الدرس : 2 - سورة البروج - تفسير الآية 10 ، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق .

1998-05-18

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

قال تعالى : قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود .........

 أيها الإخوة الكرام ، الآيات في سورة البروج ، وهي قوله تعالى :

﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾

[ سورة البروج الآيات : 4-7 ]

 هؤلاء الذي حفروا أخْدوداً ووضَعوا فيه المؤمنين وأحْرقوهم ، ما ذَنْب هؤلاء الذين أُلقوا في هذا الأخدود وحُرِقوا قال تعالى :

﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

[ سورة البروج الآية : 8]

 ليْسُوا قَتَلَة وليْسُوا مُجْرمين ، وليسوا قُطاع طُرُق ، ولكنَّ ذَنْبهم الوحيد هو أنّهم آمنوا بالله، لأنَّ المعركة بين الحقّ والباطل معركة قديمة ، وهي معركة مُسْتَمِرَّة ولن تنتهي إلا بِقِيام الساعة ، فَلِذلك لِمن كان مع أهل الحقّ ، وفي خَنْدق أهل الحق ، وخَنْدق المؤمنين ، وهنيئاً لِمَن ساهَمَ بِشَكْلٍ أو بآخر لِنَصْر دين الله ، ونصْر المؤمنين ، وهنيئاً لِمَن دافَع عن مؤمن ، والوَيْل ثمّ الوَيْل ثم الوَيْل لِمَن كان في خنْدق المُعادي ، ولِمَن ساهَمَ بِشَكْل أو آخر في إزْعاج المؤمنين ، وفي إطفاء نور الحق أو الطَّعْن بالدِّين ، أو ضَعْضَعة ثقَةِ الناس بالحقّ .
الحقيقة ، لا بدّ أن تكون مع الحق أو الباطل ، قال تعالى :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50]

 هناك طريقان لا ثالث لهما ، إن لم تَكُن على أحدهما فأنت على الآخر حَتْماً ، والدليل الآية السابقة ، وقال تعالى :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50]

 فلِذلك القَضِيَّة اِثْنَيْنِيَّة لا تحْتَمِل حالاً ثالثة ، هناك ولاء ، وهناك براء ، فالمؤمن الصادق ولاؤه للدِّين والحق والمؤمنين ، والخير والصادقين ويتبرَّأُ من الكُفار والفُجَّار والعُصاة ويَدْعَمُ المؤمنين بِحَرَكَتِه اليَوْمِيَّة ويُدافِعُ عنهم ويُعينهم ، ويُقَدِّم لهم ما يسْتطيع ، ولا يتعاطف مع الساخرين ، ولا يُدافع عنهم ، ولا يَدْعَمُهم لايُثْني عليهم ، لا يوجد حلّ وَسَط ، فالمنافق مُذَبْذَب لا مع هؤلاء ، ولا مع هؤلاء ، أما المؤمن فأمْرُهُ واضِح ، والله تعالى قال :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 6]

 إلا أنَّ صِنْفاً آخر يقول كما قال تعالى :

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآيات : 8-15]

 لذلك القَضِيَّة حاسِمَة ، إن لم تكن مع أهل الإيمان فأنت حَتْماً مع أهل الكفر ، أما الذي يتوَهَّم أنَّه مع هؤلاء ومع هؤلاء ، ويظنّ أنَّهُ ذَكِيًّا فهذا في الدَّرْك الأسْفل من النار ، وهؤلاء هم المنافقون ، والسَّبَب أنَّهم أعْلنوا شيئاً وأبْطَنوا شيئاً آخر ، تركوا شيئاً وفعلوا شيئاً آخر ، لأنَّهم غَشُّوا المؤمنين ، فالإنسان الكافر والمُلْحِد ، والفاجر لا أحد يقتدي به أما الذي يوهِمُ الناس أنَّه مؤمن ، وأنَّه يفْعل فِعْل الكُفار فهذا إنسان غشَّاش لذلك هو في الدَّرْك الأسفل من النار ، ولا يوجد إنسان يجمع بين الحالين ، والمؤمن له لَوْنٌ واحد ، ومن اسْتطاع ان يُرْضِيَ الناس كُلَّهم فَهُوَ منافق .
قال تعالى :

﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

[ سورة البروج الآيات : 4-9 ]

قال تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا .....

 الآن المُؤَيِّد القانوني قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾

[ سورة البروج الآية : 10 ]

 فهذا المؤمن إن أرَدْتَ أن تُلْبِسَهُ تُهْمَةً هو بريءٌ منها ، وإن أرَدْتَ أن تفْضَحَهُ ظلماً ، وإن أرَدْتَ أن تُخيفه ، هل تعرف من هو خَصْمُكَ ؟ الله جلَّ جلاله ، والدليل خِطاب الله عز وجل لِزَوْجَتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

[ سورة التحريم الآية : 4 ]

 هل يُعْقل أن نسْتَنْفِر القُوَّات البحرِيَّة والجَوِيَّة لامْرأتَيْن ؟ ما معنى هذه الآية ؟ الله تعالى يُخاطب زَوْجتَين ، قال تعالى :

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

[ سورة التحريم الآية : 4 ]

 قُلْتُ لأحَدِهم : كُلّ هؤلاء العباد عِباد الله وعِياله ، فإنْ أرَدْتَ أن تُؤْذِيَهم أو أن تبْتزَّ أموالهم ، او أن تُخيفهم ، فالله قد يبتليك بالسَّرطان أو خثرة بالدِّماغ ، وتشَمُّع بالكَبِد أو فَشَل كبدي ، وأمراض تُعويك مثل الكلب ، أمراض الأورام الخبيثة بالأحْشاء لا تُحْتَمَل ، وكُلُّ هؤلاء عباد الله وكُلُّهم خَلْقُه ، فإذا أرَدتَ أن تُخيفَهم أو تبْتَزَّ أموالهم ، أو أن تُؤْذِيَهم فإنَّ خَصْمَكَ هو الله .
 أحدهم يطوف حول الكعبة ، وهو يقول : ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل ؟! وراءه رجل قال له : يا هذا ما أشد كلامك ويأسك من رحمة الله ؟ قال له : ذنبي عظيم ، قال له : ما ذنبك ؟ قال له : كنت جندياً في قمع فتنة ، فلما قُمعت أُبيحت لنا المدينة ، فدخلت أحد البيوت فرأيت فيه رجلاً ، وامرأة ، وطفلين ، قتلت الرجل ، وقلت لامرأته : أعطيني كل ما عندك ، أعطتني كل ما عندها ، فقتلت ولدها الأول ، ولما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة - من الذهب - ، أعجبتني أيما إعجاب ، تأملتها ، تفحصتها فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ ، البيتان:

إذا جار الأمير وحــاجباه  وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويل ثم ويل  لقاضي الأرض من قاضي السماء

 قبل أن تُفَكِّر في إذْيَةِ مؤمن ، أو أن تُلْبِسَه تُهْمة ، أو تُشَوِّه سُمْعَتَهُ أو تبْتَزَّ ماله فَهَل تعْلم من هو خَصْمُه ؟ من أمْرُكَ كُلُّهُ بِيَدِه ؟ الشريان بِيَدِه ، وكذا الكلية ـ والخثرة بالدِّماغ ، وزَوْجتك بِيَده ، فقَبْل أن تُؤْذي عليك أن تعُدَّ للمليون ؛ من هو الطرف الآخر ، فمعنى هذه الآية أنّ أيَّ إنسان فكَّر أن يُؤْذي ، عليه أن يعلم من هو الطرف الآخر ! هل تستطيع أن تؤذي شرْطِيًّا ؟ قد تكون أقوى منه الآن ، إلا أنَّ هذا الأخير وراءه الدَّولة كلَّها ، أليس كذلك ؟ تَعُدُّ للمليون كي تتكَلَّم معه ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾

[ سورة البروج الآية : 10 ]

 عليك أن تُدافع على المؤمنين ، لذلك كُل إنسان يقتل مؤمناً مُتَعَمِّداً فجزاؤه جهنَّم خالداً فيها ، وأن تكون أداة وَصْل ، تُدافع عن المؤمنين وتُعينهم وتُطَمْئِنُهم ، وأَدْخِل عليهم السرور ، هذه هي مُهِمَّة المؤمن ، عُدَّ للمليون قبل أن تُفَكِّر في إذْيَة المؤمن .
قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

[ سورة البروج الآيات : 11-12 ]

 إذا الله تعالى بَطَش شيء يُحَيِّر العُقول ، قال لي أحدهم مرض وبيت بالأُجرة ، ودَعْوة إخلاء ، وليس معه مال للدواء ، ناهيك أن يأكل ، وأولاده عاقُّون ، مِن كُلّ الجِهات ، وذكر لي أحدهم : عندي مرضين ؛ مرض القلب ، ومرض المعدة ، فدَوَاء المعِدَة يُؤذي القلب ودواء القلب يُؤذي المعِدَة ! إنَّ بطْش ربِّك لشَديد ، وأحدهم دخل الحديد في رأسه بِحادِث ؛ لأنَّه قبل ثلاثين يوما ظَلَم إنسان ظُلماً غير مَحْدود .
 ثمَّ قال تعالى :

﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾

[ سورة البروج الآيات : 13-14 ]

 هذه الآيات نشْرحها غداً إن شاء الله .