الدرس : 3 - سورة البروج - تفسير الآية 14 ، الغفور

1998-05-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة البروج، وهي قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

[سورة البروج]

 الغفور صِيغة مُبالغة، فهناك رجل غافِر، على وزْن فاعِل، وصيغة اسم الفاعل هذه من الفِعْل الثُّلاثي، غَفَرَ يغْفِرُ غافِر، أما إذا كان الإنسان شديد المغفرة وكثير المغفِرَة فإنَّنا نسْتخْدِم اسم فاعل مُبالغ به على وزْن فعول، ووزْن فعيل وكذا فاعول، وفَعِل، هناك ما يقرب من عَشْر صِيَغٍ لِمُبالغة اسم الفاعل ؛ مِن هذه الصِّيَغ وَزن فَعُول، قال تعالى:

 

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾

 

[سورة البروج]

 ما معنى أن يكون اسم الله تعالى مُبالَغاً في صيغته ؟ قال العلماء: إذا بولِغَ باسم الفاعل كاسمٍ من أسماء الله الحُسنى كان معنى ذلك أنّ الله تعالى شديد المَغْفِرَة ؛ لِمَعْنَيَيْن: نوْعاً وعدداً، عدداً فلو كان لك مليون ذَنْب، واسْتَغْفَرْتَ الله فإنَّك تجده غفَّاراً، أما نوعًا كما قَتَل تِسعاً وتِسْعون إنسانا، وسأل أحد الكَهَنَة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ألِيَ تَوْبَة ؟ فقال: لا، فأتَمَّ به المائة ! ثُمَّ أخْبَرَنا النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ لِهذا الإنسان مَغْفِرَة، فأوَّلاً تتَّسِعُ مغفرة الله تعالى لِكُلِّ ذَنْب ولِملايين الذُّنوب وتتَّسِعُ لأكبر ذَنْبٍ يَخْطُر بِبَالك شَرْط أن تتوب إليه إذا رجَعَ العبد العاصي إلى الله نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلاناً فقد اصْطَلَح مع الله، والنُّقْطة الدقيقة أنَّ الله تعالى يقول:

 

﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

 

[سورة الزمر]

 ليس الخِطاب مُوَجَّهٌ إلى العُصاة وإنَّما لِمَن أسْرف في المَعْصِيَة، لا تقْنَطوا من رحْمة الله، قال تعالى:

 

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾

 

[سورة الحجر]

 وإذا قال العَبْد: يا ربّ، وهو راكِع، قال الله: لبَّيْك يا عَبْدي، وإذا قال: يا ربّ، وهو ساجِد قال الله له لبَّيْك يا عبدي، فإذا قال العَبْد يا ربّ وهو عاصٍ، قال الله له، لبَّيْك ثمَّ لبَّيْك ثمَّ لَبَّيْك ! هل تتصَوَّر أنَّ خالق الأكوان يفْرَحُ بِتَوْبَتِك ؟ للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد، تصَوَّر أنَّه معك سَنَد بِخَمْسة مائة ألْف، وضاعَ منك، واْنتَبَه صاحِب السَّنَد، فقال لك: اِعْطنيه، وخُذ المَبْلَغ ! ثمّ بعد عناءٍ وَجَدَتْه، فكيف يكون فَرَحُك ؟! إنسان عقيم وغَنِيّ، ويتمنَّى ولَد فإذا امْرأتُه حامِل، كم فَرَحُهُ ؟ وإنسان على وَشَك الموت عطَشاً ورأى الماء ! للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد وهذا الذي رَكِبَ ناقَتَهُ لِيَجْتاز الصَّحْراء، وعليها طعامه وشرابه، جلس لِيَسْتريح تحت ظِلّ النَّخْلة فلما أفاق لم يَجِد الناقَّة فأيْقَن بالهلاك، فَبَكى حتى أدْرَكَهُ النُّعاس فأفاق فإذا به رأى الناقة، ومن شِدَّة فرحِه قال: يا ربّ، أنا ربُّك وأنت عبْدي ! يقول عليه الصلاة والسلام: للَّه أفرحُ بِتَوْبة عبْده من ذلك البَدَوي من ناقته ! وإذا تاب العبْد توْبَةً نصوحا أنْسى الله حافِظَيْه، والملائكة كُلَّهم وبِقاع الأرض خطاياه وذُنوبَه، والصُّلح بِلَمْحَة وإذا تاب الإنسان - صَدِّقوني أيها الإخوة - يشْعُر كأنَّ ثِقْلاً كالجبل أُزيح عنه، واله عز وجل يُشْعِرُه أنَّهُ قَبِلَهُ، وعفى عنه، أما عَلِمْتَ يا مُعاذ أنَّ الإسلام يهْدِمُ ما كان قبله والهِجْرة تَهْدِمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجّ يهْدِمُ ما كان قبله، ومن وقَفَ في عرفات، ولم يغْلِب على ظَنِّه أنَّ الله تعالى قد غفَرَ له فلا حجَّ له، لا بدّ أنيغلبَ على ظَنِّك أنَّ الله تعالى قَبِلَك واجْتباك والتَّوبة بِيَدِكم أيها الإخوة وما عليك إلا أن تقول: يا ربّ، تُبْتُ إليك ومِن خِلال خِبْرَتي المًتواضِعَة في الدعوة إلى الله رُبْع قرْن أكثر من عشْرة أشْخاص قالوا بالحَرْف الواحِد: أُسْتاذ لا يوجد ذَنْب يُمْكن أن تتصَوَّره لم نفْعَلْهُ ! والله عز وجل قَبِلَهم، فهذه قَضَتْ عُمْرَها بالرَّقْص فتابتْ وتَحَجَّبَت وتنقَّبَت بِمِصْر، ومُديرة التلفزيون هناك تعرضلها كُلّ أسبوع فِيلْم نِكايَةً لِحِجابِها أنا أُعْطيكم أمثلة ناطِقة، مهما كان الذَّنْب كبير فإنَّ الله غفور، صيغة مُبالغة ؛ إنسانة تُتاجِر بِجِسْمِها تابَتْ فتاب الله عليها، وكذا قاتِل وزاني فالله تعالى ينتظرك، لو يعلَمُ المُعْرِضون انْتِظاري لهم، وشَوْقي إلى تَرْك معاصيهِم تقطَّقتعَت أوْصالهم من حُبّي ولماتوا شَوْقاً إليّ، هذه إرادَتي للمُعْرِضين فَكَيف بالمُقْبِلين ؟ أحدهم ناجى ربَّه فقال: يا ربّ، إذا كانت رَحْمتُك ولُطْفُك بِمَن قال: أنا ربُّكم الأعلى ماذا قال فرعون لموسى قال تعالى:

 

﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(17)﴾

 

[سورة النازعات]

 فَكَيْفَ رَحْمتك بِمَن قال: سبحان ربِّيَ الأعلى ؟! إذا كانتْ رحْمتك بِمَن قال: ما أرى لكم من إلهٍ غيري فَكَيْفَ رحْمتك بِمَن قال: لا إله إلا الله فمادام القلب ينبض فالنَّجاة حاصِلَة، ومادام نُمُوّ الخلايا طبيعي فباب التوبة مَفْتوح، ما دام الدم فيه سُيولة فباب التوبة مَفْتوح، فإذا أصبح بالدَّم جَلطة أو ضاق الشريان أو نَمَتْ الخلايا عَشْوائِيًا، كانت المُشْكلة، لذلك أيها الإخوة، عليكم باغْتِنام الصِّحَة، واغْتَنِم خَمْسًا قبل خَمْس، شبابك قبل هَرَمِك، وصِحَّتك قبل سَقَمِك، وفراغك قبل شُغْلِك، وحياتك قبل موتِك، والتوبة تنْعَقِدُ بِكَلِمة واحِدة، يا ربِّ تُبْتُ إليك، ويقول سبحانه وتعالى: وأنا يا عبْدي قَبِلْتُ قال تعالى:

 

﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

 

[سورة الزمر]

 والله عز وجل يُغَطِّي لك الماضي كُلَّهُ بالمَغْفِرَة والمُسْتَقْبل بالطُمأنينة فالماضي مَغْفورةٌ ذُنوبه والمُسْتَقْبل مضْمونَةٌ حوادِثَهُ، قال تعالى:

 

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)﴾

 

[سورة البقرة]

 والله تعالى ما أمرنا أن نسْتَغْفِرَهُ إلا لِيَسْتغْفِرَ لنا، وما أمَرَنا أنْ نَدْعُوَهُ إلا لِيَسْتجيب لنا، وما أمَرَنا أن نسْتعين به ؛ إياك نعبد وإياك نسْتعين إلا لِيُعيننا ووَسِعَت رحْمة الله كُلَّ شيء.
قالوا: مَرَّةً دعا سيّدنا موسى الله تعالى بِالسُّقْيا، حين قحَطَت الأرض وجفَّتْ، فناجى ربَُّ بالسُّقْيا، فقال الله: يا موسى إنَّ فيكم عاصِيًا ! فَغَضِبَ سيِّدُنا موسى وقال لِقَوْمه: من كان فيكم عاصِيًا فلْيُغادِرْنا، ثُمَّ هَطَلَت الأمْطار ولم يُغادِر أحد المَجْلس ! فسأل موسى ربَّه: من هذا العاصي يا ربّ ؟ فقال له: عَجَبًا لك يا موسى ‍، أسْتُرُه وهو عاصٍ وأفْضَحُهُ وهو تائِب ! والله تعالى يسْتُر وشُعور التائب لا يوصف ولو جاء الموت، قال تعالى:

 

﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)﴾

 

[سورة آل عمران]

 إلا أنَّ العِبْرة أن نموت على الإيمان وعلى الطاعة، لا أن نموت ونحن على الهوائي المُقَعَّر ! وقد حدث هذا، فالعِبْرة أن يراك تائِبًا ومُنيباً وطائِعاً وأن يراك مُحِبًا، والتوبة لها ثلاثة شُروط: عِلْمٌ وحال وعمَل فإذا أنت لم تَحْضُر مَجْلِس العِلْم، كيف تعرف أنَّك مُذْنِبٌ ؟! إذا كان الواحد ضغْطه ثمانية عشر فاصل اثنى عشر ! مُهَدَّد بِفَقْد البصر، وبِجَلْطة في الدِّماغ وبأمراض وبيلة، فكيف يُعالِج هذه الأمراض إن لم يعْلم أنَّ ضَغْطه مُرْتَفِع ؟! والضَّغْط ليس له أعراض وقلَّما يكون له أعْراض فأنت تُعالِجُ ضَغْطك إذا عَلِمْتَ أنّه مُرتفِع، وكذا دروس العِلْم ؛ هذه البِضاعة حرام، وهذا الكَسْب غير مَشْروع، ووَضْعُ زوْجتِك غير صحيح، وهذا البيْت مُغْتَصب، فأنت كيف تعرف الحلال والحرام إن لم تتعَلَّم أحكام الفِقْه وكتاب الله وسُنَّة رسول الله، فالتوبة عِلْم، فإذا كان هناك عِلْم ينْشأ النَّدَم والحال، وإذا كان هناك حال كانتهناك ثلاثة أعْمال: الماضي بالإصْلاح والحاضِر بالإقْلاع، والمُسْتَقْبل بالعَزيمة، وحاجة الناس إلى العِلْم كحاجَتِهم إلى الهواء، والإمام مالك يقول: حاجة الناس إلى العِلْم أشَدُّ من حاجتِهم إلى الأكل والشراب، لأنّك أنت تأكل في اليوم مرَّتَين أو ثلاثة، أما في الطريق فهناك مائة امرأة ! فإن لم تغضّ بصَرَك وَقَعْت في مُشْكلة، وإن لم تَضْبِط لِسانَكَ وَقَعْتَ في الغيبة والنَّميمة، وسُخْرِيَة والعين والفم واليد، فإذا لم يعرف الإنسان الشَّرْع، كيف يتوب إلى ذَنْبِهِ وكآخِر فِكْرة أعْتَقِد أنّ أربعاً أو خمْسة آيات، قال تعالى:

 

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(119)﴾

 

[سورة النحل]

 افْتح المُعْجم في كلمة بعدِها، تجِد أنَّ الله غفور رحيم ولكن بِشَرْط، وهو بعد التوبة والإيمان والعَمَل الصالِح، تابوا فتاب عليهم، وهناك تاب الله عليهم لِيَتوبوا ؛ شيءٌ يُحَيِّر ! فَتَوْبَةُ الله مِن قبل أم مِن بعد ؟ قال: تابوا فتاب الله عليهم، أي تابوا فَقَبِلَ الله توْبَتَهم أما تب الله عليهم أي ساق لهم من الشدائِد ما يَحْمِلُهم بها على التوبة، وشُعور التوبة شُعور لا يُقَدَّر والآية هذه واضِحَة والصُّلْح بِلَمْحَة والله غفور رحيم، قال تعالى:

 

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾

 

[سورة الحجر]