الدرس : 2 - سورة التكاثر - تفسير السورة بكاملها

1998-07-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، في سورة التكاثر حقيقة خطيرة، وأنَّ في حياة الإنسان شيئًا ثمينًا، وفي حياتِهِ شيئًا خسيسًا، ما هو اللَّهو ؟ أنْ تشْتغل بالخسيس عن النَّفيسِ، فَرَبُّنا عز وجل خلق الإنسان لِجَنَّةٍ عرْضُها السماوات والأرض، فهو في الدنيا يلْهو لِجَمْع المال، أكثر الناس إذا تجاوَزُوا كسْب الرِّزْق انْتَقَلوا إلى الجَمْع ؛ حاجاتُهُ مَحْدودة، والإنسان يُعَدُّ رِزْقُهُ ما انتفَعَ به حصْرًا، فالطَّعام الذي يأكله والثِّياب التي يَرْتديها والبيْتُ الذي يسْكُنُه، وزوْجته وأولادُه هؤلاء رِزْقهُ، أما حجْمُهُ المالي على الورَق فهذا كَسْبُهُ، ومُشْكِلَةُ الكَسْب أنَّ الإنسان لم ينْتَفِع به ولكنَّهُ مُحاسَبٌ عليه، أغْلَبُ الناس بعد تجاوَزَ مرحلة الكسب ينتقل إلى مرْحلة الجَمْع والتَّنافس والتَّكاثر إلى أن يُصْبِحَ عبْدًا للمال، وإلى أن يخْسَرَ هذا في ثانِيَةٍ واحِدَة، فإذا هو في نَدَمٍ شديد ولاتَ ساعَةَ مَنْدَم، فالله عز وجل يُخبرنا ويُقَرِّعنا، فقال تعالى:

﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾

[سورة التكاثر]

 ألهاكم عن معرفة ربِّكم، وعن طاعتهِ، وعن العمل بالآخرة، وأيّ إنسانٍ إذا سألْتَهُ لمَ لا تأتي إلى درْس العِلْم يقول لك: مَشْغول ! ما هو الشُّغْل الذي يَصْرِفُكَ عن سرِّ وجودك، وعن غاية وُجودِك ؟ وعن معرفة ربِّك ؟ وما معنى قول المؤذِّن: الله أكبر ؟! فالله أكبر مِنْ أيِّ شيءٍ بين يَدَيْكَ، ومِن أيِّ صَفْقَةٍ رابِحَة، ومِن أيِّ مَغْنَمٍ كبير ؛ الله أكبر، لذلك كان النبي وأصحابه إذا سَمِعوا الأذان انْصرَفوا إلى تَلْبِيَة النِّداء فَرَبُّنا عز وجل يقول:

 

﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾

 

[سورة التكاثر]

 التنافس على الدنيا، وجمْع المال، فالتَّنافس مَحمود إذا كان في الآخرة، قال تعالى

 

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾

 

[سورة المطففين]

 وفي ذلك لكنَّه مَذْموم إذا كان على الدنيا، فالطَّعامُ مَحْدود، والمعِدَة لها حجْم، وترْتدي في وقت واحِدٍ ثوْبًا واحِدًا، وتنامُ في وقتٍ واحِدٍ على سرير واحِد، وتجلس في بيتٍ واحِدٍ في وقتٍ واحِد وتركب مركبةً واحِدة، فمهما كان حجْمُكَ المالي فاسْتِهْلاكُكَ مَحْدود، بل إنَّك إن أسْرَفْتَ في الشَّهوات دَفَعْتَ الثَّمَن باهِظًا، فهناك أمراض كبيرة جدًا تتأتَّى من الإسْراف، قال تعالى:

 

﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾

 

[سورة التكاثر]

 أي اشْتَغَلْتُم بالخَسيس عن النَّفيس، إنسانٌ غاص البحْر وتجشَّم صُعوبة الغَوْص، وبين أيْديهِ اللآلئ فجَمَع الأصْداف وترك اللآلئ، فاللؤلؤة الواحِدَة بِخَمْس مائة ألف، نقول له شَغَلَتْكَ الأصداف عن اللآلئ ! إنَّك خاسِرٌ لا محالة، فَكُلّ إنسان يؤثِر الدنيا على الآخرة، والمال على حب الله، ويؤثِر جلْسَةً لا تُرضي الله على مجلس فيه طاعة الله، وحديثًا فارِغًا عن ذِكْر لله عز وجل، ويؤْثِرُ أن يُتابِعَ مُسَلْسَلاً لا معنى له، تافِه، وكُلّهُ خيانات على طلب العِلم ومُجالسَة الصالحين.
ماذا بعد هذا الجَمع ؟ وبعد هذا الحجم المالي الكبير ؟ والرَّقَم الفلكي لِثَرْوَتِك ؟ قال تعالى:

 

﴿ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾

 

[سورة التكاثر]

 فلا بدّ مِنْ نَعْوَةٍ تُلْصَقُ على الجُدْران، قد يُكتب في نعْيِه درجته العِلْمِيَّة ولكن ما مصير هذا الإنسان بين يدي الواحد الدَّيان وهو في القبر ؟ ماذا ينفعُهُ في القبر إلا عمله ؟ لو أنَّ إنسانًا مَدَحَتْهُ الخلائقُ كُلُّها ولم يكن الله راضِيًا عنه لا ينْفَعُهُ مديحُهم شيئًا ! لا ينفَعُكَ إلا أن يكون الله راضِيًا عنك، فالله تعالى قال:

 

﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾

 

[سورة التكاثر]

 يقول الله بعد هذا: "كلاَّ " أداة رَدْع ونهي، لا تفْعلوا ذلك ! قال تعالى:

 

﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾

 

[سورة التكاثر]

 كلا، ردع و زجر، سَتَعْلمون أنَّكم خاسِرون، كلاَّ سوف تعلمون عند نُزول القبر، وكلاَّ سوف تعلمون يوم القيامة، تُرَفْرف روح الميِّت فوق النَّعْش وتقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلْعَبَنَّ بِكُم الدنيا كما لَعِبَتْ بي جَمَعْتُ المال مِمَّا حلَّ أو حرُم، فأنْفَقْتُهُ في حِلِّه وفي غيْر حِلِّه، فالهناء لكم والتَّبِعَةُ عليّ، فكلاّ سوف تعلمون في الدنيا، وكلا سوف تعلمون في الآخرة، وكلاّ سوف تعلمون عند نُزول القبر، وكلاَّ سوف تعلمون يوم القيامة، فالميِّت يرى مكانه من النار في القبر فيَصيحُ صَيْحَةً لو سَمِعَها أهل الأرض لَصُعِقُوا، والمؤمن يرى مكانَهُ في الجنَّة، فيقول: لم أرَ شَرًّا قطّ !
قال تعالى:

 

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾

 

[سورة التكاثر]

 واحدٌ راكب مرْكبةً فخْمَةً في طريق جميل، عن يمينِهِ وشمالِه حدائق غنَّاء، والسيارة منطلقة، والنَّسيم يُداعِبُ وَجْههُ، وهو مُبْتَسِمٌ ويَضْحك ويَمْزَح، فإذا علِمَ عِلْمَ يقين أنَّ مِكْبَحَهُ مُعَطَّل، وأنَّ هذا الطريق الهابِط ينتهي بِطريق حادّ يُوَلْوِل !: قال تعالى:

 

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾

 

[سورة التكاثر]

 لَتَرَوُنَّ هذا البيت الفَخْم الذي اغْتُصِبَ مِن أصْحابِهِ جحيمًا، ولَتَرَوُنَّ هذه التِّجارة الرابِحَة التي بِضاعَتُها مُحَرَّمة، لَتَرَوُنَّ هذا المَبْلغ الكبير الذي أُخِذ بطريقةٍ غير مَشْروعة جحيمًا، فالذين يفْرَحون بالحرام هم حَمْقى لو عرفوا أنَّهم سَيُحاسَبون لرأوا هذه المكاسِب جحيمًا.
علم اليقين في الدنيا، أما حينما تُعايِنُ عذاب القبر في القبر، قال تعالى:

 

﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)﴾

 

[سورة التكاثر]

 عِلْمُ اليقين، وعَيْنُ اليقين، فالأوَّل اسْتِنتاجي، أما الثاني فَشُهودي.
قال تعالى:

 

﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾

 

[سورة التكاثر]

نِعْمة الصِّحة كيف اسْتُعْمِلَتْ ؟ أفي الاسْتِرخاء والتَّوَطِّي أم في طاعة الله ؟! ليس عندك غَسْل كلاوي، ولا زرْع دسَّام، ولا مرض خبيث في الدمّ، ولا مشكلة أبدًا، فالصِّحة كيف اسْتغلْتها ؟
 نِعْمة الفراغ ؛ من الرابعة مساءً إلى العاشرة ! أين أمْضَيْت وقتَكَ هذا ؟ باللَّعِب والنَّرْدشير، ومُتابَعَة المُسَلْسلات، هذا الوقت الفراغ سوف نبْكي عليه دَمًا، نُسْأل عن وقْتِنا، وصِحَّتِنا، وكذا نِعْمة الأَمْن فلَسْنا مُلاحَقين، ما فَعَلْتَ بهذه النِّعْمة، ونِعْمة الكِفايَة، كيف أنْفقْتها ؟ لك مال يُغَطِّي نفقاتِك، فالله عز وجل أعْطانا نِعْمة الصِّحَة، ونِعْمة الفراغ ونِعْمة الأمْن، بل إنَّ بعض المُفَسِّرين قالوا: لتُسأَلُنَّ عن كأس الماء البارِد ! هل حَمِدْتُم الله عليه ؟ لك بيتُ وزوْجة وأولاد وصِحَّة طيِّبة ووقْتُ فراغٍ، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾

[سورة التكاثر]

 يقول الله عز وجل لِبَعْض عِباده يوم القيامة: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ قال: يا رب لم أُنْفق منه شيئًا مخافَةَ الفقْر على أولادي من بعدي، قال ألم تعلم أنِّي أنا الرَّزاق ذو القوَّة المتين ؟ إنِّ الذي خشيتَهُ على أولادك مِن بعدِك قد أنْزَلْتُهُ بِهم، ويسأل عبْدًا آخر: أعْطَيْتُكَ مالاً فما صَنَعْتَ فيه ؟ يقول له: يا رب، أنْفَقْتُهُ على كُل محتاجٍ ومِسْكين لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافِظًا وأنت أرْحَمُ الراحِمين، فقال: يا عبْدي، أنا الحافظ لأوْلادِك مِن بعدِك.
سورةٌ دقيقة جدًا، قال تعالى:

 

﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾

 

[سورة التكاثر]

 رجل أنْشأ قصْر بِحَلَب، وكان تاجِرًا كبيرًا، وأنا رأيْتُ هذا القَصْر، وهذا في سنة الأربع والسَّبْعين، وحينها كان يُكَلِّف خمسةً وثلاثين مليون !! أما الآن فهذا القصْر يُكَلِّف ثلاثمائة وخمسين مليون !!! وكان طويل القامة، مات في الثانِيَة والأربعين، وُضِعَ في قبْرٍ قصير فاضْطُرَّ الحفَّار أن يدْفعَهُ مِن رأسِه حتَّى أصْبَحَ رأسُه مُعْوجًّا !! ورأيْت أعْرَق مطْعم في الولايات المُتَّحِدَة، فقيل لي أنَّ صاحِب هذا المطْعم ذهَب مع زوْجتِه في نزْهة بَحْرِيَّة وغابَتْ أخْبارُهُ، أطْعَمَ الناس أربعين عامًا أفْخَرَ أنواع السَّمَك وأكلَهُ السَّمَك !! لذا مهما عَلَوت إلا والموت ينتظِر، ماذا بعد جَمْع المال ؟ القبر، وماذا بعد بُلوغ أعلى المراتب ؟ القبر، وماذا بعد الاسْتِمتاع بِكُلّ أنواع اللَّذات والشَّهوات ؟ القبر سبحان مَن قَهَر عِبادَهُ بالموت ! وكُلُّ مَخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العِزَّة والجبروت

 

والليل مهما طال فلا  بد من طلوع الفجْر
والعمر مهما طال فلا  بدّ من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طالتْ سلامة  يومًا على آلة حدْباء مَحْمولُ
فإذا حَمَلْتَ إلى القبور جنـــازَةً  فاعْلَم بأنَّك بعدها مَحمــول.