الدرس : 1 - سورة القلم - تفسير الآيات 17 - 33 ، تأديب الله لعبده

1998-01-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ربنا جل جلاله في سورة القلم روى لنا قصة أصحاب الجنة فقال تعالى:

 

﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)﴾

 

[ القلم: الآية 17 ]

 أصحاب البساتين وأصحاب البساتين والمزارع

 

﴿ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)﴾

 أيْ يقطِفون ثِمارها مُصبحين

 

 

﴿ وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)﴾

 لا يعطون منها شيئاً للمساكين

 

 

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19)﴾

 لعلها موجة صقيع لا تُبقي ولا تذر ؛ لاحظ العلاقة بين النِّيَة والسلوك "

 

 

﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)﴾

 مباشرة

 

 

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)﴾

 وكأنها قُطِفَتْ لا شيء فيها ولا فاكهة ولا هم يحْزنون فعقدوا اتِّفاقاً بينهم "

 

 

﴿ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)﴾

 أيْ صباحاً "

 

 

﴿ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22)﴾

 اليوم جَنْيُ القطاف وتجميع الثمار وبيْعِها وتخزين أثمانها بالصناديق "

 

 

﴿ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23)﴾

 أرادوا أنْ يقْطِفوا الثِّمار بعيداً عن أعْيُن الفقراء فَبَكَّروا

 

 

﴿ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)﴾

 بُخلٌ وشُحٌّ " وغَدوا على حرْدٍ قادرين فلما رأوْها " قالوا هذه ليْست بساتيننا إنا لضالون تأكدوا أن البناء نفسه إلا أن الثمار منعدمة

 

 

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)﴾

 ثم أدركوا أنّ الله أتْلف محاصيلهم

 

 

﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)﴾

 أيْ أقربهم إلى الله

 

 

﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)﴾

 لو سبَّحْتم الله عز وجل لكان قلبكم رقيقاً ولأطْعمْتم المساكين ولكن حينما ابْتعدتم عن الله قسى قلبكم وأردتم هذه الثروة وحدكم

 

 

﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)﴾

 كلٌ يُنيح باللائمة على أخيه "

 

 

﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) ﴾

 

﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)﴾

 إتْلاف المحصول والخسارة الكبيرة كانت سبباً في عَوْدتهم إلى الله وسبباً في توْبتهم ومُحاسبة نفْسهم وفي إقْبالهم وندمهم مغزى القصة في كلمة واحدة قال تعالى:

 

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

 أيْ أيُّ عذابٍ يسوقه الله تعالى لِعِباده في الأرض من هذا النوع وليس هناك في الأرض شرٌ مطلق شرٌ للشر لا وُجود له بل إنّ وُجود الشر للشر يتناقض مع وُجود الله قال تعالى:

 

 

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

 الإعزاز خير والإذلال خير والإيتاء خير والمنع خير والأشياء الإيجابية نِعَمٌ ظاهرة والمصائب نِعَمٌ باطنة فالعطاء عطاء والمنعُ عطاء وربما كان المَنْع عين العطاء منعك لِتَلْتَفِتَ إليه ومنعك كي تتذكَّره وكي تُحاسب نفسك وتُقبل إليه ولِيَسْمع صوتك بالليل ولكي تُوَحِّده لذلك المصائب لها حِكَم اُنظر ضاع منهم محْصول وثمنه كبير لكنهم

 

 

﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31)﴾

 أيْ كنا في طغيان كبير

 

 

﴿ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)﴾

 لولا هذا التأديب لما كان هذا الكلام ولولا هذه الشِدَّة لما كانت هذه الشَدَّة ولولا هذه المَحْنَة لما كانت هذه المِنْحَة لذلك قد تجد أن تسعين بالمائة من توبة المؤمنين هي تربية الله لهم والتضييق الذي أحاطهم به والشدة التي ساقها لهم والخوف الذي بثَّهُ في روْعهم، فكلمة

 

 

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

 أيْ أيُّ عذابٍ على وجه الأرض مُوَظَّفٌ للخير هو فيما يبْدو شر إتلاف المحصول شر وإتلاف مال تاجر شرٌ كبير إذْ يُصبح في الوحْل لكنه ما كان يُفكِّر بالصلاة في حياته ؛ مالٌ وقوة ومَنَعَة ومكانة وأُبَّهة وعظمة وما قال: يا رب ولكن لما فلّس قال: يا رب على كلٍّ الإنسان إذا أتى الله على قُوَّتِه غناهُ وصِحَّتِه فهذا شيء رائع جداً وإذا أتاه بعد المصيبة هذا كذلك شيء جيّد لا بد من أن تأتيه، قال لي مرةٌ أخ مُداعِباً: ما مُلخّص دعْوتك ؟ وقلتُها له بالتركيب العامي: إما أن تأتي مُسرعاً وإما أن يأتي بك مُسْرعاً فهذا مُلخّص الملخص والله عز وجل يعرف كيف يُعالج ويعْرف المنطقة الحَرِجة والمؤلِمة والتي تفْزع منها " كذلك العذاب " شابٌ وزوْجته شاردان ومُتَفَلِّتان معهم المال والغنى والجمال ومن مكانٍ إلى مكان ومن نزهة إلى أخرى لا يُصلون ولا يصومون ولا... عندهم فتاة صغيرة ملكتْ قلوبهم لِجمالِها وروْعتها وأُصيبتْ بِمَرض خبيث فصاروا من طبيب إلى طبيب ومن تحليل إلى آخر ومن مستشفى إلى مستشفى مما جعلهم يأخذونها إلى بريطانيا فاضطرّ أبوها وأُمُّها أن يبيعا بيتهما الوحيد لِيُعالِجاها ؛ فجاءَتهم خاطِرة ولعلها خاطرة ملَك لو أنَّكم تُبتم إلى الله لعل الله يشْفيها فتاب الأب والأم فصارا يصليان والأم تحجَّبَتْ وعاهدا ربهما على الطاعة والتوبة والاستقامة فتراجع هذا المرض شيئاً فشيئاً وهذا الأخ من أصْدقائنا بعد سبْع سنوات دُعيت إلى عقد قِران فألْقَيْتُ كلمة ثم قلتُ له: هي هي فقال: هي هي تلك البنت التي كانت سبباً في إنابة والِدَيها إلى الله فهذا المرض مُخيف ولكن مُحَصِّلته ؛ فبعْد أن كانا مُتَفَلِّتين صار مُلْتزِمين وبعدما كانا شقِيِّن صارا سعيدين وكانا مُعْرضَيْن فصاراَ مُقبِلَين وكانا مُسيئين فصارا مُحسنين كلّ هذا عن طريق هذا المرض لذلك يجب أن تعلم عِلْم يقين أنّ وراء كلِّ مصيبة حِكمة قد تعْرفها وقد لا تعْرفها، فهذه السيارة من أجل ماذا صُنِعت ؟ أصل صُنعها من أجل أن تسير فهل يُعقل أن يقْتني إنسان سيارة بدون مُحرِّك ؟ إذْ أنها صُنِعت كي تسير ولكن لماذا في السيارة مِكْبح فالمِكْبح يوقِفُها ؟ كلُّ هذا من أجل سلامتها فالمصائب كالمِكْبح فأنت مخلوق للسعادة والعطاء والتكريم ولِجَنَّةٍ عرضها السماوات والأرض لكن حينما الإنسان يشرد ويتيه تأتي المصائب كي تَرُدَّهُ إلى الله:

 

 

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

 فهذه السورة كلها بِكَلِمة واحدة:" كذلك العذاب " أيُ عذاب على الإطلاق يسوقه الله لِعِباده هو من هذا النوع ؛ شُحّ وبُخل وأثَرة وحُبٌّ للمال وقلب قاسي كراهِيَة للعمل الصالح ؛ ثِمارٌ يانعة بالملايين ثمنها بحثوا عنها فما وجدوها فقالوا:

 

 

﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)﴾

 فهذه قصة وقِصة القرآن ليْست للتسْلية ولا للمُتْعة ولكن كي تسْتنبط منها حقيقةً تُلقي لك نوراً في درْب الحياة، قال لي كان عليَّ زكاة قدْرها إحدى عشر ألف وخمس مائة وثلاثين رقمٌ دقيق وكانت له زوجةٌ فقلت له: لا داعي لِدَفْع الزكاة ولْنُدْهن بها البيت وضغطت عليه حتى حملتْه على دفع الزكاة فاسْتجاب لها ولغى الزكاة وكانت عنده سيارة فانْضربتْ ومن أغرب الصُّدف أنّ كُلفة تلك السيارة إحدى عشر ألف وخمس مائة وثلاثين فالله علَّمه درس لأنّ هذا حق الفقير وهذه القصة تتكرر مئات المرات في اليوم أما الإنسان يُحْجم عن إطعام الفقراء والمساكين فالله يُحْرِمُهُ مالهُ إلا أنَّ هذا العذاب في الدنيا سهْلٌ جداً لأنّ في آخر الآية قال تعالى:

 

 

﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)﴾

 فالله عز وجل من رحْمتِه يُذيقنا من العذاب الأدنى لكي لا نستحق العذاب الأكبر قال تعالى:

 

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

 

[ السجدة: الآية 21 ]

 ففي الدنيا هناك مرض وقهر وفقر وسِجنٌ وذُلّ وإفْلاس لكن هذا دون العذاب الأكبر وهو جهنّم لذلك ورد في بعض الأحاديث القدسيّة:" وعِزتي وجلالي لا أقبض عبْدي المؤمن وأنا أحبّ أن أرْحمه إلا ابْتَلَيْتُهُ بِكُلّ سيّئة كان عمِلها سُقْما في جسده أو إقْتاراً في رزقه أو مُصيبة في ماله وولده حتى أبلغ منه مثل الذرّ فإذا بقي عليه شيء شدَّدْتُ عليه سكرات الموت حتى يلْقاني كَيَوْم ولَدَتْهُ أُمُّه "