الدرس : 3 - سورة الروم - تفسير الآية 8. 

1995-10-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، مِن الثابت أنَّ كُلَّ إنسانٍ على وَجْه الأرض كائِنًا مَن كان، مِن أيِّ مِلَّة أو مذهب أو دين أو انْتِماءٍ، عنده مَطْلبان ثابتان لا يتغيَّران ؛ هذان المظهران هما السَّلامة والسَّعادة، فهل يوجد على وجه الأرض مَن يتمنَّى المرَض ؟ المرض العُضال، والفقْر المُتْقِع وحَبْس الحُرِيَّة والقَهْر والإهانة، والخوف، والفزَع، فما مِن إنسانٍ على وَجْه الأرض إلا ويتمنَّى سلامةً وسعادةً، يتمنَّى الغِنى والصِّحة والزَّوْجة الصالحة، وأولادا أبرارا، ودَخْلا كبيرا، ألا يسأل أحدكم هذا السؤال: ألَيْسَت الأرض مُفْعَمَةً بالمصائب والأمراض والأحزان والفقْر والهُموم والزلازل والصواعق والفيضانات، والحروب الأهْلِيَّة، والموت جوعًا، فكيف نُوَفِّق بين قوله تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119)﴾

[ سورة هود ]

 خلَقَنا لِيَرْحَمنا فلِمَ المصائِب ؟
 أيها الإخوة، الآية الدقيقة جدًّا هي قوله تعالى:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

 

[ سورة النِّساء ]

 المعنى المُخالف أنَّه إن لم تؤمنوا يُعَذِّبْكم، وإن آمَنتُم ولم تشْكروا يُعَذِّبْكم، أوَّلاً ينبغي أن نعلم عِلْم يقين أنَّ الشرَّ المطلق لا وُجود له في الكون، فالشر المطلق هو الشر المَقصود لِذاته، فمثلاً أبٌ له ابنٌ في أتَمِّ صِحَّتِهِ، ويضَعُهُ في غرفة العَمَلِيَّات، ويفتح بطْنه دون سبب !! لا يوجد أبا يفتح بطْن ابنِهِ ويقطع الشرايين والأوْرِدَة، ويفْصِلُ الجلد عن بعضِه دون سبب، أما الأب الطبيب، حينما يتأكَّد أنَّ هناك الْتِهاب زائِدَة يُخَدِّره، ويفْتح بطْنه، ويخرج الدم، ويُغْلِقُ الشرايين ويستأصِلُ الزائِدَة، فأوَّل شيء بالعقيدة أنَّ الشر المطلق لا وُجود له في الكَون إطلاقًا، ومَن اعْتَقَدَ خِلاف ذلك فقد كفَرَ، لأنَّ المعنى أنَّ الله عز وجل يُعَذِّب الناس مِن دون سبب !! فالعوام يقولون: سبحان الله ! كأنَّ الله خلَقَنا للعَذَاب !! فهذا الكلام مَرْفوض، ويتناقض مع أصْل الدِّين ويتناقض مع العقيدة الصحيحة، فأنت حينما تؤمن وتسْتقيم على أمْر الله انْتَهَتْ المُعالَجَة، وإن آمَنْتَ وشَكَرْتَ حقَّقْتَ الهَدَفَ مِن وُجودِك.
 السؤال الآن ؛ ما دامَت السَّلامة والسعادة هدفان ومطْلبان ثابتان وأساسيَّان في حياة كُلِّ إنسان مؤمن أو كافِرٍ، فكيف نُحَقِّق السعادة والسلامة ؟! أدَقّ جواب وأبْسَطُه ؛ أنت كائِنٌ، لك صانِع، والصانِع هو الجِهَة الوحيدة التي ينبغي أن تُتَّبَعَ تَعْليماتها، قال تعالى:

﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[ سورة فاطر ]

 فالله وَحْدهُ الذي ينبغي أن تُطيعهُ لأنَّ الأحد الذي يعْلم قال تعالى:

 

﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾

 

[ سورة البقرة ]

 إذًا لا بدَّ مِن طاعَتِهِ.
 سؤال ثاني ؛ ألا تَرَوْن أنَّ في العالم الإسلامي الحلال والحرام مَعْروف ؟ هل يوجَد مُسْلم بالأرض لا يعلم أنّ الخمْر حرام ؟! وكذا الزِّنا والربا وأكل المال بالباطل... السؤال: أنَّنا كُلُّنا يريد السلامة والسعادة أما كَمُسْلِمين مهما كان المُسْلِم مُتَخَلِّفًا في عَقْلِهِ أو في عِلْمِهِ إلا ويعْلم أنّ السرقة حرام، وأكْل المال الباطل حرام، والعُدْوان على أعراض الناس حرام، طيِّب لماذا العالم الإسلامي غارق بالمعاصي ؟ الأموال تُنَمَّى عن طريق البنوك، والعلاقات الاجْتِماعِيَّة مُتَفَلِّتة ؛ اخْتِلاط ونساء كاسيات وعاريات ومُميلات في الطرقات، ولا يُبالي المسلم ما إن كان دَخْلُهُ حلالاً أم حرامًا، فكيف نُفَسِّر معرفة الحلال والحرام وعدم تَطْبيقِهِ ؟ يُفَسَّر - وهذه الفِكْرة دقيقة جدًّا، وهذه هي المشكلة في الدَّعوات الإسلامِيَّة غير ناجحة - أنَّك إذا عرَفْتَ الأمْر ولم تعْرف الآمِر تَفَنَّنْتَ في التَّفَلُّتِ من هذا الأمْر، أما إذا عَرَفْتَ الآمِرَ قبل الأمْر تفانَيْتَ في طاعته، معنى ذلك أنَّ المسلمين اليوم عرفوا الأمْر ولم يعرفوا الآمِر، وشرَفُ الأمْر مِن شرف الآمِر، وعظمة الأمر مِن عظمة الآمِر، فالإنسان حينما يعصي الله، أو حينما يتساهَل ؛ معنى ذلك أنَّ حَجْم معرِفَتِهِ بالله غير كافِيَة، فلو أنَّها كافِيَة لما عصى ربَّهُ والدليل: هل يمكن لأحَدٍ من الإخوة الحاضرين أن يقطع الإشارة الحمراء والشرطي أمامه ؟ مُستحيل أن تُخالِف!! وكذا أيُّ إنسانٍ غلبَ على عقْلِهِ أنَّ الله تعالى يُراقِبُهُ ويعلم وسَيُحاسِب فإنَّه يسْتقيم، فالعَقبَة إذًا عَقَبَةُ معرفة الله عز وجل، فحينما تعصي الله يجب أن تعلمَ عِلْم يقين أنَّ حجْمَ معْرِفَتِكَ بالله غير كافِيَة، فَمِن باب التَّوضيح والتقريب يُمْكِن أن نرْمز لِقَناعاتِك بِوَحَدات، فإذا كانت وحدات المعرفة بالله أقلّ مِن الشَّهوات، فالشَّهوات هي الراجحة، وحينما تقترف معصِيَة فمعنى ذلك أنَّ حجْم معرفتك بالله أقل من هذه الشَّهوة، لذلك رجَحَت الشَّهوة وإن كان التعادل دَخَلْتَ في الصِّراع ! أما إذا زاد حجم معرفته بالله دخل بالأعماق، وانتفى الصِّراع، يقول لك: والله لو قطَّعْتني أرْبًا إرْبًا لا أعصي الله، قال له: يا عم، ماذا يريد ابن أخيك ؟ لو أراد مالا جعلناه أكثرنا مالاً، ولو أراد النِّساء زوَّجْناه أجْمَل فتياتنا، ولو أراد العِزَّة والسلطان ولَّيْناهُ أمورنا، ولا نقْطع أمرًا دونه، فقال:

 

((والله يا عمّ، لو وضَعوا الشمس بِيَمني، والقمر بشمالي، على أن أدَعَ هذا الأمر ما تركتُهُ حتَّى يظهره الله أو أُهْلَكَ دونه !))

 فيا أيُّها الإخوة إذا رأيْتَ مَن يعصي الله فيجب أن تعلَمَ أنَّ حجْم معرفته بالله قليل، والأمْر معروف عنده، فالحلال حلال، والحرام حرام، ولا إشْكال في هذا، ولكنَّ الإشكال في معرفة الله، لذا يُمْكن أن يكون مِحْوَر اللِّقاء ؛ إذا عرَفْتَ الآمِر قبل الأمر تفانيْت في الطاعة، أما إذا عرفت الأمْر قبل الآمر تفنَّنْت في المعْصِيَة، وحجْمُ معرفتِكَ بالله هو الذي يُحَدِّدُ طاعتك له، فكلَّما زاد هذا الحجم اندفعتَ إلى طاعته،وكلَّما قلَّ هذا الحجم تفلَّتَ من طاعته.
 هذا الكلام ذكرتُه كمقدِّمة لآية كريمة، قال تعالى:

 

 

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)﴾

 

[ سورة الروم ]

 والسؤال لم أُجب عنه بعد، المسلمون يعرفون الحلال والحرام و معظمهم غارقون في الحرام، ما تفسير ذلك ؟ إنَّهم لا يعرفون الله،وكيف يعرفونه ؟ قال تعالى:

 

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)﴾

 

[ سورة الأنعام ]

 إذاً كيف ؟ عن طريق العقول، و الله عز وجلَّ لاُ يرَى لكنَّ آثاره تدلُّ عليه، فصار عندنا طريق وحيد إلى الله، أنَّ الكون يُجسِّد أسماء الله الحسنى و يظهر عظمة الله ووحدانيته، وأنَّ العقل أداة معرفته فحينما تُذكَر آيات في كتاب الله تشير إلى عظمة الكون إنْ فكَّرتَ فيها وصلتَ من خلالها إلى الله، قال تعالى:

 

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)﴾

 

[ سورة الروم ]

 هذا خلقه، الشمس آية و القمر آية والمجرَّات آية و اكتُشِفتْ حديثاً مجرة بُعدُها عنَّا ثلاثمائة بليون سنة ضوئية، فهذا الماء الذي تشربه و الهواء الذي تستنشقه، و ابنك الذي بين يديك ألم يكن نطفة من منيٍّ يُمنى، الطفل يضحك ويبكي و يدرس و يقرأ ويأكل و يشرب و ينجح هذه الأجهزة الدقيقة، مائة وثلاثون مليون عُصيَّة و مخروط في عينه و ثلاثمائة ألف شعرة و لكل شعرة عصب و شريان و غدة دهنية و غدة صبغية و عضلة، خمسة وثلاثون مليون عصارة هاضمة في المعدة، الأمعاء تتجدَّد كلَّ ثمانية و أربعين ساعة شيء لا يُصدَّق لذلك إذا ورد في القرآن الكريم إشارات إلى الكون فمعنى ذلك أنَّ هذه موضوعات التفكر هي طريق معرفة الله عز وجل.
 هناك طريق ثانٍ قال تعالى:

 

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا(10)﴾

 

[ سورة محمد ]

 هذه أفعاله، لك أن تعرفه بخلقه ولك أن تعرفه بأفعاله و لك أن تعرفه بكلامه، قال تعالى:

 

﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(82)﴾

 

[ سورة غافر ]

 البينات آية و الأفعال آية و الخلق آية وهذه مصادر ثلاثة لمعرفة الله عز وجل ؛ خلقه يدل عليه وأفعاله تدلُّ عليه و كلامه يدلُّ عليه، إنْ أردتَ أن تعرفه فعليك بالكون متفكِّراً أو بالقرآن متدبِّراً أو بالحوادث متَّعِظاً، لذلك القصص التي يسمعها الناس و التي تظهر فيها عدالة الله في أجلى معانيها هي دلائل على معرفة الله عز وجل، قلتُ لكم مرةً: لي صديق زوجته تركت البيت إلى بيت أهلها و مرَّ على ذلك ستة أشهر و أردتُ أن أكون وسيطاً بين الزوجين فطلبتُ أخ الزوجة وهو موظَّف في إحدى جهات القطاع العام، قال لي:وأنا في طريقي إلى المطار مع مديري كان ثمة جروٌ صغير جالس على طرف الطريق في أيسم الشتاء والزفت في أيام الشتاء دافئ لأنَّه أسود و الأسود يمتص الحرارة و هذا الجرو جالس على طرف الطريق فأراد المدير أن يظهر براعته في القيادة فيقطع يدي هذا الجرو قال: وأنا غير منتبه، و فجأة انعطفت السيارة وأطلق السائق ضحكة باردة فعلاً قطع يديه فقط وتابع سيره، أقْسَم لي بالله وهو عندي أنّه في يوم السبت القادم تعطَّلت له السيارة في المكان نفْسِهِ، ورفع السيارة بالجهاز كي يُغَيِّر العَجَلة، فإذا بالجهاز ينفكّ وتقع السيارة على الجهاز والجهاز على يديه ‍مِن الرسغَين ! ولما أُخِذ إلى المستشفى، وفي حين أخذِهِ اسْوَدَّتْ يداه فَقُطِعَتا !! فهذه أفعاله، وهناك ملايين القِصص، فأفعال الله تدل عليه وخلقهُ يدل عليه، وكلامه يدلّ عليه، فما علينا إلا أن نجهد في معرفته فإذا عرفناه تفانَيْنا في طاعته، أما إن لم نعْرفه فإنَّك تتفنَّن في التَّفلّت، حِيَلٌ شَرْعِيَّة، وتَقْصير، ويقول لك: نحن عبيد إحسان وليس عبيد امْتِحان، ونسأل الله أن يغفر لنا ؛ هذا كلام شيْطاني، فالإنسان يستطيع أن يستقيم، وقد قال تعالى:

 

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

 

[ سورة البقرة ]

 ذَكَرْتُ هذا الدرس، لأنّ الله تعالى يقول:

 

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)﴾

 

[ سورة الروم ]

 بآيتين ثلاثة مصادر للمعرفة ؛ خلقُه وأفعاله وكلامه، قال تعالى:

 

﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(70)﴾

 

[ سورة التوبة ]