الدرس : 2 - سورة الجمعة - تفسير الآية 2، الدعوة الصحيحة بالقدوة الحسنة

1997-11-02

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الثانية من سورة الجمعة وهي قوله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)﴾

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾

 كلمة منهم:
... أولاً: من بـــني البشر.
... ثانياً: بلسانــــــــــــــهم.
... ثالثاً: عاش في بيئتهم.
لو أن النبي عليه الصلاة والسلام له مهمتان كبيرتان جداً الأولى مهمة التبليغ، لكن الأخطر منها، مهمة القدوة.
 أحياناً، في دائرة في مكان عمل، يكثر فيه الفساد، تجد إنسان طيب مستقيم، ورع، لماذا سمح الله لهذا الإنسان الطيب الورع أن يكون في هذا المكان ليكون حجة على الآخرين، المنحرفين، يا رب البيئة صعبة، فلان معك بالدائرة، لم يأخذ درهم حراماً، فلان سهل مصالح الناس، أنت لماذا عقدت عليهم أمورهم، في كل مكان مهما بد سيئاً، ومنحرفاً، وفاسداً، ربنا جل جلاله، يجعل فيه أناس طيبن، مستقيمين، ورعين، ليكون هؤلاء حجة.
فلو أن النبي مَلَك، وأمرهم بغض البصر، طيب أنت ملك بس نحن بشر، أودع الله فينا شهوات.
 لولا أن النبي عليه الصلاة والسلام، وأي نبيٍ آخر، من بني البشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر، يجوع كما نجوع، يعرى كما نعرى، يتألم كما نتألم، يخاف كما نخاف يتنمى كما نتمنى.
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( خفت وما خاف أحد مثلي وأوذيت وما أوذي أحد مثلي، ومضى عليّ ثلاثون يوماً لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال))

 لولا أنه بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر، سيد البشر لأنه أنتصر على نفسه، تجد مثلاً شاب يطلق بصره في الحرام، وزميله في الجامعة يغض بصره عن محارم الله، إذا قلت البيئة صعبة بالجامعة لماذا فلان مستقيم ! وفلان منحرف ! معنى ذلك أن هذا اختياره، أما البيئة ثبتناها بيئة فاسدة، يعني نساء كاسيات عاريات في أي مكان، إنسان يطلق بصره في الحرام، وإنسان يغض بصره، أحياناً في مجال لكسب المال الحرام، إنسان يأخذه حراماً إنسان آخر يتعفف عنه، يقول معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين.
إذاً: لولا أن النبي منا من بني جلدتنا، من بني البشر، عاش في بيئتنا، عاش في كل الظروف التي أحاطت بنا، لما كان قدوة لنا.
يعني النبي عليه الصلاة والسلام، ذاق موت الولد، أنا أعرف رجل عنده معمل، وله ابن يحبه كثيراً، مات ابنه، ترك الصلاة وكفر.
النبي عليه الصلاة والسلام، مات ابنه إبراهيم، دمعت عينه قالوا أتبكي يا رسول الله ؟ قال: إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع ولا نقول إلا ما يرضي الرب.
النبي أمتحن بأن زوجته، أوشيع عنها أنها زانية، السيدة عائشة، صبر، إذاً عاين هذه المشكلة، وكان كاملاً فيها.
ذاق الهجرة، إنسان مستقر في بلده له عمل، له مكانة، له معارف، يقتلع من جزروه، يذهب إلى مكان لا يعرفه، ذاق النبي الهجرة.
 ذاق القهر، في الطائف، كذبوه، وسخروا منه، وضربوه قال إلا لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي، ولك العتبة حتى ترضى لكن مع هذا القهر سمح له أن ينتقم، قال يا محمد، إن ربي أمرني أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال لا يا أخي اللهم أهدي قومي إنهم لا يعلمون، ذاق القهر.
 ذاق النصر في مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة، تنظر كلمة من فمه الشريف، نقتلوهم، قال ما تظنوا أني فاعل بكم، قالوا أخ كريم وابن أخ كريم، قال أذهبوا فأنتم الطلقاء، أذقه الله النصر فكان متواضعاً، دخل مكة فاتحاً وذوآبت عمامته كادت تلامس عنق بعيره تواضع لله عز وجل، وعفى عنهم، وذاق القهر فصبر، وذاق موت الولد فصبر، وذاق سمعة الزوجة السيئة فصبر، وذاق الهجرة فصبر وذاق الفقر.
 يعني هلق الشام كم بيت فيها ؟ فيها خمس ونصف مليون يعني إذا كل خمسة ببيت يعني مليون بيت، في بيت ما في سكر وشاي، وقهوة، و جبنه، وزيتون، وبرغل، ورز، وسمنة، قد ما كان فقير، دخل إلى بيته لم يجد شيئاً يأكله قال فأني صائم، ذاق الفقر لأنه إذا أمر الفقراء بالصبر  أنت ما ذقت الصبر يا رسول الله، نحن فقراء، لا، ذاق الفقر، وذاق الغنى، لمن هذا الوادي ؟ قال هو لك واحد سأله لمن هذا الوادي من الغنم ؟ قال هو لك، قال أتهزئ بي قال لا والله هو لك، قال أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخش الفقر، أذقه الله الغنى، وأذاقه الفقر، أذاقه النصر، وأذاقه القهر، أذاقه موت الولد أذاقه حديث الإفك، أذاقه الهجرة، مرض اللهم صلي عليه، سج جبينه، كسرت ثنيته بالجهاد، وأذاقه الخوف مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، أذاقه الخوف أذاقه كل شيء.
لذلك:

 

﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾

 

( سورة الأحزاب: 21 )

 هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾

 من بني جلدتهم، من بيئتهم، بلسانهم، ذاق كل شيء.

 

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾

 الدالة على عظمته.

 

 

﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾

 يدعوهم إلى السمو، إلى الصدق، إلى الأمانة، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم ونسيء الجوار، هي الجاهلية، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحده، ونخلع ما كانوا يعبدوا آبائنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدم.

 

 

﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾

 

 مسلم، كاذب ما في، المسلم صادق، المسلم أمين، المسلم عفيف، المسلم رحيم، المسلم منصف، المسلم متواضع، المسلم يحب للآخرين ما يحب لنفسه هذا المسلم.

﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾

 كيف يزكيهم ؟ بالاتصال بالله عز وجل، لأن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً.

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾

 الدالة على عظمته.

 

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

 منه، أو السنة، العلماء قالوا: الحكمة ؛ أي السنة، السنة بمجملها بيان لما في الكتاب، الكتاب فيه كليات، والسنة فيها التفصيلات، الله قال لك:

 

 

﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾

 

( سورة البقرة: 110 )

 طيب ما نصاب الزكاة، من بينه ؟ النبي، مصارف الزكاة فصل فيها النبي، نصاب الذهب والفضة، نصاب المواشي والأنعام نصاب الذهب، نصاب الركاز، نصاب المزروعات، من بين هذا كله النبي عليه الصلاة والسلام.

 

﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾

 كيف نصلي ؟ كم ركعة ؟ كم فرض ؟ السنة كم ؟ الفرض كم ؟ بينها النبي فالسنة بيان للكليات.

 

 

﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾

 

( سورة النساء: 29 )

 بس ما في غير هي الآية، مائتين حديث يقابلوا هذه الآية بين النبي، فالكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة، من خلال هذه الآية يتضح أن أي دعوة إلى الله، ينبغي أن تنطوي على خمس بنود آيات دالة على عظمة الله، يجب أن تعرف الله من آياته الكونية والتكوينية، لأنك إن عرفت الله من آياته الكونية والتكوينية، ثم عرفت أمره تفانيت في تطبيق الأمر، أما إذا عرفت الأمر فقط ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، بين تتفنن بالتفلت، بين تتفانى في الطاعة.
إذاً:

 

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾

 الاتصال بالله عز وجل.

 

 

﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

 الكتاب القرآن والحكمة.

 

 

﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)﴾

 أي دعوة إلى الله تتجه إلى الأمر والنهي فقط لا تنجح ما عرف الآمر، أي دعوة إلى الله تتجه إلى معرفة الآمر دون أن تعرفهم بالأمر لا تنجح، أي دعوة إلى الله تنهي السمو والتزكية النفسية لا تنجح، أي دعوة إلى الله تكتفي بالقرآن تلغي السنة لا تنجح لابد من آيات كونية، وتكوينية، ولابد من اتصال بالله من أجل التزكية، ولا بد من معرفة في كتاب الله بكلياته، والسنة بتفصيلاتها وأن يكون النبي قدوة منهم.
 في شخص أمامك، شخص مستقيم يمثل هذا الدين، في قدوة وفي آيات دالة على عظمة الله، وفي اتصال بالله ينتهي بالتزكية وفي معرفة كلام الله عز وجل، وفي معرفة السنة، شخص النبي قدوة والآيات الدالة على عظمة الله الكونية والتكوينية، والاتصال بالله من أجل التزكية، ومعرفة كلام الله، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام أي دعوة إلى الله تفتقر إلى أحد هذه العناصر لا تنجح، دعوة ضخمة لكن ما فيها قدوة، خذوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم، مستحيل، كلام مضحك هذا نقول لهذا الذي يقول ولا يفعل، أو يفعل ما لا يقول نقول له لو أن دعوتك صحيحة لطبقتها أنت، لو كنت قانعاً بها طبقتها فإن لم تستطيع تطبيقها لأنها غير واقعية الدعوة، دعوة خيالية، في إحراج كبير جداً، نقول للذي يدعو إلى الله ولا يطبق أمر الله، نقول له أنت حينما لا تطبق أمر الله عز وجل كيف نفسر ذلك ؟ لا تستطيع إذاً أنت ضعيف الإرادة، فكيف تأمرنا أن نطبق هذه الدعوة ؟! هي مستحيلة إذاً لم تدعونا إليها ؟ إما أنها مستحيلة للتطبيق، أو أنك لا تستطيع، إن كنت لا تستطيع إذاً لست أهل أن تكون قدوة لنا، وإن كانت مستحيلة، الدعوة كلها ما في حاجة لها.
لذلك لابد من قدوة، ولابد من آيات، ولابد من اتصال، ولابد من كتاب ولابد من شرح.
هذه ملخص هذه الآية.

 

 

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)﴾

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..