العقيدة الإسلامية - الدرس : 56 - الإيمان باليوم الآخر 12

1987-11-29

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

عقدة التشابه بين المسلمين لمفهوم الشفاعة وبين مفهوم اليهود بالنسبة لعقائدهم:

  أيها الأخوة, في الدرس الماضي وصلنا في كتاب العقيدة إلى موضوع الشفاعة، وقد تحدثت كما ورد في هذا الكتاب، وأردت أن أزيد في هذا الموضوع توسيعاً وتعميقاً من خلال كتب أخرى، ومن خلال آيات، وأحاديث تغني الموضوع.
  بادئ ذي بدء، إن تعطيل قوانين الجزاء " وللجزاء له قوانين، هناك يوم الجزاء، ألا وهو يوم الدين"، بالنسبة لأتباع نبي ما, شيء غير مقبول، لقوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة الآية: 7-8)

  وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

" قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "

(أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح)

 فَهِم الشفاعة بعض المسلمين فهماً سطحياً، ساذجاً، بمعنى أن الإنسان يفعل ما يشاء من المعاصي، والآثام، والموبقات، ثم يشفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبله الله في عداد الصالحين، هذا الفهم الساذج غير مقبول لدى جميع العلماء، قديمهم وحديثهم، بل إن هذه العقيدة بمعنى أن الإنسان لن يُحاسَب على أعماله، ولن يُعمل بقوانين الجزاء، إن هذه العقيدة عقيدة اليهود، فقد قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

(سورة الأعراف الآية: 169)

 إنهم يأخذون بالتكاليف غير الصعبة، أما التكاليف الصعبة فيخالفونها، ويقولون: سيغفر لنا، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

( سورة النساء الآية:123)

 والآية التي تتكرر مراراً في كتاب الله:

 

﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾

 

(سورة الإسراء الآية: 15)

 

بيان عقائد اليهود والرد الإلهي على هذا المفهوم الخاطئ:

  ومن عقائد اليهود:

﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

(سورة البقرة الآية: 80-81)

  وهذه آية أخرى تصف عقائد اليهود:

 

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

( سورة آل عمران الآية:24)

  وفي آية أخرى, يقول الله تعالى عنهم:

 

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

 

(سورة البقرة الآية:111)

 وقال الله تعالى كذلك:

 

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾

 

( سورة المائدة الآية:18)

 هذه كلها آيات قرآنية، ترينا كيف أن اليهود اعتقدوا بسذاجة أنهم لن يدخلوا النار، وإن دخلوها فلن تمسهم إلا أياماً معدودات؟ وسمى الله هذا غروراً وافتراءً، وأنه كلامٌ لا يقف على قدميه، بل يحتاج إلى برهان, قال تعالى:

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

( سورة البقرة الآية: 111)

  ثم عقب الله تعالى فقال:

 

﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

 

(سورة البقرة الآية: 81)

 فمفهوم الشفاعة حق، وسوف أتحدث عنها بالتفصيل، ولكن المفهوم العام، مفهوم عامة الناس، مفهوم الجهلاء، مفهوم الغارقين في المعاصي والآثام، هؤلاء يتعلقون ببعض ما يعتقدون أنه من الشفاعة، ويعقدون الآمال على شفاعةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، وهذه الحقائق وردت في كتاب الله بشكل أو بآخر في أماكن عدة.
  إذاً: لن تُعطل قوانين الجزاء يوم القيامة، وأن الذي يغتر بأنها تعطل، وأنها لن يُعمل بها فهو مغرور، وقد افترى على الله الكذب.

مفهومي الشفاعة الحسنة و السيئة والفرق بينهما:

 لكن في القرآن الكريم, قوله تعالى:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

(سورة النساء الآية:85)

 هذه الآية, تعني أن الإنسان إذا أراد أن يجلب لمسلم خيراً, أو أن يدفع عنه ضراً, ويبتغي بعمله وجه الله، وكان هذا الخير في أمر جائز, ولم يأخذ عليه أجراً, ولم يكن هذا الأمر في حد من حدود الله، ولا في حقٍ من الحقوق الواجبة, هذه شفاعة حسنة يؤجر عليها المسلم في الدنيا, وهذا هو تعريف الشفاعة الحسنة,

" عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ "

(أخرجه البخاري عن أبي موسى عن أبيه)

 فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ,

" أَنَّ مُغِيثًا كَانَ عَبْدًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْفَعْ لِي إِلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَرِيرَةُ اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي بِذَلِكَ قَالَ لا إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ فَكَانَ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ أَلا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِهَا إِيَّاهُ "

(أخرجه أبي داود عن ابن عباس في سننه)

 هذه الشفاعة الحسنة، فمن يشفع شفاعة حسنة في الدنيا يكنْ له نصيب منها، والنصيب لا حدود له يزاد بزيادة حجم الشفاعة، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها، ومن دل إنساناً على معصية، أو من حرم حقاً، أو من أدى إلى ظلم فإنّ كل ضرر يحصل بسبب شفاعة سيئة يكن لصاحبه كفل منها، وأصل الشفاعة في اللغة من الشفع، وهو الزوج. قال تعالى:

﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر﴾

ِ (سورة الفجر الآية:3)

 لأن الذي يشفع يصير مع المشفوع فيه زوجاً، والشفع في اللغة ضم واحد إلى واحد، أنت إذا شفعت إلى فلان، ضممت مكانتك ووجاهتك إليه، فلعل الخير يصيبه من هذه الشفاعة.
 ومِن معاني الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، ومن دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال الملَك: آمين، ولك مثل ذلك، وهذه المعاني مستفادة من قوله تعالى:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

( سورة النساء الآية:85)

 هذه المعاني مستنبطة من تفسير القرطبي لهذه الآية الكريمة.

الفرق بين مفهوم اليهود لقوانين الجزاء وبين مفهوم الشفاعة في ديننا الإسلامي:

 نعود إلى الدرس الماضي، وقبل كل شيء، إن اليهود - كما قلت لكم - فهموا فهماً ساذجاً وسقيماً، فهموا أن قوانين الجزاء لن تقام عليهم يوم القيامة، وقالوا:

﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية:80-81)

 أما الشفاعة في ديننا الحنيف، فهي داخلة في قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾

( سورة النساء الآية:48)

 فالشفاعة حق، وهي من ضمن هذه الآية الكريمة، فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه سواء كان ذلك في الحياة الدنيا أو كان ذلك يوم القيامة، فأيما عبد سأل الله عزّ وجل لأخيه خيراً فالله سبحانه وتعالى قد يستجيب، وربما لا يستجيب، وهذا وفق حكمة بالغة, ذكرنا قوانين الشفاعة في الدرس الماضي وهي:
 1- قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله ذو الفضل العظيم, مَن مِن العباد يستطيع أن يحدّ من فضل الله؟ قانون الشفاعة يدخل في باب الفضل الإلهي، الذي هو فضل عظيم، وفضل عميم.
  2- فلا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته، وربوبيته سبحانه وتعالى، وجميع الآيات في القرآن الكريم التي تنفي الشفاعة، إنما تنفي الشفاعة لأن الذين نُفيت في حقهم متلبسون بالكفر، والشرك، وإنكار الربوبية، وإنكار الألوهية، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شفاعة من سواه، والآيات التي توضح هذا كثيرة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية:48)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية:254)

﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾

(سورة غافر الآية:18)

  وقوله تعالى:

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾

(سورة الزمر الآية:19)

  وقوله تعالى:

﴿ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾

( سورة المدثر الآية:39-48)

  وقوله تعالى:

 

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

 

(سورة الزلزلة الآية:1-8)

 3- فإن قبول الشفاعة في غير الشرك بالله، أو جحوده منوط بمشيئة الله تعالى، فإنْ شاء قبلها، وإنْ شاء رَفَضها:

﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾

(سورة مريم الآية:86-87)

 أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تقبل شفاعة أحد فيهم، إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً، وذلك بالإيمان به، وبما جاء من عنده، فإنه قد ينال فضلاً من عند الله عزّ وجل لقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم, روى الشيخان البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا "

(أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)

 الذي مات مشركاً لا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، أما من مات لا يشرك بالله شيئاً فقد تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام بنص هذا الحديث الذي رواه الشيخان.
 4- فإن الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أذن له الرحمن، ورضي له قولاً، قال تعالى في سورة طه:

﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾

(سورة طه الآية:109)

 أي يومئذٍ لا تنفع الشفاعة أحداً إلا شفاعة مَن أذن له الرحمن بالشفاعة، ورضي له قولاً، فإن شفاعته قد تنفع إنْ شاء الله، واستجاب لها، والآية الكريمة في سورة النجم:

﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾

(سورة النجم الآية:26)

 

ما ورد في شرح الإمام المناوي حول مفهوم الحديث عن شفاعة النبي لأهل الكبائر:

  وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي "

( أخرجهما الترمذي وأبو داود عن أنس في سننهما)

 وقد شرح الإمام المناوي هذا الحديث, فقال: ثم يشفع الرسول من بعد أن يأذن الله له، وبعد انتهاء مدة العذاب يشفع في خروج العاصي من النار, وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر بعد دخولهم النار, فيقبل الله شفاعته فيهم, ويخرجهم منها وتكون الشفاعة إظهاراً لكرامة الشافع عند الله, عَنْ عِمْرَانَ ابْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

" يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ "

(أخرجه البخاري عن عمران ابن حصين في الصحيح)

 فإذا دخلوا النار، وأمضوا المدة الكافية، واستحقوا بعد ذلك الخروج منها، يأتي هذا الخروج على يد النبي عليه الصلاة والسلام، تكريماً له، وإظهاراً لفضله، وقال بعضهم: هذا هو المقام المحمود
 إذا رجعنا إلى النصوص الشرعية فإننا نراها تثبت الشفاعة العامة يوم القيامة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك ضمن الحدود المأذون بها، كما تفرض الشفاعات الجزئية لغيره صلوات الله عليه، والأحاديث الصحيحة في ثبوت الشفاعة كثيرة، منها ما رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "

(أخرجهما الترمذي وأبو داود عن أنس في سننهما)

 

شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لمن أحب أهل بيته:

  هناك أحاديث أخرى، يقول عليه الصلاة والسلام:

" شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي "

( ورد في الأثر)

  إنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام، نالتك شفاعته، إذًا: هذا الحب يصل بينك وبينه، هذا الحب يأتيك من أنواره، ويأتيك من بركاته، ويأتيك من تجلياته، وهذا المعنى أثبته هذا الحديث الشريف:

" شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي "

( ورد في الأثر)

  و

" شفاعتي يوم القيامة حقٌ، فمن لم يؤمن بها، لم يكن من أهلها "

( ورد في الأثر)

 وهذا الحديث أيضاً يوجب علينا أن نؤمن بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن وفق هذه الشروط التي ذكرناها.

أقسام الشفاعة:

1- الشفاعة العظمى:

 وقد قسّم العلماء الشفاعة إلى أقسام عدة:
 1- الشفاعة العظمى، وهي لجميع الخلائق لإراحتهم من هول الموقف، وتعجيل الحساب، ونحو ذلك، وهذا هو المقام المحمود، كما قلت قبل قليل، تدعون عقب الأذان:

( اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته )

( دعاء مأثور)

  وقول الله عزّ وجل:

 

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾

( سورة الإسراء الآية:78-79)

2- الشفاعة لمن استحق بعض العذاب يخرج من النار بموجب العدل الإلهي:

 2- الشفاعة الثانية: هي التي تُخرج بعض مَن استحقوا العذابَ مِن النار، بموجب العدل الإلهي، وتكون الشفاعة هذه لإظهار كرامة الشافع، ومنزلته عند ربه، تنفيذاً للإرادة الإلهية عقب دعائه، وطلبه من الله، ولا يخلو قبول الشفاعة أو رفضها مِن حكمة يعلمها الله تعالى، وتدخل الشفاعة في قانون فضله، أو قانون عدله.

ملخص مفهوم الشفاعة لمن يستحقها:

 إذاً: من هذا الموضوع يتضح أن الشفاعة حق، وأنه من لم يؤمن بها فليس من أهلها، وأن الشفاعة لا تصيب إلا من مات غير مشرك بالله عزّ وجل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا "

(أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح)

  وتبين أيضاً أن الشفاعة بمعنى مِن معانيها, أنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام، نالك منه أنواره، و تجلياته، وشعرت بسعادة لا توصف.
 وأما شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر, فتعني أن هؤلاء إذا استوجبوا دخول النار، ودخلوها يكون إخراجهم منها على يد النبي عليه الصلاة والسلام تبياناً لفضله، وإظهاراً لكرامته على الله عزّ وجل.

الأدلة الواردة في الكتاب حول موضوع الشفاعة:

 وقد جمعت لكم بعض الآيات التي تتحدث عن الشفاعة بشكل عام، يقول الله عز وجل:

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 53)

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾

(سورة الأنبياء الآية: 26-28)

﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾

(سورة الشعراء الآية: 97-101)

﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 51)

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 70)

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة يونس الآية:3)

﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ﴾

 

(سورة الزُمر الآية: 43)

مواعظ وعبر من هذه الآية:

 الذي أريده أن نفهم قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾

(سورة فاطر الآية: 5)

  بمعنى لا تروا الدنيا بحجم فوق حجمها، ولا تروها شيئاً ثميناً، ولا تبذلوا من أجلها الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ولا ترتكبوا المعاصي من أجلها، ولا تقصروا في واجباتكم الآخروية من أجلها، قد يأتي الشيطان، ويوهم الإنسان أن الله عزّ وجل لن يحاسبه على أعماله، فيطمئن الإنسان اطمئنانًا ساذجاً, قال تعالى:

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

(سورة إبراهيم الآية: 22)

 فالإنسان لا ينبغي أن يغتر بكلام الشيطان، فإن الشيطان قد يأتي عن يمين الإنسان, وعن شماله، فيضله عن طريق آية، وذلك بفهم خاطئ وساذج لها, وقاصر للشفاعة التي ثبتت بنص القرآن الكريم، ونص الأحاديث الشريفة، ولكن لمن مات لا يشرك بالله عزّ وجل.

خطورة حمل الأمانة في عنق الإنسان إذا لم تنفذ:

 قال الله سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾

(سورة الأحزاب الآية:72-73)

 فهذه الأمانة، بصرف النظر عن معانيها الدقيقة، هي شيء عظيم، لأن السموات والأرض والجبال أشفقن منها، وأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان, وفي نهاية الآية تقول:

﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 73)

 بمعنى أن موقف الإنسان من الأمانة في هذه الآية, قد يضعه في زمرة المؤمنين، أو في زمرة المنافقين، أو في زمرة المشركين.
 وشيء آخر, هو أن هذه الأمانة جاء بعدها قوله تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72-73)

 فحينما لا يحملها الإنسان كما أراد الله عزّ وجل يكون ظلوماً جهولاً، ومتى لا يكون بحملها ظلوماً ولا جهولاً؟ إذا كان عالماً وعادلاً.

يستثنى من لم يحمل الأمانة بظلم وجهل الإنسان الصالح الذي لم يخنها:

  فإذا عرف الإنسان اللهَ عزّ وجل، وعمل صالحاً, وفعلِ الخيرات، إذا كان كذلك فهو ليس ظلوماً ولا جهولاً، بل عالماً عادلاً، هذه الأمانة كما فسرها العلماء هي التكليف، ومعنى التكليف أن الإنسان أودع الله فيه هذا العقل ليهتدي به إلى الله عزّ وجل عن طريق الكون، وبعث الأنبياء، والرسل، وأنزل معهم الكتاب ليكون هذا الكتاب منهجاً لنا، ودستوراً، وتشريعاً يضبط أفعالنا، حتى نسعد في الدنيا والآخرة.
  يعني أن الله عزّ وجل وضع نفسك أمانة عندك، فإذا عرّفتها بربها، وإذا طهرتها من الدنس، وإذا زكيتها بالفضائل، فقد أسعدتها في الدنيا والآخرة.

ينبغي على المسلم أن يكون واعياً حول مفهومه لبحث الشفاعة, هل سيدركها ؟

 لذلك:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾

( سورة الأحزاب الآية:72)

 

 الذي أريد من هذا الموضوع، موضوع الشفاعة أن يقف الإنسان على الحدود الصحيحة لهذا الموضوع، فلا يكون إيمانه بالشفاعة مدعاة للاغترار بالله عزّ وجل، وترك طاعته، والقعود عن العمل الصالح، وخرق الاستقامة.
 الشيء الثاني, أن الذي يموت غير مشرك بالله عزّ وجل، هذا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهل هذا الشرط سهل؟ هل تظنون أنه من السهل أن يموت الإنسان موحداً غير مشرك؟ فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الأصْغَرُ قَالَ الرِّيَاءُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً "

(أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد في مسنده)

 هذا هو الشرك الخفي، فمن مات غير مشرك بالله عزّ وجل نالته شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي حق، ومن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها.