ الجزاءَ أثرٌ من آثار العدل، الذي هو وجه مِن وجوه الحق، فالحق يقتضي العدل، ومِن العدل ألاّ يكون المسلم كالمجرم، قال تعالى:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

( سورة القلم الآية: 35-36)

 هذا استفهـام إنكاري، أيْ: أيٌعقل أن يكون هذا المسلم المستقيم الورِع, الطاهر العفيف, النقي البريء, العفو الرحيم, أَيُعقل أن يكون هذا المسلم كالمجرم في معاملته؟ إن كان كذلك, فأين اسم الله العدل، فأين اسم الله الحق؟ تحقيقاً للحق، وتحقيقاً للعدل, لا يمكن أن يكون المسلم كالمجرم, وهذا قانون الجزاء أثر من آثار العدل.

أدلة الكتاب والسنة على عدل الله في معاملته مع المؤمن والكافر:

 في سورة القلم:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

( سورة القلم الآية: 35-36)

 ما الذي يحمل الناس على المعصية؟ توهّم وضلال, مِن أن الكافر إذا حصّل مالاً وفيراً من طرق غير مشروعة فهو ذكي, وهو حصيف, وقد تمتع بالدنيا كما يشتهي، وينسى هذا الكافر, أن الله عزّ وجل لن يعامله كما يعامل المسلم.
  آية أخرى:

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ * إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة غافر الآية: 58-59)

 الأعمى لا يستوي مع البصير, قال تعالى:

 

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

 

( سورة فاطر الآية: 19-22)

 قوله تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21)

 محياهم في الدنيا، وإنّ حياة المؤمن بدءاً من صحته، مروراً بزواجه، وانتهاءً بأولاده، مع عمله، مع مكانته، مع سمعته، مع راحة باله، مع استقراره، مع طيب نفسه، مع سعادته، هذا المؤمن لن يكون كالذي يجترح السيئات، وما يكتنف اجتراح السيئات مِن قلقٍ وضيق، وضجر، وخوف، وشعور بالقهر، وخنوع، ومصائب تعتري هذا الفاسق مصيبة في ماله، في ولده، في صحته، في حريته، هذا كله بيَّنه الله عزّ وجل.
 آية أخرى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص الآية: 61)

 فإذا كان الله خالق السموات والأرض قد تفضّل، ووعد عباده المؤمنين وعداً حسناً، وعدهم بسعادة أبدية، وعدهم بجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر, وعدهم بحياة أبدية لا تعب فيها، ولا نصب، ولا قلق، ولا ضيق، ولا فقر، ولا مرض، إذا كان الله عزّ وجل تفضّل، ووعدنا بهذا الوعد فوعْدُه حق, قال الله:

﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾

( سورة مريم الآية:61)

  وقال سبحانه:

 

﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾

 

( سورة الحشر الآية: 20)

  آيات كثيرة، وفي مواضع كثيرة جداً مِن القرآن، في أكثر مِن مئة موضع في كتاب الله يُجرِي اللهُ ًموازنة بين أهل الإيمان، وحياتهم في الدنيا، ومنقلبهم في الآخرة، وبين أهل الكفر والعصيان، وكيف أن حياتهم سلسلة مِن المتاعب، والمصائب، وخيبة الأمل.
  ومِن الأحاديث القدسية, ما ثبتَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُـهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

( حديث قدسي)

 هذا هو القانون الثاني, الجزاء أثر من آثار العدل.

3- قانون الجزاء الرباني بين الفضل والعدل:

  قانون الجزاء الرباني بين الفضل والعدل، وهو أن الإنسان إذا استقام على أمر الله، وفَعَل الصالحات يتفضل الله عليه بالجنة، لكن الجنة ليست لازمةً لاستقامته، وعمله الصالح، وإنّ استقامته، وعمله الصالح, لا يستدعيان ذاتياً دخول الجنة, وقياسُ هذا بذلك الطالب الذي يَعِده أبوه بشراء دراجة ثمينة إذا نجح، فنجاح الطالب فقط لا يستلزم ذاتياً اقتناء الدراجة، لو أنّ الطالب توجَّه إلى بائع الدراجات، وأعطاه الجلاء, هل يعطيه دراجة؟ لا بد مِن دفع الثمن، الجلاء الذي ينبئ أن هذا الطالب قد نجح نجاحاً متفوقاً, لا يعني أنه يستحق بالضرورة دراجة، إلا أن الأب قد تفضل بهذا الوعد وأنجزه، فالمكافأة على النجاح مكافأة من باب الفضل المحض، وليست من باب الحق.
 لو أنّ طالباً ليس له أب، وحقّق نجاحاً متفوقاً، لم يشتَرِ له أحد دراجة، فالنجاح وحده لا يستدعي اقتناء الدراجة، فلذلك الجنة ندخلها برحمة الله، ونقتسمها بأعمالنا، هناك مَن ضلّ فيها، وهناك مَن قال: الجنة برحمة الله، لا بالعمل، فَتَرَك العمل، فحُرِم مِن الجنة، الجنة برحمة الله، ومعنى برحمة الله: أنك إذا أمضيتَ كل حياتك في استقامة، وعبادة، وصلاة، وصيام، وحج، وزكاة، وورع، وإحسان، وتضحية، وإيثار، وجهاد، هل هذه الأعمال كلها تمكنك ذاتياً من دخول الجنة؟ لا، الجنة مِن فضلِ الله عزّ وجل، فالعطاء الإلهي فضلٌ، لكن العقاب الإلهي عدلٌ، وشتان بين الفكرتين.

الجنة محض فضل وليس استحقاق دليل ذلك الكتاب والسنة:

  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ))

(متفق عليه, أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)

 هذا شيءٌ طيب, إلا أن آيات كثيرة, تقول: دخول الجنة بما كنتم تعملون, قال الله:

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل الآية: 32-33)

  ويقول تعالى:

 

﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

 

(سورة الأعراف الآية: 43)

 التوفيق بين الآيات، وبين الحديث, يحتاج إلى دقة بالغة، فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً استحق فَضْلَ الله بعمله الصالح، فإذا فعل ذلك استحقَّ الفضل الإلهي، أمّا أن تكون الجنة حتماً لازماً له، يطالب بها فهذا غير صحيح، وليس له أن يطالب بالجنة، ولكن الله عزّ وجل وعُده حقٌّ، وقد وَعَدَ المؤمنين بالجنة, فعبادة المخلوق، وطاعته لله عزّ وجل حقٌّ واجب عليه، لأنه مسبوق بنعم الله الكثيرة، التي تستوجب الشكر، ولو أن المخلوق ظل حياته كلها بأعلى مرتبة من مراتب العبادة، والطاعة، والاستقامة, لكان ذلك منه تأدية لبعض ما يجب عليه نحو ربه, مِن شكر على هذه النعم.
  يُستخلص من هذا: أن الجزاء بالمثوبة على ما نفعل من خير إنما هو فضلٌ مِن الله، نستحقه لكريمِ وعْدِه، وليس لنا فيه حق ذاتي.

جهنم حق وكل من يدخلها يستوجب العقاب والاستحقاق دليل ذلك الكتاب:

  الحقيقة الثانية على خلاف هذه الحقيقة، لمّا كان الإيمان بالله, وطاعته حقاً واجباً على المكلَّفين, كان الجحود والعصيان مستوجباً الجزاء بالعقوبة ضمن قانون العدل الإلهي, إذا سرق شخص مالَ الآخرين، هنا يجب العقابُ عليه، تحقيقاً للعدل الإلهي، هذا الذي طلّق زوجته مِن دون سبب مبرِّر، فشردت عن نهج الله عزّ وجل، كان هو السببَ، وهذا الذي أساء إلى جيرانه فاعتدى عليهم، وعلى أموالهم من دون سبب مبرِّر، كان هذا عدواناً يستحق الجزاء بحسب قانون العدل الإلهي، فالجنة ندخلها تفضلاً، وأهل النار يدخلون النار استحقاقاً وعقاباً، لوجود حقوق، وأولُ هذه الحقوق: حقُّ الله عزّ وجل، وحقُّ الأنبياء، وحقُّ العباد، وحقّ الذين تعاملتَ معهم، فجهنم بالعدل، ومما يؤكِّد هذه الحقيقة, قولُه تعالى:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾

( سورة النجم الآية:31)

 آية أُخرى توضِّح هذه الحقيقة، وهي قوله تعالى:

 

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾

 

( سورة النساء الآية:79)

  السيئة تصيبك استحقاقاً.
 وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى, نتابع الحديث عن هذه القوانين التي قنّنها الله عزّ وجل، أو عن هذه السنن الني سنّها الله عزّ وجل، وننتقل بعد ذلك إلى صلب الإيمان باليوم الآخر.