الدرس : 1 - سورة الجمعة - تفسير الآيات 6-8 ، الدليل هو البيان

1997-11-01

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية السادسة والتي بعدها من سورة الجمعة وهي قوله تعالى:

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)﴾

أيها الأخوة الكرام:
 من البساطة والسذاجة أن تقول أنا أحب الله ، هذه المحبة تحتاج إلى دليل ، ربنا عز وجل ما قبل إدعاء محبته إلا بالدليل ، قال:

﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ﴾

( سورة آل عمران: 31 )

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعتــه  إن المحب لمن يحب يطيــع

 عود نفسك ألا تقبل شيئاً إلا بالدليل ، وألا ترفض شيئاً إلا بالدليل ، وألا تمدح نفسك إلا بالدليل ، وأن لا تذم غيرك إلا بالدليل أما إذا ألغينا الدليل لقال من شاء ما شاء.
هؤلاء الذين هادوا يزعمون أنهم أولياء الله من دون الناس يزعمون أنهم أحباب الله ، أبناء الله وأحباءه.

 

﴿ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ﴾

 

( سورة المائدة: 18 )

 لو المسلمين قالوا مثل قولهم نحن أحباب الله ، نحن أوليائه نحن من أمته.

 

﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾

 

( سورة آل عمران: 110 )

 نحن من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام ، شي جميل.

 

﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ﴾

 فالمقدمة: لا تقبل شيء إلا بالدليل ، ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل ، ولا تمدح نفسك إلا بالدليل ، ولا تتهم غيرك إلا بالدليل ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
ربنا عز وجل يضعنا أمام مناقشة علمية.

 

 

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾

 ولربنا جل جلاله أسلوب رائع ، هذا الأسلوب عبر عنه القدماء بالكلمة التالية ، إياك أعني واسمعي يا جارة، هذا القرآن نزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أنزل إلينا ، ربنا عز وجل يحدثنا عن اليهود.

 

 

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ﴾

 ادعيتم ، توهمتم ، تخيلتم ، ظننتم أنكم أولياء لله من دون الناس ، أنتم شعب الله المختار ، أنتم الأمة التي لن تعذب في النار إلا أيام معدودة ، أنتم الأمة التي اصطفاها الله عز وجل ، وما سواكم بحسب ادعائهم خنازير ، وقردة.

 

 

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6)﴾

 الإنسان حينما يشعر أنه على وشك الموت يختلف الأمر كلياً.
 رجل يركب السيارة في هذا الشارع ، وصل إلى الإشارة الحمراء التي عند المحطة الحجازية ، أصابته أزمةً قلبية ، إلى جانبه زوجته ، ومن غرائب الصدف أن صديقه وراءه ، فلما انكب على المقود صرخت الزوجة ، وجاء الصديق وحمله وضعه في سيارته وأخذه إلى المستشفى ، إلى العناية المشددة ، بعد ساعات ، أول ما صحي ، قال أعطوني مسجلة ، أعطوه مسجلة قال في هذه المسجلة المحل الفلاني ليس لي أنا اغتصبته ، والمحضر الفلاني ليس لي لشريكي نصفه ، والدكان الفلانية ليست لي ، كل شيء اغتصبه صرح به في هذا الشريط ، بعد أيام عدة شعر أنه نشيط ، ما في شي إطلاقاً قال أين الشريط ، أخذه وكسره ، وبعد ثمانية أشهر جاءته القاتلة ، الله أعطاه إنذار ، أعطاه إنذار مبكر ، فلم يستفيد من هذا الإنذار.
 أحد علماء دمشق الأجلاء أيضاً من غرائب الصدف ، أنه كان في حضرت شيخ أزهر سابق ، وكان على فراش الموت ، وكان في النزع الأخير ، ما كان من هذا الشيخ إلا أن رفع يديه هكذا وأشار بإصبعيه معاً قال يا رب إني بريء من كل فتوى أفتيتها في المصارف والفوائد ، أصعب شيء حينما تلقى الله عز وجل وأصعب شيء حينما تشعر أن الأجل قد اقترب ، وأن اللقاء قد اقترب.
لذلك أي إنسان لا يفكر في هذه الساعة التي سيغادر فيها الدنيا وسيلقى الله ، وسيحاسب ، عن الكلمة ، وعن النظرة ، وعن الدرهم الإنسان أحمق.

 

 

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾

والدليل:

 

 

﴿ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6)﴾

سيدنا بلال كان على فراش الموت ، وقالت له ابنته وا كربتاه يا أبت قال لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
 هالعبد الفقير قرأت أكثر من سبعين سيرة للصحابة أدهشني أن هؤلاء الصحابة جميعاً في سيرتهم قاسم مشترك واحد ، هذا القاسم المشترك أنهم جميعاً عند لقاء الله عز وجل كانوا في أسعد لحظات حياتهم ، يؤكد هذا النبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول: الموت عرس المؤمن ، والموت تحفة المؤمن.
 يعني إذا إنسان ذهب إلى بلاد الغرب ليعمل ، ويدرس ، اشتغل في مطاعم يغسل الصحون ، اشتغل في مرآب يغسل السيارات ، يعمل أربع ساعات ، ويدرس ثمان ساعات ، وينام ساعتين ، ويأكل أخشن الطعام ، ويسكن في غرفة دنيئة ، موعود إذا أخذ الدكتورا أن يكون في بلده وزيراً ، وأن يسكن في أفخر بيت ، وأن يركب أفخر سيارة ، وأن يتزوج أجمل امرأة ، هذا الإنسان الذي يعمل عملاً شاقاً في الغرب يغسل السيارات ، ويغسل الصحون ، ويدرس ساعات طويلة ، ويعاني من المشقة ما يعاني ، هذا حينما يأخذ الشهادة ، ويصدقها ، ويقطع بطاقة الطائرة ، ويصعد إلى الطائرة ليعود إلى بلده ، ليكون أحد الأشخاص المرموقين في بلده ، وهو يضع رجله على سلم الطائرة هل يشعر بحزن ؟ هذه الساعة التي ينتظرها.
الموت عرس المؤمن ، الموت تحفة المؤمن ، الموت نهاية المطاف ، بداية النعيم.
 لذلك الإنسان حينما يولد يبكي وحده ، وكل من حوله يضحكون فإذا مات كل من حوله يبكي ، فإذا كان بطلاً، يضحك وحده.

 

 

﴿ قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون ﴾

 

( سورة يس: 26 )

 هذا الذي أمضى حياته في طاعة الله ، في ضبط جوارحه ، في إنفاق المال في طلب العلم ، في خدمة الناس، في الدعوة إلى الله ينتظر هذه الساعة ، أما اليهود.

 

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾

 إياك أعني ، واسمعي يا جارة.

 

 

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾

 الأعمال السيئة ، والعدوان على أموال الناس ، وعلى أعراضهم ، والتفلت من منهج الله ، والاحتيال على الناس ، وإهمال الصلوات ، وأخذ المال الحرام ، هذه كلها حجب كثيفة بينك وبين الله فأنت في الدنيا في لهو ، لهو كثير ، يعني لقاءات ، وندوات ، وسهرات وولائم ، وسفر ، وسرور ، وصحون ، بقلك مائتين محطة عندي ، في لهو، أما حينما يوضع في قبره ، ويأتي ملك الموت.
في بعض البلاد قصة رمزية:
 رجل غني كبير توفاه الله عز وجل ، أولاده من شدة حرصهم على سلامة أبيهم سمعوا أن أول ليلة أصعب ليلة ، يأتي الملكان ليسألانه ، ترجوا إنسان ينزل مع أبيهم يسليه ، فقير جداً أعطوا مبلغ رآه ثروة كبيرة ، هذا نزل ، هذه قصة رمزية ، جاء الملكان رأوا شخصين في القبر ، شغلة جديدة هي ، واحد حرك رجل ، هذا طيب هذا ، نبدأ فيه ، لابس كيس خيش ، رابط بحبله ، من هذه الحبلة جبتها هي ، قال له من البستان ، شلون فت على البستان ، نزلوا فيه ، شلون فت على البستان استأذنت صاحب ، هذا صباحاً طلع قال الله يعين أبوكم.
يعني إذا زعمتم:

 

 

﴿زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾

 

 هذا مقياس لنا جمعياً ، أدخل إلى غرفة وأطفئ الضوء ، أجلس لحالك ، هذا هو القبر ، شو بصير معك ، وين يا جماعة ، القبر على طول ، هي ساعة القبر لا بد منها ، قال أول ليلة هي أصعب ليلة يقول الله عز وجل:

((عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقى لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ))

الجواب:

﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)﴾

 لأنهم ظالمون ، الآن في عنا مشهد حركة ، إنسان يهرب من إنسان ، الذي يلاحقه مخيف ، وحش ، معه سلاح فتاك ، يريد أن يقتله فهو يركض ركضاً غير معقول ، متى يصعق ؟ إذا رآه أمامه ، يظنه خلفه ، شوف ، قال:

 

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾

 واحد صار معه أزمنة قلبية ، الله يعافينا جميع ، اعتنى بحاله عناية تفوق حد الخيال ، أكل مقنن ، رياضة ، أدوية ، يعني هو ظن الموت سيأتي من قلبه العناية غير معقولة ، جاء ابنه من بلد خليجي ومعه سيارة فخمة ، أخذه إلى الزبداني في العودة صار في حادث مات الأب ، هي الآية نفسها ، هو متوقع الموت من قلبه ، مات بحادث.

 

 

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)﴾

 بكل عمل ، بكل وصل ، بكل قطع ، بكل غضب ، بكل رضى بكل العطاء ، بكل حرمان ، بكل ابتسامة ، بكل كلمة ، بكل نظرة كله مسجل.

 

 

﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)﴾

إياك أعني واسمعي يا جارة.

 

 

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)﴾

 من أدق الآيات ، محور هذا الدرس ، لا تقبل شيئاً إلا بالدليل ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل ، ولا تمدح إنسان إلا بالدليل ، ولا تتهم إنسان إلا بالدليل فهم زعموا أنهم أولياء لله ، طالبهم بالدليل فرسبوا تمنوا الموت إن كنتم صادقين من هو الولي ؟ في التعريف الدقيق القرآني.

 

 

﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾

 

( سورة يونس: 62 ـ 63 )

 آمن بالله واتقى أن يعصيه ، اتقى سخطه وغضبه.

 

 بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وأرض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..