الدرس : 4 - سورة الروم - تفسير الآيات 20-23

1995-10-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الله جلَّ جلاله يَجِلّ عن أن يقول كلامًا لا معنى له وقد ذَكَرْتُ هذا من قبل كثيرًا، حينما قال الله عز وجل:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)﴾

[ سورة الروم ]

 مِن للتَّبعيض، الطِّفل الصغير يزن ثلاثة كيلو غرام، فإذا بلغَ سِنَّ الرشْد، تجد وزْنه بالخمسين فما فوق، فهذا الوزْم مِن أين جاء ؟ مِن الطَّعام والشّراب، والطعام والشراب مِن أين جاء ؟ مِن التراب، تُلقي بذْرةً في التراب فَتُصبِحُ ثمْرةً تأكلها، لذا قال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)﴾

 

[ سورة الروم ]

 ألَم يلْفت نظَرك إلى الوردة ذات الألوان الرائِعَة، بياض ناصِع وصفار فاقِع، أحْمر قاني، رائِحة عَبِقَة، وأوراق خضْراء، أشْكال هَنْدَسِيَّة فهذه مِن تُراب، ألم يلْفِت نظَرَك هذه الفاكِهَة لَوْن وطَعْم ورائِحَة وقِوام وشَكْل وتناسُق، في بعض اللَّوْحات الزَّيْتِيَّة توضَع فيها مناظر طبيعِيَّة التفاح والكمَّثرى ؛ غير موضوع الطَّعام والشراب، مَنْظَر جمالي فالفاكهة لها شَكْل جمالي رائِع، فالكتُّاب الذي تَدوسُهُ بِقَدَمِك، طيف أصْبَح هذه الفاكِهَة، وهذه البيْضَة، لو راقَبْتَها لوَجَدْتها تأكل كلّ شيء فقد تأكل القمامة أحْيانًا، تُعْطيكَ بيضة ؛ سِتَّة عشرة فيتامينًا، موادا ودُهوان وكالسيوم، وحموضا أمينيَّة، وهذه البقرة تأكل حشيشا فتأخذ منها الحليب، ولبَنا، وسَمنا، وجبنة، فالألبان أحد أكبر أنواع الغِذاء بِحَياتنا، مِن حليب، فهذه البقرة كيف تصْنعُ الحليب ؟ هي حَيَوان أعْجَم لا يعرف كيف يصْنع الحليب ‍؟ لذا موضوع البقرة موضوع يلْفتُ النَّظَر، غُذَّة الثَّدْيِيَّة بالبقرة قُبَّة فوقها شبَكَة أوْعِيَّة دَمَوِيَّة، والخلِيَّة الثَّدْيِيَّة تنتقي مِن الدَّم حاجتها ؛ تأخذ بروتينا ودهنا وشَحما وفيتامينات وتصنع حليبًا كامِلَ الدَّسَم، لو وازَنْتَ بين الحليب والحشيش، وما يأكله الدَّجاج والبيْض، والتراب والزَّهرة، والتراب والفواكه، قال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)﴾

 

[ سورة الروم ]

 قال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾

 

[ سورة الروم ]

 المرأة إنسانٌ له عَقْل، ومشاعِر وعواطِف ومبادئ، تُحبّ وتغْضب وتَسْعد وتَشْقى، وترضى، فَشَريكَةُ حياتِك فالله تعالى تكريماً لك جعل الزوجة إنساناً يشعر لشعورك ويتألَّم لألمك، ويرضى برِضاك ويغْضب لِغَضَبِك، فأحيانًا الإنسان لو عاش مع آخر دونه معيشيًّا أو ثقافيًّا أو دونه فِكْرِيًّا تجدهُ يضْجر، ومن كرم الله على الإنسان أن جَعَل زوْجته مِن جِنْسِهِ، والنِّساء كما قال النبي صلى الله عليه وسلَّم شقائق الرجال، فالزَّوْجة إنسان لها ميِّزاتها، فَهِيَ تُنْجب الأولاد وتُرْضي زَوْجها، وتقْضي له حاجته، وتقرأ القرآن وتخاف من الله، فَهِيَ من طبيعتكم، ومِن جِبِلَّتِكم، قال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾

 

[ سورة الروم ]

 وقال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)﴾

 

[ سورة الروم ]

 مرَّةً سافَرْتُ إلى إيران فلم أفْهَم ولا كلمة، ولا حرف ! ما هذا اللِّسان ؟! لغة عربيَّة ولغة فارِسِيَّة، ولغة إنكليزية وفرنسيَّة...، وكذا ألوانكم هناك أسْوَد وأبيَض وحِنطي.
 قال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)﴾

 

[ سورة الروم ]

 ينام اثْنان فالأوَّل يرى نفْسَهُ في بسْتان، ومعَ مَن يُحِبّ، وآخر يرى نفسَهُ مع ثعبان، فهذا المنام له معنى كبير ؛ معنى هذا أنَّ لك حياةً نفْسِيَّة لا علاقة لها بالجسَد إطْلاقًا فقد يرى أحدهم منامًا مُفْرِحًا يبْقى شَهْرًا مغْموسًا في السَّعادة، وآخر يرى منامًا مُخيفًا فيبقى مُتأثِّرًا أيَّاما ! فالنَّفْس مُسْتَقِلَّة عن الجسَد، والحقيقة أنّ المنام إشارة من الله على الحياة الأُخْرَوِيَّة، وبِشارة من الله تعالى.
 فالله تعالى:

 

﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ(12)﴾

 

[ سورة الرعد ]

 سحابَةٌ مُكَهْربة كهراءً سلْبِيَّة، وتلك إيجابِيَّة، تلتقي السَّحابتان فيَحْدُث البرْق، فالتَّيار الآن عندنا مائتان وعشرون، أما في السَّحاب فبالآلاف ومئات الآلاف فأحيانًا الصاعقة لا تُبقي ولا تذر ! لولا المطر ماذا نفْعل تَجِفّ الأنهار والآبار، ويموت النبات والحيوان، لي صورة لِبَلَدٍ إفريقي أصابَهُ الجفاف سبعة سَنَوات ! الأبقار ميِّتة والأشْجار كُلّها يابسة والشَّعب كُلّه هاجَر ! تجد بلدًا مُتألِّقًا ؛ صناعات وتِجارات ومحلات بِفَضْل الأمطار ولولاها لَهَجَرْنا هذه البلْدة، فالبيْت الذي ثمنه كذا وكذا إذا انعدم منه الماء أصْبَحَ لا شيء، فهذا المُسْتودَع الضَّخم الذي يُرْوي خمسة ملايين إنسان فقد سَمِعْتُ أنَّ دمشق اسْتِهلاكُها سبعمائة ألف متر مُكَعَّب كل ساعة ! هذه مِن آياته، قال تعالى:

 

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾

 

[ سورة الحجر ]

 فالله أراحنا من تخزين المياه، وأنت حينما تدفَعُ فاتورة الماء، فهذه فاتورة الخِدْمة وليس فاتورة الماء، فالماء ليس له ثَمَن.
 قال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25)﴾

 

[ سورة الروم ]

 شؤون السماوات والأرض بأمْرِهِ تعالى، قال تعالى:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25)﴾

 

[ سورة الروم ]

 الإنسان يموتُ ويُدْفَنُ، ويُدْعى لِيُحاسَب، فالآذِن أحيانًا ينادي في المحكمة فلان الفلاني، فيأتي لِيُحاكَم، قال تعالى:

 

﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26)﴾

 

[ سورة الروم ]

 هذه لامُ المُلْك، أي لهُ خلْقًا وتصَرُّفًا ومصيرًا، فقد تمْلِكُ ولا تنتفِعُ وقد تنتفِعُ به وأنت لا تمْلِكُهُ، وقد تمْلِكُهُ وتنتفِعُ به ومصيرُهُ ليس إليك، قرار اسْتِملاك تُصْبح خارج البيت، ففي الدنيا ليس المصير إليك، أما إذا قلنا عن الله تعالى لَهُ أيْ هو المُتَصَرِّف وهو الذي خلَق وإليه المصير، قال تعالى:

 

﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)﴾

 

[ سورة الروم ]

 كلمَّا تفكَّرتَ في خلقِهِ وجَدْتَ أنَّ الخلق الثاني أهْوَنُ عليه مِن الأوّل !.
 أيُّها الإخوة الكرام، عبادة قصَّر فيها المسلمون ؛ إنَّها التفكُّر في السماوات والأرض، فالإنسان لمَّا يتأمَّل هذه الآيات يتعرَّف إلى الله ويتقرَّب إليه بِطاعَتِهِ، فإنْ رأيْتَ أنَّك تعْصي الله فاعلَم أنَّ في إيمانِكَ نقْصٌ شديد، لأنَّ الإيمان الكامل يَحْملُ صاحِبَهُ على الطاعة، وما دام هناك مُخالفات فمعنى هذا أنّ الإيمان غير مُجْدي وغير كافٍ، فأنت إن أرَدْتَ أن تشتري بيْتًا، وأنت معك مالٌ ولكن ألف ليرة فقط !! فأنت معك المال ولكنَّه غير كافٍ، فأنت تعرف الله ولكنَّك لم تعْرفه المعرفة الكاملة، فالإنسان ينبغي أن يتفكَّر في خلق الله تعالى ؛ في الطَّعام والشَّراب واللَّبن والهواء والإبل، وهذا التَّفكّر يُوَلِّد معرِفَةً بالله، وتلك المعرفة تَحْمِلُكَ على طاعة الله تعالى.