علم القلوب - الدرس : 35 - الإخلاص2 : أوجه الإخلاص2

1999-05-09

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

وجوه الإخلاص :

1 ـ المخلص كلامه كله في سبيل الله يتكلم الكلمة المناسبة التي تجمع ولا تُفرق :

 أيها الأخوة الكرام, لا زلنا في موضوع الإخلاص.
 والوجه الرابع للإخلاص: قوله تعالى:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾

[سورة النساء الآية:114]

 لقد نفى الله جل جلاله أن يكون في كلام العبد نفع للعبد, إلا في هذه الحالات الثلاث:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾

[سورة النساء الآية:114]

 الكلمة الطيبة صدقة.
 أية دعوة إلى الله بالمفهوم الواسع هي صدقة, أية نصيحة, أية دعوة إلى التمسك بكتاب الله, أية دعوة إلى الإعراض عن الدنيا, أية دعوة إلى طاعة الله, هذه عند النبي -صلى الله عليه وسلم- صدقة, لأن أفضل صدقة أن تدل إنساناً على الله عز وجل, طبعاً بالمعنى الواسع, والمعنى الضيق أن تدعو الناس إلى الإنفاق.
 قيل في تفسير هذه الآية: "موعظتك لأخيك بالله صدقة, تتصدق بها عليه, وكف أذى لسانك عن المسلمين صدقة, وإرشادك الأعمى إلى الطريق صدقة".

 

المؤمن مع الحق :

 وقوله تعالى:

﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾

[سورة النساء الآية:114]

 هو كل ما قبله العلم, أو عُرف مثله في الأثر الصحيح؛ شيء معروف بالعلم, أو بالنقض, أو إصلاح بين الناس, هو الكلام في إصلاح ذات البين.
 فإذا أصلحت بين اثنين, أو أصلحت بينك وبين الآخرين, فهذا من قبيل إصلاح ذات البين.
 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))

[رواه الترمذي عن أَبِي الدَّرْدَاءِ ]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾

[سورة النساء الآية:135]

 وقال ابن عباس: "كونوا قوامين، ناطقين بالحق:

﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾

[سورة النساء الآية:135]

 ولو كانت الشهادة على أنفسكم, أو على أبويكم, أو على أقربائكم, لا تميلوا مع الهوى في أقوالكم؛ ولكن انطقوا بالحق".
 المؤمن مع الحق, غير المؤمن مع الهوى, مع أقربائه, ينحاز إلى جماعته, ولو كانوا على باطل, ينحاز إلى أولاده, ولو كانوا على باطل:

﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾

[سورة النساء الآية:135]

المخلص تعد كلامه عدّاً لأنه يراقب نفسه مراقبة دقيقة :

 أوحى الله جل جلاله إلى بعض أنبيائه: "أن يا داود, حرام على قلب يحب الدنيا أن يقول الحق".
 أي قلب يحب الدنيا لا ينطق إلا بالباطل.
 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((مَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَو لِيَسْكُتْ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]

 قالوا: المخلص تعد كلامه عدّاً، لأنه يراقب نفسه مراقبة دقيقة؛ ينطق بالكلمة التي ترضي الله عز وجل, ينطق بالكلمة التي تجمع ولا تفرق, ينطق بالكلمة التي تؤلف ولا تبعد, ينطق بالكلمة التي تُرَضِّي الناس عن الله عز وجل.
هناك شخص شيطان يتكلم؛ إذا دخل إلى بيت, يزدري هذا البيت, إذا زار أخته, يصغر زوجها في نظرها, إذا دخل إلى بيت صديقه, يصغر متاعه في نظره, التقى بشخص, يحتقر دخله أمام دخله, شيطان يتكلم.

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ترفعه إلى أعلى عليين، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى يهوي بها إلى أسفل سافلين ))

[ورد في الأثر]

 والكلمة الطيبة صدقة, والإنسان قد يسقط من عين الله بكلمة.
 قيل: "من تكلم بكل ما يريد, لم يتورع في كلامه, ومن كثر كلامه, كثر خطؤه, ومن أكل -أكل ما يشتهي-, لم يتورع في طعامه, ومن نام في الليل أكثر من ثلاثة أرباعه, لم يتورع في نظره, ومن زاد ثمن كسوته عن أربعين درهماً, لم يتورع في كسوته, ومن رفع بنيان بيته عن ثمانية أذرع, لم يتورع في بنيانه, ومن علا صوته عند ضحكه, لم يتورع في ضحكه".
 كان عليه الصلاة والسلام جل ضحكه التبسم.

 

2 ـ إخلاص الأخلاق :

 الوجه الخامس للإخلاص: إخلاص الأخلاق, فقد قال الله تعالى مدحاً لنبيه -صلى الله عليه وسلم-:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

[سورة القلم الآية:4]

 قال أنس بن مالك: "خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين, فوا الذي بعثه بالحق نبياً, ما قال لي في شيء فعلته وهو يكره ذلك لم فعلته؟ وما تركت شيئاً قط من خدمته كان يحب أن أفعله, فقال لي: ما لك لِمَ لم تفعله؟ فضلاً عن أن يُلزمني في شيء, وما كان أحد يلزمه في شيء إلا قال: دعوه, فإنما كان هذا بكتاب وقدر, وكان إذا أراد أو افتقر عليه قال: لو قدر لكان, وما كان يعيب طعاماً قط إذا قدم إليه, إذا اشتهى أكل, وإذا لم يشته ترك, لا يغضب لنفسه, ولا ينتصر لها, فأما الشيء الذي من حقوق الله تعالى, أو من حقوق الناس بعضهم من بعض, فليس عنده هوى لقريب أو بعيد إذا غضب".
 وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس قواماً, وأحب الناس وجهاً, وأطيب الناس ريحاً, وألين الناس كفاً, ما شممت رائحة مسك ولا عنبر أطيب من رائحته, وما مسكت قزاً ولا حريراً ألين من كفه, ولقد قالت عائشة في ذلك:

ما ضرّ من شم تربة أحمد  ألا يشم الدهر ريح الغواليا
***

3 ـ الدين الخالص الذي يقبله الله عز وجل ما كان خالصاً لوجهه :

 الوجه السادس للإخلاص:

﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾

[سورة الزمر الآية:3]

 قال بعض العلماء: إن من لطائف هذا الدين قوله جل جلاله:

﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾

[سورة الزمر الآية:3]

 وهذا تهديد لطيف, معنى ذلك أن الدين الخالص الذي يقبله الله عز وجل ما كان خالصاً لوجهه.
 لو إنسان رأى أوزاناً غير صحيحة, قال: أنا عندي الوزن الصحيح, أي لا أقبل إلا الوزن الصحيح, وهذا من ألطف أنواع التهديد:

﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾

[سورة الزمر الآية:3]

 الدين الذي أقبله, الدين الذي أبارك صاحبه ما كان خالصاً لله عز وجل.

 

المخلص عمله القليل يُغني عن عمل كثير من دون إخلاص :

 المشكلة الإنسان قد يتحرك, وهو يتوهم أنه يرضي الله, وهو في الحقيقة يرضي ذاته.
 فيقول سيدنا عمر -رضي الله عنه-: "تعاهد قلبك".
 الإنسان بحاجة ماسة إلى أن ينظر إلى أعماله؛ يا ترى فيها رياء؟ فيها نفاق؟ فيها تظاهر أمام الناس؟ هل هناك مسافة بين سريرته وعلانيته؟ بين خلوته وجلوته؟ هل يفعل شيئاً فيما بينه في البيت يستحي أن يراه الناس؟
 إذا يوجد عنده خلوة وجلوة, وظاهر وباطن, وسر وعلن مختلفان, فهذه بشارة لا تفضي إلا إلى أن الإخلاص ضعيف, أما إذا كان لا تأخذه في الله لومة لائم, وسريرته كعلانيته, وباطنه كظاهره, وسره كجهره, وخلوته لجلوته, فهذه ظاهرة طيبة.
 المخلص عمله القليل يُغني عن عمل كثير من دون إخلاص.
 يروون أن إنساناً صلى في المسجد أربعين عاماً في الصف الأول, مرة غاب عن المسجد فقال: ماذا يقول الناس عني؟
 أربعون عاماً يصلي في المسجد في الصف الأول لينتزع إعجاب الناس, فلما تخلف يوماً عن ذلك, الذي أهمه ماذا يقول الناس عنه؟ هذا مؤشر خطير جداً.
 أكثر الأسر تجدهم يقبلون أي عمل سيئ فيما بينهم وبين أسرتهم, أما إذا انتقل هذا الشيء إلى الآخرين فيغضبون, هو لا يغضب إذا انتهكت حرمات الله عز وجل, إذا بقيت في البيت, أما يغضب إذا أُشيع عنه ذلك, فهذه ظاهرة خطيرة جداً؛ هو يخشى الناس, ولا يخشى الله, يخشى ما عند الناس, ولا يخشى الله.

الإخلاص أثمن شيء في الدين بل هو عبادة القلب :

 البارحة في الدرس ذكرت شيئاً لم أقرأه من قبل: أحد كبار العلماء خرج للمدينة, فخرج معه قوم كثيرون, فدعا الله عز وجل ألا يكون هؤلاء الأتباع الكثر حجاباً بينه وبين الله, كما يرجو لهم ألا يكون هو حجاباً لهم عن الله.
 أحياناً الإنسان ينسى الله عز وجل, يتجه لشخص, يهمه أن يرضيه, يعمل ليراه, يخاف أن تخدش مكانته عنده, وينسى الله عز وجل.
 فأحياناً يكون الأتباع حجاباً, أحياناً الذي يدعوهم إلى الله هو الحجاب, أما الأصل فهو الله عز وجل. فالإنسان إن حيل بينه وبين الدعوة إلى الله يقول: يا رب, أنا أدعو إليك, فإذا قدرت ألا أتكلم فهذه مشيئتك, لا يتأثر.
 أي أنا يا رب جندي للحق, إن سمحت لي فهذا يسعدني, وإن لم تسمح لي فأنا راض, أما إذا هناك مصالح, أو مكاسب ولو معنوية, فيتأثر تأثراً غير معقول, أنت جندي عند الله عز وجل, سمح لك أن تتكلم تتكلم, لم يسمح لك تبقى صامتاً، فكلما ارتفع مستوى الإخلاص العمل قُبل, وشعرت أنك قريب من الله عز وجل.
 قال لي شخص: الإخلاص كيف يكون؟ قلت له: الإخلاص محصلة إيمانك كله, واستقامتك, وجهادك, وطلبك للعلم, كل هذا النشاط المكثف محصلة الإخلاص, لا يأتي بساعة, أو بكلمة, أو بتقليد, الإخلاص مؤشر عميق جداً.
 كيف أن سعر العملة في بلد مؤشر إلى اقتصادها؛ أي الثروات الباطنية, مع الإنتاج الصناعي الضخم, مع الهيمنة الدولية, مئة عامل يدخلون في سعر العملة.
 فلذلك: الإخلاص أثمن شيء في الدين, بل هو عبادة القلب, كل شيء تفعله من الظاهر هذه عبادة الجوارح, والإخلاص عبادة القلب.

مؤشرات عدم الإخلاص لله :

 أكثر شيء ملاحظ أن المخلص يأتيه ثمن عمله الصالح, يمكن أن نسميها سكينة تملأ قلبه, أو شعوراً بالفرحة في عمله الصالح, يقبض الثمن, أما غير المخلص فإذا عمل عملاً صالحاً, ولم يجد مديحاً كافياً, لم يلق ثناء كافياً, يضطرب, وكأنه يعمل ليمدحه الناس, فإذا جاء المدح مكافئاً لعمله يرتاح, إذا جاء المديح أقل من عمله: يا أخي لا أحد ينتبه للعمل, ليس واضحاً معهم, معنى ذلك أنك تعمل لهم, فهذه نقطة مهمة.
 إذا عملت عملاً صالحاً؛ لم تجد ردّ فعل طيب, لم تجد تقديراً لعملك, وتأثرت وغضبت, فهذا مؤشر غير مريح, هذا مؤشر على أنك ترجو ما عند الناس.
 وربنا عز وجل لحكمة بالغة إذا علم من العبد عدم الإخلاص, ألهم الذين من حوله ألا يقدروا عمله حتى ينبهوه؛ إنك تعمل من أجلهم لا من أجلي, فهذا مؤشر.
 المؤشر الثاني: إذا عملت عملاً صالحاً, ولم تسعد فيه, الدليل: ليس لله, عملت عملاً طيباً؛ لم تشعر بالإقبال على الله, لم تشعر أن الله عز وجل تجلى على قلبك, لم تشعر أنك قريب منه, معنى ذلك أن العمل ليس لله.
 المؤشر الثالث: إن كان هناك مسافة بين خلوتك وجلوتك, بين سرك وعلانيتك, بين ظاهرك وباطنك، فهذا أيضاً مؤشر عن عدم الإخلاص.
 ثلاثة مؤشرات؛ أول مؤشر: هذه المسافة بين الظاهر والباطن, ثاني مؤشر: أن تضطرب حين لا ترى مديحاً يكافىء عملك, الثالث: ألا تجد حلاوة في قلبك إثر عمل صالح, لو كان لله عز وجل قبضت الثمن من الله, ولا تعبأ بمديح الآخرين, فلذلك: المخلص يستوي عنده المديح والدين.

من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به :

 من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، المخلص لا يهمه ردّ الفعل, الله أحياناً يعطيك امتحاناً صعباً, تخدم إنساناً خدمة عالية جداً لله, الله لحكمة بالغة لا أقول: يلهمه أن يزعجك, لكن الإنسان يزعجك بالعمل, لكن المخلص برداً وسلاماً:

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾

[سورة الزمر الآية:9]

 إن مدحك أو لم يمدحك, لو ذمك, أنت خدمته لله, هو ذمك, عملك لله, وقبضت الثمن صلة بالله عز وجل.
 كانت المؤشرات الثلاثة مهمة جداً؛ المسافة بين الخلوة والجلوة, والظاهر والباطن, والسر والعلن, وعدم الراحة عقب العمل الصالح, دليل عدم وجود الإخلاص, والثالثة: إذا كان ردّ فعل الناس بعملك الصالح ضعيفاً, وأنت اضطربت اضطراباً شديداً فهذا دليل عدم الإخلاص, أما المخلص فيعمل العمل الذي يرضي الله, ولا يعبأ برد الفعل, وهذا المعنى دقيق جداً.

 

المخلص يهمه إرضاء الله عز وجل :

 ورد في الحديث الشريف, يفهمه الناس فهماً خاطئاً:

((إذا لم تَسْتحِ فَافْعلْ مَا تشاء))

[أخرجه البخاري وأبو داود عن أبي مسعود البدري]

 أي إذا لم تستح من الله في هذا العمل, وكنت به مخلصاً, افعل ما تشاء, ولا تعبأ بقول الآخرين.
 مثلاً: إنسان عنده مشكلة زوجية, فتزوج امرأة ثانية, ليس مقبولاً اجتماعياً أن يأخذ اثنتين, هناك أشخاص يعصون الله, يتساهل, يقع في بعض المخالفات, دون أن يجرح مكانته الاجتماعية, هناك إنسان لا, يفعل ما سمح الله به دون أن يجرح مكانته الاجتماعية, طبعاً الناس يتكلمون كلاماً غير مقبول, يذمونه, يسخرون منه, أما المؤمن فلا يوجد عنده حل ثان, لا يستطيع أن يعصي الله عز وجل, فيقوم بشيء قد لا يرضي الآخرين, لكنه يرضي الله عز وجل.

((إذا لم تستح فاصنع ما تشاء))

[أخرجه البخاري وأبو داود عن أبي مسعود البدري]

 ابن المبارك ذاهب للحج, رأى طفلة تنقب في قمامة, فإذا بطير ميت تأخذه وتركض, تبعها إلى البيت, بيت فقير جداً, مات رب الأسرة, ولم يترك لهم شيئاً, فتذهب هذه الفتاة إلى القمامة تنقي, هذا الرجل العالم الكبير أعطى الأسرة كل ما معه, وعاد إلى بلده.
 هناك شخص لا يقبل إلا أن يذهب كل سنة إلى الحج, أصبح هناك له مكانة, كل سنة يحج, إذا كان عنده ابن ليس متزوجاً, تزويج الابن أولى.
 والله أعرف أشخاصاً, يسكن في بيت, ثمنه ثلاثون مليوناً, وله ولدان, ثلاثة, يتألمون من شدة العزوبية لا يوجههم, بع البيت, خذ عدة بيوت, كل بيت بعشرة ملايين, لا يبيعه, هذا مكانه؛ بيت فخم, ثلاثمئة متر بأرقى أحياء دمشق, تجعل أولادك يتقلبون على فراش العزوبية, وفي أشد الحاجة إلى الزواج, لا يبيع البيت, أما المخلص فيهمه إرضاء الله عز وجل, لا يهمه المظاهر.

 

المظاهر لا قيمة لها عند الإنسان المخلص :

 الناس حجبتهم المظاهر عن الله عز وجل, لو المظاهر حقيقة تحل كل مشاكلنا فلابأس, لكن هناك طلبات فوق طاقة الشباب, فإذا الآباء لم يتساهلوا, المخلص لا يهمه المظهر.
 يروون أن أحد كبار التابعين -سعيد بن المسيب-, خطب ابنته الوليد بن عبد الملك, فاعتذر, عنده مريد فقير جداً, تفقده, لم يأت إلى الدروس, سأل عنه, فقيل له: إن زوجته توفيت, فواساه في وفاة زوجته, وعرض عليه تزويجه من ابنته, وهو لا يملك إلا درهمين, ذهب إلى بيته مهموماً؛ مساء طرق الباب قال: "من الطارق؟ قال له: سعيد, خطر في باله أربعون سعيداً إلا شيخه, فتح الباب فإذا بشيخه وقد دفع له ابنته, قال له: كرهت أن تنام وحدك الليلة".
 إنسان سمح له أن تكون ابنته السيدة الأولى في البلاد فزوجها من إنسان فقير!! لكن يرجو لها صلاح آخرتها.
 فالمخلص المظاهر ليس لها عنده قيمة أبداً, الناس يقاتلون ويرتكبون المعاصي الكبيرة للمظاهر فقط, هذه نقطة كبيرة في الإخلاص.
 المؤشرات ثلاثة: شعورك بالسعادة عقب العمل الصالح, وألا يكون هناك مسافة بين ظاهرك وباطنك, والثالثة: لا تغضب إذا لم يمدحك الناس ولو ذموك.
 من عرف نفسه ما ضره مقالة الناس به.
 والله عز وجل أعطانا هذه المؤشرات, لتكون عوناً لنا على الإخلاص، "ويا معاذ, أخلص دينك, يكفك القليل من العمل".