الخطبة : 0540 - المرأة في الإسلام2 ، وليس الذكر كالأنثى

1995-09-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الاختلاف بين الذكر والأنثى :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الأسبوع الماضي كان موضوع الخطبة : المساواة بين الذكور والإناث في ضوء الكتاب والسنة ، وقد بينت لكم أن المرأة كالرجل تماماً من حيث إنسانيتها ، ومن حيث خلقها ، ومن حيث كرامتها ، ومن حيث أنها مكلفة بالتكاليف الشرعية كما هو الرجل مكلف ، ومن حيث وجوب تربيتها ، وتعليمها ، وتحليها بالأخلاق الفاضلة ، ومن حيث العقوبات والمسؤوليات ، ومن حيث العقود والتصرفات. كل هذا بينته في الخطبة السابقة ، ووعدتكم إن شاء الله تعالى أن أعالج موضوع الاختلاف بين الذكر والأنثى . قال تعالى :

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

[سورة آل عمران: 36]

 هي مساوية للرجل من حيث التكليف والتشريف والمسؤولية ، لكن بنيتها الجسمية، والعقلية ، والانفعالية تختلف عن بنية الرجل ، لا اختلاف نقص ، ولكن اختلاف تكامل ، هي تكمله وهو يكملها . هذا الاختلاف الذي بين الزوجين يجعل كل منهما سكناً للآخر ، هذا الاختلاف الذي بين الزوجين يجعل كلاً منهما يكمل نقصه في الآخر ، هذا الاختلاف الذي بين الزوجين هو سرُّ المودة والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن تحدثنا عن الفروق بين الذكر والأنثى انطلاقاً ، أو بين الرجل والمرأة مآلاً ، إن تحدثنا عن هذه الفروق فإنما أبين الفرق بين الجنسين لا بين الفردين ، فربما فاقت المرأة الرجل لحكمة أرادها الله ، وربما فاق الرجل المرأة في اختصاصها .
 الحديث الآن عن الفرق بين الجنسين ، لا بين ذكر وأنثى كفردين.

 

الفروق الجسمية بين الذكر و الأثثى خُلقت لتتناسب مع وظيفة كل منهما :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من الثابت أن هناك فروقاً جسمية واضحةً بارزةً بين المرأة والرجل ، هذه الفروق خُلقت لتتناسب مع الوظيفة التي أناطها الله بالرجل ، والتي أناطها الله بالمرأة ، ولو ربطت بين تلك الفروق وبين الوظيفة التي أرادها الله للرجل ، أو الفروق التي تتميز بها المرأة ، والتي أراد الله لها أن تكون لوجدت الحكمة التي ما بعدها حكمة ، ولوجدت الرحمة التي ما بعدها رحمة.
 أيها الأخوة الكرام ؛ قال العلماء : هناك فروق جسمية في المرأة تتناسب مع وظيفتها التي أعدها الله لها ، فيها غدد ليست موجودة في الرجل ، هذه الغدد تُعدها لخصائص الأنوثة ، فمن نعومة الملمس ، إلى عذوبة الحديث ، إلى غلبة الحياء ، إلى كثرة الخجل ، إلى ضعف التحمل . قال تعالى :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة الروم: 21]

 هذا الضعف وهذه الصفات التي تجذب الرجل هي التي تجعله سكناً لها ، إذاً الخصائص الجسمية التي خصها الله بها كمال في حقها ، وجذب للرجل ليسكن إليها.
 أيها الأخوة الكرام ؛ محبتها للزينة والتجمل أيضاً من خصائص المرأة التي فُطرت عليها. والحديث عن الفروق الجسمية كثيرة جداً ، لكنني اقتطفت من هذه الفروق هذه العبارات الموجزات.
 ثم إنه أيها الأخوة هناك فروق نفسية بين المرأة وبين الرجل ، فعاطفة المرأة أقوى من عاطفة الرجل ، من هنا كان حنوها على أولادها وعلى أبويها وإخوتها أكثر من حنو الرجل ، وأكثر ظهوراً ووضوحاً ، وإثارة عاطفتها أسرع من إثارة عاطفة الرجل ، ودرجة تأثرها العاطفي أشد من تأثر الرجل . إن هذا متفق مع وظيفتها الأولى في تربية الأولاد ، والحنو عليهم ، وتغذيتهم بالعواطف الفاضلة مع اللبن .
 ألم تأت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتقل له : يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهل وجمال ومال ، فلما كبرت سني ، وتفرق أهلي ، وذهب مالي قال : أنت عليّ كظهر أمي . ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إليّ جاعوا .
 أناط الله تربية الأولاد بالمرأة ، فجعلها الله أكثر عاطفة ، عاطفة المرأة أقوى من عاطفة الرجل ، من أجل أن تحنو على أولادها ، من أجل أن تحنو على زوجها وعلى والديها ، إثارة عاطفتها أسرع من إثارة عاطفة الرجل ، درجة التأثر العاطفي أقوى من درجة تأثر الرجل ، هذا متفق مع وظيفتها في تربية الأولاد ، والحنو عليهم ، وتغذيتهم بالعواطف الفاضلة.
 شيء آخر في نفسيتها : إن إرادة المرأة أقل تماسكاً من إرادة الرجل ، ما أكثر ما تريد المرأة ، وما أكثر ما تنسى ما تريد ، وما أكثر ما تعرض عما تريد ، وما أسرع ما يتغير مرادها ، وما أسرع ما تتراجع عن مرادها . إذاً إرادة المرأة أقل تماسكاً ، وتصميماً ، وثبوتاً من إرادة الرجل ، ما الحكمة في ذلك ؟ الحكمة في ذلك أن هذه الإرادة غير المتماسكة تتناسب مع وظيفتها في الحياة ، فإن صلتها بزوجها صلة التابع للمتبوع ، والمطِيع للمُطاع ، ولو كانت لها إرادة الرجل الثابتة الحازمة التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تتراجع لتصادم الزوجان وأدى هذا إلى فراقهما . هناك فرق في إرادة المرأة ، وفرق في عاطفتها ، وهذان الفرقان يتوافقان مع مهمتها في الحياة كزوجة، وأم ، ومربية أولاد.

 

الاستثناء في الحياة هدفه التعريف وبيان نعمة الله وفضله على عباده :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما أذكر هذه الفروق بين المرأة والرجل لا أقصد الفرق بين رجل بذاته ، وامرأة بذاتها ، فقد تجد امرأة قلبها كالصخر ، وقد تجد رجلاً عاطفته متأججة. الحديث عن الفروق بين جنس النساء مع جنس الرجال.
 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا كانت لهذه القاعدة استثناءات ، وهذه من حكمة الله البالغة، الاستثناء من أجل أن تعرف قيمة الأصل ، الشيء المألوف قد لا يُلتفت إليه ، الشيء الذي ليس له استثناءات قد لا ننتبه إليه .
 أنا أذكركم بمثل لا علاقة له بالموضوع إطلاقاً ، ولكن بعض أنواع البقر يصيبها مرض يخرجها عن تذليلها تصبح متوحشة ، فتقتل الرجال ، عندئذ يُضطر صاحبها إلى أن ينهي حياتها ، ويخسر ثمنها الباهظ ، هذا الاستثناء من أجل أن تعرف ما معنى أنها مذللة :

﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾

[ سورة يس : 42]

 إن رأيت في الحياة استثناءً هذا الاستثناء هدفه تعريفي ، وهدفه تربوي ، فمن أجل أن تعرف قيمة الأصل ، وقيمة التصميم ، وقيمة هذا الفرق ، لابد لهذا الفرق من استثناءات ، الاستثناء هدفه التعريف ، وبيان نعمة الله وفضله على عباده.

 

الفروق النفسية بين جنس النساء وجنس الرجال :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ولعل ضعف تماسك إرادتها من أجل أن تكون صلتها بأولادها صلة العطف والحب والرفق ، فالأولاد تغلب على عقولهم العواطف ، والأطفال تغلب عليهم نزواتهم ، فلو أن للمرأة إرادة صلبة لا تتزحزح لا تستطيع أن تواجه أولادها بعاطفة ضعيفة ، وإرادة حازمة ، لذلك تجد المرأة أقرب إلى أولادها من الأب ، لأنها سريعة الاستجابة ، كثيرة التقلب ، تميل مع أولادها حيث يميلون ، لذلك تجد العطف ، والانسجام ، والصلة بين الأولاد وأمهم أشدّ من الصلة بين الأولاد وآبائهم.
 أيها الأخوة الكرام ؛ شيء آخر في الفروق النفسية بين جنس النساء وجنس الرجال: شجاعة المرأة أقل من شجاعة الرجل ، فعادة المرأة أن ترود الطريق الذي طُرق سابقاً ، وأن تسير في الطريق وراء الرجل ، وأن تأتي من الأعمال ما تعرف ، وما سُبقت إليه ، والحكمة ظاهرة في هذا ، فهي بنت أو زوجة ، والتشريع أن تكون القوامة للرجل ، قال تعالى :

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

[سورة النساء: 34]

 فمن أجل أن تكون القوامة للرجل لذلك جعل إقدام المرأة أقل من إقدام الرجل. هو الذي يقتحم ، هو الذي يرود الطرق ، هو الذي يبحث عن المجهول ، هو الذي يبتكر ، هي معه تعينه ، لكنها تسير وراءه ، هي أكبر داعم له من دون أن تملك قدرته على الاقتحام.

 

النقص في المرأة كمال لها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أود أن أشير في هذا الموضوع إلى حقيقة دقيقة هي ؛ أنه ما زاد في قوة عاطفتها ، ونقص من قدراتها النفسية ، والعقلية ، إنه كمال بحقها ، بل منتهى الكمال، وما زاد في قوة إدراك الرجل ، وإرادته ، وشجاعته ، ونقص من قوة عاطفته هو كمال فيه. لعلي إن ضربت مثلاً تتوضح الحقيقة : سيارتان ؛ إحداهما معدة لنقل الركاب ، والثانية معدة لنقل البضائع ، فالمساحة التي تزيد في السيارة المعدة لنقل البضائع والمساحة التي تقل من أجل الركاب كمال في هذه المركبة ، أما التي أُعدت لنقل الركاب ، فالمساحة التي تُوضع للركاب أكثر بكثير من المساحة التي توضع للبضاعة ، وهذا في هذه المركبة كمال فيها. فالنقص نقص كمال لا نقص ضعف ، فلذلك كلمة نقص إذا عزيت إلى المرأة فهو الكمال بعينه. ما زاد من قوة عاطفتها ، وانفعالها ، واهتمامها بأولادها ، وحنوها عليهم ، وما نقص من اهتمامها بالقضايا العامة ، وعدم تماسك إرادتها ، وعدم اقتحامها الأخطار كالرجل ، هذا كمال في حقها ، هذا كمال وذاك كمال ، وهذا التفاوت بين الرجل والمرأة هو الذي يسبب السكنى ، ويسبب الميل ، لأن كل طرف من الرجل والمرأة يجد في الطرف الآخر كمالاً وسداً لنقصه.

 

الفروق الدينية بين المرأة و الرجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك فروق دينية بين المرأة والرجل ، تحدثت عن الفروق الجسمية بإيجاز شديد لأنها واضحة صارخة لا تحتاج إلى معالجة ، وتحدثت عن الفروق النفسية من حيث العاطفة ، ومن حيث الإرادة ، ومن حيث اقتحام الأخطار ، وبينت الفرق بين الجنسين ، بقيت الفروق الدينية .
فالله سبحانه وتعالى أناط بالرجل المسؤولية الأدبية الأخلاقية عن أسرته ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾

[سورة التحريم: 6]

 أيها الأخوة الكرام ؛ أحد المفسرين يقول : قوا أنفسكم وأهليكم ناراً : أي احملوهم على ترك المعاصي وفعل الطاعات ، إن حملت زوجتك على ترك المعصية ، وفعل الطاعة فقد وقيتها النار.
 وقال مفسر آخر : قوا أنفسكم وأهليكم : الأهلين تشمل الزوجة أو الزوجات ، والولد والأولاد. أي مجمل الأسرة زوجة وأولاداً تنطوي تحت كلمة قوا أنفسكم وأهليكم.
 أيها الأخوة الكرام ؛ سأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى هذه الآية : قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ، فقال عليه الصلاة والسلام : أن تنهاهن عما نهى الله، وأن تأمرهن بما أمر الله ، فيكون ذلك وقاية بينهن وبين النار. هذا معنى الآية ، وكل مؤمن مأمور بنص هذه الآية أن يقي أهله وأولاده النار ، بحملهم على الطاعات ، ونهيهم عن فعل المعاصي والمنكرات.
 لذلك يقول الإمام علي كرم الله وجهه : علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم. قيسوا بأنفسكم أولادكم ، لأن الولد بضعة من الوالد . لذلك استنبط الفقهاء أن على الرجل أن يطلب العلم ، وأن يتعلم ما ينبغي أن يُعلم بالضرورة من أجل أن يعلم أهله وأولاده.. كيف يعلمهم؟ كيف يقي زوجته وأولاده النار إن لم يأمرهم بأمر الله وينهاهم عما نهى الله عنه ؟ لذلك ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة ، فإذا أمرك الله أن تقي أهلك النار بأن تعرفهم أمر الله ونهيه ، وأن تحملهم على طاعة الله وترك معصيته ، فهذا يقتضي أن تعرف الأمر والنهي أنت ، ويقتضي أن تطبق أنت. ففي هذا الأمر الذي أمرنا الله به من وقاية أهلنا النار أمر ضمني مستنبط أن تطلب العلم أنت أيها الزوج ، أن تعرف أمر الله ونهيه ، وأن تحمل أهلك على طاعة الله ، وعلى ترك معصيته ، من أجل أن تحقق هذه الآية.
 وفي الحديث الشريف :

((رحم الله رجلاً قال : يا أهلاه صلاتكم - منصوب على الإغراء ، أي الزموا صلاتكم - يا أهلاه صلاتكم ، صيامكم ، زكاتكم ، مساكنكم ، أيتامكم ، جيرانكم ، لعل الله يجمعكم معه في الجنة))

[ورد في الأثر]

 لعل الله يجمع الأهل مع الرجل في الجنة ، إذا أمرهم فائتمروا ، وإذا نهاهم فانتهوا. هذه الآية :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾

[ سورة التحريم : 6 ]

 أصل في هذا الباب ، مسؤولية الآباء كبيرة جداً ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ))

[مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 الحديث أثبت للرجل أنه يقوت أبناءه ، يطعمهم ، يكسب لهم المال ليشتري لهم الرزق فيأكلوا ، لكنه ضيعهم ؛ لأنه ما عرفهم بربهم ، ولا عرفهم بأمر ربهم ، ولا بنهيه ، ولا حملهم على طاعة ربهم ، وعلى ترك معصيته . لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ))

[مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الأمور الدينية أناط الله بالرجل المسؤولية الأدبية والأخلاقية والدينية عن أسرته .

 

مسؤولية الرجل في الإنفاق على الزوجة و الأولاد :

 وهناك فرق آخر هو أن الله سبحانه وتعالى أناط بالرجل مسؤولية الإنفاق على الزوجة والأولاد ، لذلك قالوا : طلب الرزق فريضة بعد الفريضة . أي بعد أن تؤدي الفرائض ، الفريضة الثانية بعد أداء الفرائض أن تطلب الرزق ، وأن تكسب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك يد ابن مسعود مرة فرآها خشنة من عمله الشاق ، فرفعها وقال لأصحابه : إن هذه اليد يحبها الله ورسوله.
 وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : إنما أُنزل هذا القرآن ليعمل به ، هناك من يتخذ قراءته عملاً ولا يعمل به ، إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به ، فإن اتخذت قراءته عملاً ولم تعمل به فقد خسرت خسارة كبيرة ، لأنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ، ولأنه رب تال للقرآن والقرآن يلعنه.
أيها الأخوة الكرام ؛ مسؤولية الإنفاق على الزوجة والأولاد من طعام وشراب وكساء ومأوى على قدر المكنة والسعة ، مسؤولية أساسية ، لذلك يمكن أن يكون طلب الرزق عبادة من أجلّ العبادات.
 إذا كانت لك حرفة مشروعة في الأصل ، وسلكت بها الطرق المشروعة ، وابتغيت منها كفاية نفسك وأهلك ، وابتغيت منها الإنفاق على الفقراء ، وابتغيت منها خدمة المسلمين ، ولم تشغلك عن فريضة ، أو عن واجب ، انقلبت هذه الحرفة إلى عبادة ، بل إن الفقهاء يقولون: إن المباحات إذا رافقتها النوايا الصالحات انقلبت إلى عبادات.
 يقول الله عز وجل :

﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾

[سورة الطلاق: 7]

 وفي آية أخرى :

﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

[سورة البقرة: 233]

 هذا هو الفرق الديني بين المرأة والرجل ، أناط الله - في نطاق الأسرة - بالرجل المسؤولية الأدبية والدينية والأخلاقية ، وأناط به الإنفاق على الزوجة والولد.
 إذاً كسب الرزق من أجل أن تنفق على أهلك هذا من العبادة.

 

مسؤولية الرجل عن قيادة الأسرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لأن الرجل هو الذي يطلب الزواج ، وهو الذي يدفع المهر ، وهو الذي يؤمن المسكن ، ولأن الرجل أنيطت به قوامة الأسرة ، هو القيّم له درجة القيادة ، ولأن الرجل هو الذي ينفق على هذه الأسرة ، ولأن الرجل أقوى إرادة ، وأكثر تعقلاً ، وأبصر بالعواقب، لذلك أنيط به وحده نقض الزوجية . نقض الزوجية لا تكون إلا عن طريق الرجل.
 أيها الأخوة الكرام ؛ الأسرة مركب لابد له من قائد ، والأم التي تقوي مركز زوجها أمام أولادها لصالحها ، لأنه إذا ضعفت مكانة الزوج تضعضع كيان الأسرة ، وتفلت الأبناء من رقابة الأب ، ومن الانصياع له ، فالمرأة العاقلة هي التي تقوي مكانة الأب وتدعمها ، من أجل أن تكون لهذه الأسرة قيادة حكيمة ، وإرادة حازمة ، ودفع نحو الطريق السليم.

ضرورة إقرار النساء في البيوت :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا يخفى عليكم أيضاً أن هناك فرقاً بين الذكور والإناث في العبادات ؛ في الصلاة ، في الصيام ، في الحج ، هذه معروفة لكم جميعاً ، وهناك فرق أقره الدين وهو الإقرار في البيوت ، الأصل في المرأة أن تقرَّ في بيتها ، قال تعالى :

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ﴾

[سورة الأحزاب: 33]

 فإذا خرجتن لضرورة :

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

[سورة الأحزاب: 33]

 هكذا جاء السياق ، أي ينبغي ألا تؤذي من في الطريق بمفاتنها :

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾

[سورة الأحزاب: 33]

من أحسن اختيار زوجته و عرفها بربها يكافئه الله في الدنيا قبل الآخرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الموضوع طويل ، لكن أخذ القليل خير من ترك الكثير . كما أن المرأة مساوية للرجل في التكليف ، وفي التشريف ، وفي المسؤولية ، وقد جعلها الله راعيةً في بيت زوجها ، وهي مسؤولة عن رعيتها ، كذلك هناك فرق بين المرأة والرجل ينبغي ألا نتجاهله ، إن هذا الفرق هو من الحكمة بمكان ، إن هذا الفرق هو الذي يؤكد الوظيفة المقدسة التي أنيطت بالمرأة ، إن هذا الفرق هو الذي يجعل الرجل ينجذب إلى المرأة ، هو الذي يجعلها سكناً له ، هو الذي يوفق بينهما ، هو الذي يجعل كل طرف من الزوجين يكمل نقصه في الطرف الآخر ، فالشيئان المفترقان يتطابقان ، لكن الشيئين المتشابهين لا ينطبقان.

 

 أيها الأخوة الكرام ؛ ألصق شيء بحياة الرجل عمله وزوجته ، فإذا أحسن أحدكم أن يختار أو لم يحسن ، إصلاح الزوجة مفتوح بابه طوال العمر ، فإذا أصلحت نفسك ، وطلبت من الله أن يصلح لك زوجك ، فالله جل جلاله - في الأعم الأغلب - يستجيب لهذا الدعاء المخلص ، فيجعل من زوجتك قرةً عين لك ، بل إن الله سبحانه وتعالى يبين أن الإنسان إذا أحسن اختيار زوجته ، وإذا عرفها بربها ، وحملها على طاعة الله ورسوله يكافئه في الدنيا قبل الآخرة ، ما هي هذه المكافأة ؟ تصبح الزوجة والأولاد قرةَ عين للزوج ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

[سورة الفرقان: 74]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الكلام ، وتلك النصوص ، وهذه الحقائق مقتبسة من منهج الله عز وجل ، من الخالق ، قال تعالى :

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[سورة فاطر: 14]

 من هي الجهة الخبيرة بطبيعة الحياة الزوجية ؟ من هي الجهة التي صممت والتي رتبت والتي أعطت كل جنس خصائصه الجسمية والعقلية والنفسية والاجتماعية ؟ ومن جعل كل جنس يكمل الجنس الآخر ؟ إنه الله ؛ لذلك مهما تاهت البشرية ، ومهما بحثت ، ومهما تخبطت، لابد من أن تعود إلى كتاب الله ، إلى المنهج القويم ، وإلى الصراط المستقيم ، لابد من أن تعود إلى تعليمات الصانع ، لابد من أن تعود إلى خبرة الخبير ، إلى العليم ، إلى الذي خلق فسوى.

 

الجهل عدو الدين الأول :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أكاد أقول وأنا واثق مما أقول : إنه ما من مشكلة على وجه الأرض صغيرة أو كبيرة ، ضيقة أو واسعة ، فردية أو جماعية ، في شتى بقاع الأرض ، ما من مشكلة إلا بسبب خروج عن منهج الله ، وما من خروج عن منهج الله جلّ جلاله إلا بسبب الجهل ، يمكن أن نقول : إن أكبر عدو لهذا الدين ليس الذين يريدون أن يقوضوه ، ولكن أكبر عدو لهذا الدين هو الجهل . إن جهلت بالدين فأنت أعدى أعداء الدين ، يجب أن نعرف ديننا ، يجب أن نعرف منهجنا ، يجب أن نطلب العلم.
أيها الأخوة الكرام ؛ الذي يؤكد في الإنسان إنسانيته طلب العلم.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الفرق الدقيق المادي والجسمي بين المرأة والرجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تتميماً لهذا البحث أنقل لكم رأي بعض العلماء في الفرق الدقيق المادي والجسمي بين المرأة والرجل ، يقول هذا العالم الطبيب بعد دراسة طويلة أثبتها في كتب معتمدة : إن قامة المرأة في جميع الأجناس أقصر من قامة الرجل ، بل إن معدل الفرق عند تمام النمو عشرة سنتيمترات ، كذلك الوزن ؛ هيكل المرأة العظمي أخف من هيكل الرجل العظمي وتركيب هيكلها يجعلها أقل قدرة على الحركة والانتقال ، وعضلاتها أضعف من عضلات الرجل بمقدار الثلث ، لكنها تفضله بنسيجها الخلوي الذي يحوي كثيراً من الأوعية الدموية والأعصاب الحساسة ، ونسيجها الخلوي يسمح لها باختزان طبقة دهنية ، وبفضل هذه الطبقة الدهنية تكون استدارة الشكل . مخ الرجل يزيد عن مخ المرأة بمئة غرام ، ونسبة مخ الرجل إلى جسمه واحد من أربعين ، ونسبة مخ المرأة إلى جسمها واحد من أربعة وأربعين ، مخها أقل ثنيات ، وتلافيفها أقل نظاماً ، أما القسم السنجابي - القسم الإدراكي في المخ - فهو أقل مساحة ، لكن مراكز الإحساس والإثارة والتهيج أشدّ فاعلية بكثير من مراكز الرجل ، وتنفس المرأة ، صدرها ورئتاها أقل سعة من صدر الرجل ورئتيه ، لكن تنفسها أسرع من تنفسه ، وقلبها أصغر من قلبه ، لكن نبضها أسرع من نبضه.
 هذه الفروق الدقيقة من حيث القلب ، والتنفس ، ومراكز الإحساس ، والدماغ ، ومن حيث الهيكل العظمي ، ومن حيث القامة ، ومن حيث الوزن ، هناك تصميم من عند حكيم عليم ، هذا التصميم هو الذي يجعل المرأة - كما قلت في مطلع الخطبة - محببةً إلى الرجل وقد جعلها الله سكناً ، قال تعالى وقبل أن أذكر هذه الآية أذكركم بآيتين اثنتين :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾

[سورة الشورى :29]

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾

[سورة فصلت : 37]

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾

[سورة الروم : 23]

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة الروم: 21]

المودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله عز وجل :

 هذه المودة والرحمة بين الزوجين هي من خلق الله عز وجل ، وهي الأصل في العلاقة الزوجية ، فإذا فقدت فهناك خلل خطير ، هناك خروج عن تصميم الله عز وجل ، هناك خروج عن سنة الله في خلقه ، لذلك ما من زواج يُبنى على طاعة الله ، ولو افتقر إلى معظم مقومات نجاحه إلا ويتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين ، وخلق المودة والرحمة بينهما ، وما من زواج يُبنى على معصية الله ولو توافرت له كل أسباب النجاح إلا ويتولى الشيطان التفريق بينهما ، فإذا رأيت في البيت مشكلة ، إن رأيت في البيت خللاً ، إن رأيت في العلاقة الزوجية نفوراً ، فاتهم نفسك قبل أن تتهم الآخرين ، اتهم نفسك بالتقصير ، اتهم نفسك بعدم القيام بالواجبات التي أرادها الله منك ، وكان الإمام الشعراني يقول : أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي.

طلب العلم فريضة على كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مادام في العمر بقية ، ومادام هناك فسحة أمام الإنسان فعليه أن يصلح ذاته ، وعليه أن يصلح أقرب الناس إليه زوجته ، وعليه أن يقي أولاده من النار بتربيتهم ، ونصحهم ، وتوجيههم ، وحضهم على طلب العلم ، وهذه المساجد ما بنيت ، وما رفعت ، إلا ليذكر اسم الله فيها ، ليذكر أمره ونهيه ، ليذكر حلاله وحرامه ، لتذكر مواعظه ، ليذكر وعده ووعيده ، هذه المساجد كما قال الله عز وجل :

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾

[سورة النور: 36-37]

 أذكركم - أيها الأخوة - بأن كلمة رجل في القرآن - في الأعم الأغلب - لا تعني الذكر ، تعني البطل .

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[سورة النور: 36- 38]

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا انطلقت من بيتك إلى المسجد فاعلم أنك في ضيافة الله ، سوف تزداد علماً ، وسوف تزداد قرباً ، وسوف تزداد اطمئناناً ، وسوف تزداد يقيناً ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاث مرارٍ نكتت نكتة سوداء في قلبه ، ثم يكون الران ، ثم تلا النبي قوله تعالى : ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ ))

((مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مِرَارٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيَّ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وهل كالمسجد يُطلب فيه العلم ؟ هناك علم ممتع ، وأي علم ممتع ، وهناك علم ممتع نافع ، لكن العلم بالله ، وعلم أمره ونهيه علم ممتع نافع مسعد في الدنيا والآخرة . هناك علوم تنتهي عند الموت ، أما علوم الدين فتبدأ منذ طلب العلم ، وتستمر معك إلى أبد الآبدين ، العلم الديني هو العلم الحقيقي ، ما كل ذكي عاقل ، الذي يعرف الله ، ويعرف سرَّ وجوده ، وغاية وجوده هو العاقل .
 مرَّ عليه الصلاة السلام مع أصحابه برجل مجنون ، قال لأصحابه وقد سألهم سؤال العارف : من هذا ؟ قالوا : هذا مجنون ، قال : هذا مبتلى ، المجنون من عصى الله.
 دخل إلى المسجد ، رأى نسابة ، سألهم سؤال العارف : قال من هذا ؟ قالوا : هذا نسَّابة ، قال : وما نسابة ؟ قالوا : يعرف أنساب العرف . فقال عليه الصلاة والسلام :

((ذاك علم لا ينفع من تعلمه ، ولا يضر من جهله))

[ورد في الأثر]

 لذلك كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول :

((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن عين لا تدمع ، ومن أذن لا تسمع ، ومن نفس لا تشبع ، وأعوذ بك من هؤلاء الأربع))

[النسائي عن أنس بن مالك ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم ارزقنا التأدب ونحن في بيوتك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .