الدرس : 1 - سورة الانشقاق - تفسير الآيات 06 - 15

1988-05-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية السادسة من سورة الانْشقاق، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

(سورة الإنشقاق)

 كم من إنسان خَدَمَ جِهَة ثمَّ خاب ظَنُّه ؟ وكم من إنسان أنْفق ماله وخَسِر ؟ وكم من إنسان أنْشأ علاقات ولم تُثْمِر هذه العلاقات ؟ أيَّةُ جِهَة أرْضِيَّة قد تُخَيِّبُ ظنَّك، وقد توقِعُكَ في الإحباط إلا أنَّ الله عز وجل يقول: أيُّ جُهْدٍ وأيُّ وقْتٍ وأيُّ مالٍ وأيُّ حركةٍ وصِلَة وأيُّ ذهابٍ وإيَّاب، وأيُّ منْعٍ أو إنفاق، وأيُّ صِلَةٍ أو قطيعَةٍ إذا ابْتَغَيْتَ بها وجْه الله فإنَّك سوف تُلاقيها أضْعافاً مُضاعفة، أي تكون تاجِراً مع الله تعالى، والله عز وجل أرادك أن ترْبح عليه أرْباحاً طائلة وإياك أن تُتاجِر مع سِواه فإنَّ خاسِرٌ لا محالة، مهما تاجَرْت مع سِواه ثمَّ جاءك مرض ما يفْعل هؤلاء اتِّجاهك ؟ زيارة فقط ! وإذا مات بِطاقة تَعْزِيَة أكثر من هذا لا يوجد ! أما الله تعالى يقول:

 

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

 

(سورة الغاشية)

 المفروض على الإنسان مادام علاقته مع الله والمصير إليه تعالى عليه أن يُحَسِّن علاقته معه، كثير من المُوَظَّفين لهم ذكاء زائِد، ويُحاول أن يسْتطْلع، من الذي سوف يأتي بعد المُدير الحالي، فإذا عرِفَ من فإنَّهُ يقيم علاقات طَيِّبَة، زيارات وهدايا يقول لك: أُرَكِّز وضْعي معه وهذا منْطق الإنسان الذَكِّي ومنطق الإنسان الذي يبْحث عن مصالِحِه العُلْيا، فأنت مصْلحتك الكبرى مع الله، وممكن أن تُقيم علاقتك معه الآن ؛ علاقة طَيِّبة بِخِدْمة عِباده والنُّصْح لهم وطلب العلم ونشْر العلم وحمْل النفْس على طاعته، لذلك قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

 

[ سورة الانشاق ]

 والله لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لَكَفَتْ ! كلام الواحد الدَّيان وكلام خالق الأكوان، فإذا كان الإنسان مُتْعب ومُرْهق، فإذا مع غير الله كان النَّدَم والإحْباط والخسارة، أحْياناً ينتمي الإنسان إلى جهة بِزَعْمٍ منهم أن يفعلوا له كذا وكذا، فيَسْتَغِلُّوه ثمَّ يرْمونه ! والله أيها الإخوة، الإنسان أحْياناً يُعامل مثل هذا المنديل، تُمْسح به أقْذر عَمَلِيَّة ثُمَّ يُلْقى، قال تعالى

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

 

[ سورة الانشقاق ]

 قال: إنَّ الرجل لَيُطْعِمُ زَوْجته لُقْمةً واحِدة، يراها يوم القيامة كَجَبل أُحد، قال تعالى: يَاأَيُّهَا

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)﴾

[ سورة الصف ]

 إذا كنت عالِماً كنت مِمَّن تاجر مع خالق الكون، ولا يليق أن تكون مع غير الله إن فعَلْت هذا احْتَقَرْت نفْسك، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130)﴾

 

[ سورة البقرة ]

 إذا كنت مع غير الله احْتقَرْت نفْسك لأنَّك ما وَضَعْتها في مُسْتواها فأصْلها أن تكون لله، سألوا عالماً جليلاً من علماء مِصْر، وأثِقُ بِنَزاهتِهم وبُعْدهم عن الدنيا، وعن الِّنفاق، فاضْطَرّ أن يُجْري عَمَلِيَّة فإذا باليوم الواحد فاكْسات ورسائل والهواتف ليل نهار، فأحد المحطات الإخبارِيَّة أجْرت معه حِوار وسألتْه ما هذه المكانة التي أنت فيها ؟ فقال لهم كلمة في مُنتهى الأدب مع الله: قال لهم إنَّني مَحْسوب على الله ! فمهما كنت مُهِمًّا في الدنيا وجاءتْك المَنِيَّة فالتَّعْزِيَة في الدرجة الأولى، وباقات وُرود وأكثر من هذه لا شيء ! أما عند الله تعالى الجِنان إلى أبد الآبدين قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

 

[ سورة الانشقاق ]

 سأعرض عليكم بعض الأمْثلة: سيِّدُنا عثمان جاءَتْهُ ستُّ مائة ناقة مُحَمَّلة بالبضائِع من الشام، وهي تُعادل سِتُّ مائة شاحنة الآن ‍! وكُلُّها له، فجاءه التُّجار، فدفعوا له سِعْر فقال: دُفِعَ أكثر، ورفعوا السِّعْر فطلب أكثر إلى أن طلب سِعْراً غير معْقول، فقالوا: هذه ليْست تِجارة، فقال: من الذي دفع أكثر قالوا: الله تعالى، فقال: هي لِوَجْه الله تعالى ! وكان ذاك العام عام مجاعة، لذلك تاجِر مع الله وبِإخْلاص ومن دون ضَجَّة، والله تعالى يُعَوِّض عليك أضْعافاً كثيرة، قال: من أحَبَّنا أحْبَبْناه، ومن طلب مِنَّا أعطيْناه، ومن اكْتفى بنا عمَّا لنا كنَّا له وما لنا، والله الدنيا أحْقر من أن تُحْرم منها ؛ تأتيك وهي ذليلة، وقد أوْحى ربُّك للدنيا أنَّه من خَدَمني فاخْدُميه، ومن خَدَمَكِ فاسْتَخْدميه ذكرْتُ مثَلاً مِراراً إلا أنَّه يُناسب في هذا المقام، هناك رجل تُوُفِّي رحمه الله تعالى، وكان صاحب دُعابة، وصانِع بالمَحَلّ في الحميديَّة، ويُكَنِّس هذا المَحَلّ ويجْمع القُمامة بِعُلْبة ويلُّفها بِشَريط أحْمر وورق هدايا ولها عقْدة فيأتي واحد غشيم يظنّ أنّ فيها شيئاً ثميناً، ويهرب بها، فبعد أمتار يفْتحها الهارب وهو يجْري فلا يجد شيئاً فيَضْحك عليه هذا الرجل، وكذا حال الإنسان إذا جاءه ملَكُ الموت، ظنَّ أنَّ الدنيا شيء ثمين فإذا هي غثاء لا شيء فيها بِمالها ونِسائِها، فحتى لا يحدث للإنسان خَيْبَة أمَل قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

 

[ سورة الانشقاق ]

 أعمالك كُلُّها تجدها كبيرةً جداً، وأضعاف مُضاعفة.
قال تعالى:

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9)﴾

 

[ سورة الانشقاق ]

 فالكافر كان في أهْله مسْروراً، غارقٌ بالمعاصي والآثام، ويضْحك ملء فيهِ، يقول سيِّدنا عمر عَجِبْتُ لثلاث: عجِبْتُ لِمُؤَمِّل والموت يطْلبه، وضاحِكٍ ملء فيه ولا يدْري أساخِطٌ عنه الله أو راضٍ، وغافل وليس بِمَغْولٍ عنه، فمن كان من أهل الإيمان فسوف يُحاسب حِساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسْروراً، ثمَّ قال تعالى:

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13)﴾

 

[ سورة الانشقاق ]

 يدْعوا بالهلاك، فهذين النموذجين أحدهما أُعْطِيَ الكتاب بِيَمينه، فسوف يُحاسب حِساباً يسيراً، كمن جاء الأوَّل في الدِّراسة، وذهب إلى أهله يضْحك من شِدَّة الفرح، فنقول: إنَّ هذا الطالب انْقلب إلى أهله مسْروراً، أما الطالب الراسب فقد كان يسْهر مع رفاقه بالليل ويضْحكون، والمصير هو الإحْباط والرسوب، لذلك يدْعوا ثُبوراُ أي بِهلاكه، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14)﴾

 

[ سورة الانشقاق ]

 أي لن ينتقل إلى دار المقام، قال تعالى

 

﴿ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (15)﴾

 

[ سورة الانشقاق ]

 فأنت تحت المراقبة قال تعالى:

 

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ(218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219)إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(220)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 فأنت مَكْشوف تماماً، فإذا كنت طاهِراً أحَبَّك الله، وإذا أحَبَّك ألْقى حُبَّ في الخلْق.