علم القلوب - الدرس : 39 - الإخلاص6 : من معاني الإخلاص

1999-05-29

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإخلاص عبادة القلب والسلوك عبادة الجوارح :

 أيها الأخوة, لازلنا في الإخلاص لله تعالى, لأن الإخلاص لله تعالى شطر الدين, بل هو الدين كله, كيف؟ لعبادة: لها مظهر مادي, ولها حالة قلبية:

﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾

[سورة الزمر الآية:2]

 فالإخلاص عبادة القلب, والسلوك عبادة الجوارح, فإن لم يكن هناك إخلاص فا قيمة لعبادة الجوارح. إذاً: هو الدين كله.
 قيل: هو شطر الدين, بل هو الدين كله.

 

آيات فهم منها بعض العلماء معاني في الإخلاص :

الآية الأولى :

 هناك آيات فهم منها بعض العلماء معان في الإخلاص، فالآية الأولى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية:59]

 قال بعضهم في معناها: من فتش سره, فرأى فيه شيئاً أعظم من ربه أو أجل, فقد أشرك به.
 وقد نستهجن هذا المعنى, لا, هذا المعنى قائم عند معظم الناس؛ حينما يغش الإنسان في بيعه, ماذا رأى؟ رأى أن هذا المال الذي يحصله من الغش أغلى عنده من طاعة الله, فهذا المال أكبر عنده من الله, والذي يطيع زوجته, ويعصي ربه, طاعة زوجته رآها عنده أكبر من الله, والذي يطيع مخلوقاً, ويعصي خالقاً, هذا المخلوق هو عنده أكبر من الله, هذا كلام دقيق.
 فلذلك: من فتش سره, فرأى فيه شيئاً أعظم من ربه أو أجل, فقد أشرك به.

 

الآية الثانية :

 هناك آية أخرى, قال تعالى:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾

[سورة النور الآية:31]

﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾

 المرأة ليس بإمكانها أن تخفي طولها, مهما كانت تقية, ورعة, فطولها يظهر رغماً عنها, ولون ثيابها تظهر, فهذه أشياء تظهر عنها قصراً, والمؤمن الصادق لا يتحدث عن أعماله الصالحة, إلا ما ظهر من دون قصد منه, أما أن يجلس, ويتحدث عن أعماله, فهذا دليل عدم الإخلاص, يريد أن يأخذ إعجاب الآخرين, طبعاً هذا اسمه فهم إشاري.

 

المحاسبة يوم القيامة دقيقة جداً :

 الآية الكريمة في الجهاد:

﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾

[سورة النساء الآية:104]

 يمكن أن تسحب هذه الآية على موضوع ثان.
 الشاب الذي يجهد للزواج, قد يبذل جهداً كبيراً, وغيره يبذل هذا الجهد, ولكن الشاب المؤمن يرجو من زواجه ما لا يرجو الشاب الآخر, والمؤمن حينما يتعب, نقول له: والكافر يتعب مثلك, ولكن تعب المؤمن مأجور.
 من يظهر من أفعاله شيئاً, إلا ما يظهرُ عليه من غير قصد له فيه فقد سقط به عند رؤية الحق, لأنه ما وقع عليه رؤية الخلق فهو ساقط عند رؤية الحق.
 الذي يراه الناس من عمله, ويثنون به عليه, يشعر الإنسان أنه حقق مكسباً, هذا المكسب يتناقض مع الإخلاص.
 أي هناك شيء أصبح دقيقاً أكثر مما ينبغي, لكن قال بعضهم: "ربما قال الرجل: سبحان الله, لا إله إلا الله, فأخشى عليه من النار, قال: كيف ذلك؟ قال: يُغتاب بين يديه رجل, فيعجبه ذلك, – أي خصم, أو مثيل, أو ند–, ويقول: سبحان الله, لا حول ولا قوة إلا بالله, لا إله إلا الله, هو يقول هذا تعجباً وراحة".
 اغتيب بين يديه رجل لعله صالح, لكن هو يذله, فسكت, وسبح الله على هذه الغيبة, وكان يجب أن ينصح, ويقول للمستغيب: اتق الله.
 قال: "سبحان الله, لا إله إلا الله, لله في خلقه شؤون, هذه الكلمات هو قالها تشفياً وراحة".
 والله المحاسبة أدق من ذلك.
 مؤمن اغتيب عندك, يجب أن تنصح المتكلم أن يسكت, قل له: اتق الله.
 قيل لابن عباس: "يا أبا إسماعيل! ما بلغك من الغيبة؟ قال: بلغني أن أقلَّ الغيبة أن يسأل الرجل عن الرجل, فيقول: دعه, غفر الله له ولنا, -معنى هذا هناك مشكلة-, فتكتب له خطيئة أثقل من جبل أحد إذا أراد عيبه بذلك".
 لما قال: غفر الله له، معنى هذا عنده مشكلات, وقال: ولنا، هو أقحم نفسه حتى يثبت خطأ غيره, غفر الله لنا وله, هذا حساب دقيق.

 

الآية الثالثة :

 والآية الثالثة:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

[سورة الشعراء الآية:88-89]

 قالوا: "سلامة القلب على أربعة منازل؛ سلامة القلب من الشرك, وسلامة القلب من الأهواء, وسلامة القلب من الرياء, وسلامة القلب من ذكر كل شيء سوى الله".
 يُروى أن رجلاً عارف بالله, أتعبه من حوله, فخرج من بغداد هائماً على وجهه, اسمه الشبلي, جلس في ظل شجرة, -: قصة رمزية-, قالت له: "يا شبلي, كن مثلي, -هذا اسم بلسان الحال, قد تجد هرة تنظر إليك, وكأنها تقول: أطعمني, نقول: هذا بلسان الحال, لا بلسان المقال-, قال: وكيف؟ قال: يرميني الناس بالحجارة, وأرميهم بالثمار, -هم يرمونني بالحجارة, وأنا أرميهم بالثمار, كن مثلي-, قال: فما بالك إلى النار في النهاية؟ قالت: لأني أميل مع الهوى حيث يميل".
 فالذي يميل مع الهوى بعيد عن الحق, طبعاً القصة رمزية.
 "سلامة القلب من الشرك, والأهواء, والرياء, وذكر كل شيء سوى الله".

 

الآية الرابعة :

﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

[سورة القصص الآية:77]

 قال الجنيد في معناه: "لا تترك إخلاص العمل في الدنيا, فهو الذي يقربك من الله عز وجل, ويقطعك عمن سواه, وهو نصيبك من الدنيا".
 الشيء الذي تأخذه خالصاً للآخرة الإخلاص, لأنه:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾

[سورة الفرقان الآية:23]

 والله هناك حديث أيها الأخوة, -ذكرته لكم فيما أذكر, يقصم الظهر-, قال:

((يُؤتى يوم القيامة برجال لهم أعمال كجبال تهامة, فيؤمر بهم إلى النار, فقالوا: يا رسول الله! جَلّهم لنا, -صفهم لنا-, لئلا نكون منهم, قال: هم يصلون كما تصلون, ويأخذون من الليل كما تأخذون, ولكنهم إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد]

 لهم مواقف كالجبال رائعة, أمام الناس قمة في الورع والإخلاص, أما إذا خلوا مع أنفسهم وقعوا في المعاصي والآثام, فهؤلاء لهم أعمال كجبال تهامة, يُؤمر بهم إلى النار.
 ليس لك من الدنيا إلا الإخلاص, إلا عمل خالص لوجه الله.

 

الآية الخامسة :

﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

[سورة يونس الآية:105]

 قال أحد العلماء: "إن الله جلّ ثناؤه, دعا عباده إلى الإخلاص من كل وجه, وأخبر أنه من كان في ظاهره وباطنه شيء غير الحق لم يكن مخلصاً, لقد دعا عبده أن يكون معرضاً عن الكل, مقبلاً عن الكل, حنيفاً؛ أي مطهراً عن الأكوان وما فيها":

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:162]

﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:163]

 سمعت عن رجل صالح, سأله شخص: أنا أهوى الكرة, وأتابع هذه المباريات, وأنا أقيم صلاتي, وصيامي, وحجي, وطاعتي لله عز وجل, قال له: ما معنى قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:162]

﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:163]

 لا يوجد شيء آخر ضمن الآية.
 طبعاً أخواننا رواد صلاة الفجر همتهم عالية جداً, لذلك الحساب دقيق في الدروس.

 

الآية السادسة :

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾

[سورة لقمان الآية:13]

 وعظ لقمان ابنه, ودله على ابتداء وعظه على مجانبة الشرك, فلا تشتغل النفس إلا بخدمته, ولا يلاحظ القلب سواه, ولا يُشاهد بالروح غيره.
 لا تشرك بالله: أول نصيحة.

 

الآية السابعة :

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[سورة فاطر الآية:10]

 ظاهره: الدعاء والصدق, وباطنه: عمل بالعلم واقتداء بالسنة, ليتوصل بهما إلى الإخلاص.

 

الآية الثامنة :

﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾

[سورة فاطر الآية:32]

 قالوا: الظالم لنفسه من يكون عمله كله رياء, والمقتصد من يكون بعض عمله رياء وبعضه إخلاصاً, والسابق من يخلص لله عمله.
 السابق هو المخلص, المقتصد إخلاص مع رياء, الظالم لنفسه رياء كامل:

﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾

[سورة الزمر الآية:3]

 قال الواسطي: "هو الذي يخلُص فيه صاحبه من النفاق, والبدعة, والرياء, والعجب, ورؤية النفس".
 شخص -هكذا سمعت- صلى في الصف الأول, خلف الإمام في صلاة الفجر أربعين سنة, مرة تخلف عن الصلاة, قال: ماذا سيقول الناس عني؟
 كلمة واحدة قالها, إذاً: هو يحرص على صلاته في الصف الأول كل يوم أربعين عاماً, ليحافظ على سمعته أمام الناس, فلما تخلف في أحد الأيام, قال: ماذا سيقول الناس عني؟

 

الآية التاسعة :

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾

[سورة الزخرف الآية:38]

 قال أحد العلماء: جاءه بعلمه الذي أشرك فيه معنا غيرنا، لقول النبي الكريم: "الشرك أخفى من دبيب النملة على الصفاء السوداء".
 أي شرك النفس.

﴿قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾

[سورة الزخرف الآية:38]

الآية العاشرة :

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[سورة النجم الآية:39]

 قال ابن عطاء: "إلا ما نواه, وإن كان سعيه فيه رضا الرحمن".
 قد يكون السعي ظاهره يرضي الله, لكن:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[سورة النجم الآية:39]

 نيته من سعيه, هذه له.

 

الآية الحادية عشرة :

 والآية الأخيرة:

﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾

[سورة المزمل الآية:6]

﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾

[سورة المزمل الآية:6]

 معنى صلاة الليل في بيتك, قال: "أصوب قولاً, لأنها أبعد عن الرياء".
 والليل أتم إخلاصاً, وأكثر بركة.
 اللهم اجعلنا مخلصين يا رب العالمين.