الدرس : 2 - سورة الروم - تفسير الآية 7.

1995-10-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية السابعة من سورة الروم و هي قوله تعالى:

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾

[ سورة الروم ]

 فالله سبحانه وتعالى أثبت للكفار العلم بظاهر الحياة الدنيا، و لا أدلَّ على ذلك من تقدُّم العلوم العصرية في العالم الغربي، فَكُل ما مِن شأنِهِ أن ينْفَعَهم في الدنيا، وأن يُمَتِّعَ أجْسادهم في الدنيا، تَفَوَّقوا بِهِ أيَّما تَفَوُّق فهذا عِلْم، ولكنَّ الحياة الدنيا مَحْدودة، والحياة الأبَدِيَّة مُمْتَدَّة فالذي يتعلَّم عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بالحياة الدنيا ينتهي عِلْمُهُ عند الموت، والذي يتعلَّم عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بالحياة الآخرة، ينتفِعُ بِهذا العِلْم إلى أبَدِ الآبدين، فلذلك شَتَّان بين مَن يَعْلم فرعًا مِن فُروع خَلق الله ؛ مُخْتصّ بالفيزياء والكيمياء والرِّياضيات، والفلك والحقوق الاقْتِصاد، وشتَّان بين مَن يعْلَمُ عِلْم الشَّرْع، والأفْضَلُ مِن هذا كُلِّه أن يكون لك عِلْمٌ بالله، لأنَّ هذا هو الذي يَسْمو بِكَ لذلك قال بعض العارفين مساكين أهل الدنيا جاءوا إلى الدنيا، وخَرَجوا منها ولم يَعْرِفوا أجْمَلَ ما فيها، فَمَهما ارْتقى الإنسان في العُلوم المادِيَّة يبْقى ذَكِيًّا وليس عاقِلاً، فلا يُسَمَّى الإنسانُ عاقِلاً إلا إذا عرف الله تعالى فما كُلّ ذَكِيِّ عاقِل، ولكن كلّ عاقِلٍ ذَكِيّ، تجِدُ أشْخاصًا كثيرين مُتَفَوِّقين في اخْتِصاصاتِهم ويحملون أعلى الدَّرَجات ولا يُصَلُّون، وقد يأكلون أموال الناس بالباطِل، وقد يبتزون أموالهم، ويتعاملون مع الناس وكأنَّ لِهؤلاء الناس لا ربَّ لهم ولن يُحاسِبَهم، وهم يَمْلِكون أعلى درجة عِلْمِيَّة، فقد يطْلب الطبيب من المريض أن يعمل عَمَلِيَّةً جِراحِيَّة، وهذا المريض مُسْتغْنٍ عن هذه العَمَلِيَّة ‍‍‍!! فقط من أجل أن يأخذ منه الطبيب أربعمائة ألف، وتجد هذا الطبيب يَحْمِل أعلى درجة مِن أمريكَا !! فُضِحَ أمْرُهُ، فهذا يَعْلم، فهل يُسَمَّى عاقِلاً ؟ لا، هذا ذَكِيٌّ وليس عاقلا، فالعاقِلُ مَن عرفَ الله، قال تعالى:

 

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾

 

[ سورة الروم ]

 والعِبْرة بِمُؤَدَّ الشيء، قال تعالى:

 

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾

 

[سورة الفرقان]

 هناك مُجَمَّع سِياحي، وهناك مُهندسون واختصاصيين ومُهندس حدائِق ومهندس مياه، وإلا أنَّ هذا المُجَمَّع كُلّه يقوم على المَعْصِيَة.
 أحد المرَّات اِفْتُتِح جامِعُ في الصَّبورة فَدُعينَا إلى افْتِتاحِه، وأنا خارِجٌ منه في الضِّفة الثانِيَة مَلْهى يَحوي كُلَّ الموبِقات، فقلتُ: سبحان الله ! شَّتَّان بين مَن يبْني جامِعًا، وبين مَن يبْني مَلْهًى، وصاحِبا المَلهى والجامِع سَيَموتان، وإنَّ أعْظَمَ الأعمال ما يسْتَمِرّ بعد وفات صاحِبِهِ وإنَّ أخْطرَها وأشْنَعها ما يسْتَمِرُّ بعد مَوْتِ صاحِبِه، ثمّ أُخْبرتُ أنَّ صاحب ذلك المَلْهى تُوُفِّي بعد أسبوع ! فَهذا المَلهى هو في صَحيفَتهِ إلى يوم القيامة !! وكُل موبِقَة يرْتَكِبُها الناس في صحيفَتِهِ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ))

 

[ رواه الترمذي ]

 هناك أشياء برَّاقة ولكنَّ السمّ فيها، فَيُمْكِنُ لِمَحلٍّ راقٍ، وبِضاعتِهِ نِسائِيَّة، ويَدْخُل على هذا المَحلّ نِساء كاسِيات عارِيات مائلات وصاحِب المحلّ يُمَتِّع نَظَرُه بِتِلْكَ الحَسْناوات، وتَجِد محلاًّ آخر، عتيق وضجيج والمحل لِبَيْع العدس والحمص، ولكن ليس في مَعْصِيَّة الله فشَتَّان بين المكانين ! فأنت يُمْكِنُ أن ترْتاحَ لِفُندق خمسة نُجوم، وكلّ شيء فيه مُريح، ولكن فيه مِن المعاصي ما الله به عليم، ويُمكن لِفندق مَطْموس النُّجوم ولكن ليس فيه المَعْصِيَّة، فالعِبْرة أن يتجاوَزَ الإنسان المَظاهِر، وما دام يَهْتمّ بالمظاهِر فهذا مُشْكِلَتُهُ مُشْكلة، فَهُناك مظاهِر تنتهي إلى النار، وأماكن خَشِنَة، فالذي دَخْلُهُ مَحْدود لا يسْمح بالزنا، ودخْلُهُ حلال، تجد بيْتهُ صغيرًا، وطعامُهُ خَشِنا، وآخر لهُ دَخل غير مَشْروع، وهذا الدَّخْل غير المَشْروع يسْمَحُ له أن يأكل ما لذَّ وطاب، ويرتدي أفْخمَ الألْبسَة المُسْتوْرَدَة، فَبِهذه العَين ؛ هذا الإنسان يعيشُ حياةً راقِيَةً جدًّا، وذاك يُقال عنه مِسْكين، أما عند الله تعالى العكس، قال تعالى:

 

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أهلا بِمَن خبرني جبريل بِقدومه ! ))

 فقد تكون مرتبتُكَ بسيطة جدًّا، مُوَظَّف بسيط بِزَاوِية مُهْملة في إحدى الوزارات أو كاتب أو حاجب، لكنَّ دَخْلَكَ مَشْروع فالعِبْرة الأَبَد، حينما يُكشَفُ الغِطاء، فإذا هذا الإنسان الفقير المَغْمور الذي لا يعْرفُهُ أحد ؛ أدى الصَّلوات الخمْس واتَّصل بالله، وخد َم الخَلق، وكان عفيفًا، فهذا الإنسان سيَغْدو مَلِكَ الدار الآخرة.
 أيها الإخوة، نحن الآن في عالَم الصُّوَر، وعالَم الصُّوَر فيه زَيْف كبير فلو فرضْنا أنَّ أبًا ترَكَ خمسة ملايين، وجاء أحد الإخوة الكبار، وأخَذَ كُلَّ المَبْلغ، واشْترى أجْمل بيْتٍ، وزيَّن البيْت، وجعل مكاتب له وسكريتاريا، وبَقِيَ الإخوة الأربعة فقراء ! فلو أنَّ إنسانًا زارَ الغَنِيَّ ورأى ما عندهُ مِن تُحَف، وأشياء نادِرَة، وزارَ الفقير فرأى بيتَهُ صغيرا وخَشِنا، فهذه العَيْنُ ماذا تُريكَ ؟! تُريكَ أنَّ الغنيّ أقْرَبُ إلى الرَّفاه من الفقير، ولكنَّ العَقْل يُريك أنَّ هذا المَحروم مِن إرْث والِدِه وذاك المُغْتَصِب مِن إرْث والِدِه ؛ شتَّان بينهما ! إنسانٌ يلْقى الله والله راضٍ عنه، والإنسان الثاني يلقى الله وهو عنه ساخِط !
فهذا الدَّرْس، يَهُمُّنا أنَّ الإنسان يتجاوَز المظاهر، فقد زارني شَخْص له مَكْتب تِجاري، ولكن بِضاعَتُهُ غير مَشْروعة، وهَدَفُها إفْساد الأخْلاق، قال لي: أنا عَمَلي قَذِر ! ووالله له مَكْتب يُكَلِّف الملايين وفي اليوم التالي ذَهَبْتُ إلى مُصَلِّح مرْكبة ؛ رَجُل مُخْلِص ومستقيم وكان يوم شِتاء فانْبَطَح تحت المركبة حتَّى أصبح لونه أسود حتَّى صلَّح المركبة وأخذ على ذلك أجراً معتدلا، هذا هو العمل النظيف، أمَّا بالعين فبالعكس، فنريد تجاوز هذه العين إلى عين القلب، قال تعالى:

 

 

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾

 

[ سورة الحج ]

 فالإنسان ما دام يتعلَّق بما تراه عينه يتعب قلبه كثيرا، فدخل مشروع يسمح لك أن تعيش حياة خشنة أفضل من دخل مشبوه تعيش له حياة مشبوهة ناعمة، ألا رُبَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ورُبَّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة، فالعبرة بخواتيم الأعمال و العاقبة للمتَّقين، و الغنى والفقر بعد العرض على الله والنجاح والفوز والفلاح والذكاء إذا نجوتَ من عذاب النار، فإذا وصلتَ على الجنَّة بسلام، وإذا كان قبرك روضة من رياض الجنَّة، فهذه قِصَّة لأحد الرِّجال غير المنضبِطين، كان سبب إيمانِهِ أنَّ صديقًا له مِن الأثْرِياء، وكان يعيشُ أنواع النَّعيم ؛ أربع زوْجات وأربع قُصور، وبساتين، فهذا الصَّديق ماتَ فجْأةً ثمَّ قيل أنَّهُ ماتَ مَسْمومًا مِن إحْدى زوْجاتِهِ، فَفُتِحَ قبْرهُ، وفُتِحَت مَعِدَتُهُ، وأُخِذَتْ عَيِّنَة مِن مَعِدَتِهِ للتَّحقيق في الموضوع، فَصَديق هذا المُتَوَفَّى نَزَلَ إلى القبْر، فرأى مَنْظَرًا لا يُحْتَمَل، فقد انْتَفَخَ الميِّت، وأزْرق، والدود عليه، ورائِحَة لا تُقابَل، فانْدَهَش هذا الرَّجل لِمَا رآه من حال هذا الثَّري في القبر، وبعد حينٍ أرادوا أن يَدفنوا إنسانًا فوق إنسانٍ آخر في القبر، ومضى على هذا الميِّت في القبر أربعون عامًا، فَتَوَقَّع الناس أنَّهُ الآن عِظام، فإذا بهِ لمَّا يُفْتَح القبر، ويُقْسِمُ بالله العظيم الذي رأى هذا المَنْظر ؛ الجُثَّة كما هي، ولَحْمُهُ كما هو، وشيء خِلاف المألوف والطبيعة، وقد كان هذا مِن حُفاظ كِتاب الله، وكان رجلاً صالحًا وإمامًا في أَحَدِ المساجد الضَّخمة في دِمشق، فهذان المنْظَران أخذا بيدِهِ إلى الله عز وجل.
 موضوعنا في هذا الدرس ؛ أنّ العَين غرَّارة وخدَّاعة، وليس كُلّ بيْتٍ جميل صاحِبُهُ سعيد، وليس كُلّ كوخٍ حقير صاحِبُهُ شَقِيّ، وليس كُلّ دَخْلٍ كبير فيه بركَة، وليس كُلّ دَخْل قليل مُزْعِج، وفقد يكون الدَّخْل القليل الحلال أشْرفُ وأقرب عند الله تعالى مِن دَخْل كبير حرام، وقد يكون إنسانٌ مريض وراضٍ عن مرضِهِ، وهو أحْسَن مِن إنسانٍ كالحِصان وهو بَطِر، لذا نحن نُريد حقيقة الأمور، ورُبَّ أشْعَثَ أغْبر ذي طمْريْن مَدْفوعٍ بالأبواب، لو أقْسَمَ على الله لأبرَّه، مَن هو بلال رضي الله عنه ؟ صحابي وعَبْدٌ حبَشي، وقَفَ بِبَاب سيِّدنا عمر أبو سفيان زعيم قريش والشَّخْصِيَّة الأولى في قريش، وطبْعًا أبو سفيان أسْلَمَ بعد الفَتْح، فَوَقَفَ بِبَاب عمر ساعاتٍ طِوال ولم يُؤْذَن له، وبلال وصُهَيْب يَدْخُلان دون اسْتِئذان، فتألَّم أشَدَّ الألم، ولمَّا دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين ؛ سيِّدُ قُريش يَقِفُ بِبَابِكَ ساعاتٍ طِوالاً، وصُهَيب وبِلال يَدخُلان دون اسْتئذان ؟‌‌‍! فقال له عمر رضي الله عنه: وهل أنت مِثلهما ؟! ومَن يُصَدِّق أنَّ سيِّدُنا عمر عملاق الإسلام يخْرج من المدينة مُتَوَجِّها إلى ظاهِرِها لاسْتِقبال سيِّدنا بلال ؟ ومَن يُصَدِّق أنّ شابًا عمره سبعة عشرة سنة يقود جَيْشًا فيهم أبو بكر وابن الخطَّاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم ! وسيِّدُنا الصِّديق أراد أن يُرَكِّز مكانه أمام الصَّحابة، ومشى بِرِكابِهِ، فأُسامة يركب الناقة كَقَائِدِ جَيْش وخليفة المسلمين يَمْشي على رِجْليْه، فقال أسامة ولم يتحمَّل الموْقف: يا خليفة رسول الله لَتَرْكَبَنَّ أو لأنْزِلَنَّ، فقال له: والله لا رَكِبْتُ ولا نَزَلْتَما عليَّ أن تغْبرَّ قَدَماي ساعةً في سبيل الله، فلمَّا أراد سيِّدنا الصِّديق أن يسْتبقي سيِّدنا عمر بن الخطاب كَمُسْتشارٍ له، لم يقل له: تعال يا عمر وابْقَ معنا ! ولكن تَوَجَّه إلى أُسامة قائِدِ الجَيْش، وقال: أتَأذَنُ لي بِعُمَرَ! سيِّدنا الصِّديق يسْتأذِنُ أُسامة في أن يُبْقي له عمر ! هذا هو الإسلام، ونحن نُريد تَجاوُز المظاهِر، وتجاوُز المظاهر البراقة والخدَّاعة، وإسلامًا حقيقيًّا، ولن نُنْصر وإسلامنا غير حقيقي أصْبَحَت الآن العمرة كالحج ؛ مملوءة واكْتِظاظ، وهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((لن تُغلب أمتي من اثني عشرة ألف من قلَّة..."))

 فما الجواب؟! قال تعالى:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)﴾

 

[ سورة مريم ]

 أيها الإخوة الكرام، العُمْر قصير، والوقت ثَمين، والموت على الأبواب، ولا يستطيع أحدٌ مِنَّا ضَمان ساعة، ومَنْ عدَّ غدًا مِن أجَلِهِ فقد أساء صُحْبة الموت، والإنسان عليه أن يُغادِر والله قد عفى عنه والمظاهر لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، والله عز وجل أثْبتَ لِهَؤُلاء الكفار أنَّهم يعلمون ظاهِرًا من الحياة الدنيا.