علم القلوب - الدرس : 41 - الإخلاص11 : معرفة منهج الله ، مراتب تعليماته

1999-06-05

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الحد الأدنى من الإيمان الذي من ثماره الطاعة هو الذي ينجي صاحبه يوم القيامة :

 أيها الأخوة: بعد أن يعرف الإنسان ربه المعرفة التي تكفي أن تجعله يستقيم على أمره, هذا هو الحد الأدنى من المعرفة التي تنفعه, أما أي إنسان قال: لهذا الكون إله, وهو مؤمن, هذا الإيمان لا يرقى به إلى السلامة, ولا إلى السعادة, فالحد الأدنى من الإيمان الذي من ثماره الطاعة هو الذي ينجي صاحبه يوم القيامة.
 بعد أن يعرف الإنسان ربه, هذه المعرفة في الحد الأدنى, شغله الشاغل أن يتعرف إلى أمر الله ونهيه.
 طبعاً في التفاصيل الأوامر الكبيرة واضحة؛ لا يقتل, ولا يسرق, ولا يزني, ولا يشرب الخمر؛ ولكن هناك آلاف التفاصيل, منهج الله عز وجل أكبر بكثير من أن تحدَّه خمس فقرات.
 يكاد يكون منهج الله عز وجل مئة ألف بند, نصف مليون بند؛ في كل حركاتك, وسكناتك, وسفرك, وبيعك, وشرائك, وأفراحك, وأتراحك.
 فأنت بالكون عرفت الله, كيف تعبده؟ بالشرع, فالكون له مهمة, والشرع له مهمة؛ فبالكون تعرفه, وبالشرع تعبده.
 فبعد أن حصلت إيماناً دفعك إلى طلب طاعته, أين طاعته؟

على الإنسان أن يعرف الفرائض من النوافل والفضائل من النواقص :

 ما من أمر من أمور الدنيا إلا وينتظم في خمس حالات, أو في إحدى خمس حالات؛ فرض, واجب, سنة, مستحب, مباح, مكروه تنزيهاً, مكروه تحريماً, حرام.
 فالمهمة الأولى: أن تعرف أي عمل تفعله, ما حكمه؟ مباح: لا ثواب ولا عقاب, سنة: من تركها فقد أساء, واجب: من تركها يستحق العقاب, فرض: من تركها يهلك, وهكذا .
 فهنا يقول مؤلف الكتاب: على العامل أن يعرف الفرائض من النوافل, والفضائل من النواقص.
 كم من إنسان جاهل ضيع فريضة من أجل نافلة, أوضح مثل: إنسان حج بيت الله الحرام؛ أول مرة, والثانية, والثالثة, وله أولاد هم في أمس الحاجة إلى الزواج, لا يعبأ بهم؛ أن يزوجهم, أن يحصنهم, أن تقرَّ عينه بهم, هذا فرض, فرض على الآباء؛ يهمل أولاده, ويحج حجة نافلة, وقد يبتغي بها السمعة بين الناس, قبل أن يبتغي بها وجه الله عز وجل, والدليل: ابن المبارك كان في طريقه إلى الحج, فألقى بعض من معه طائراً ميتاً في قمامة, فرأى بنتاً خرجت من بيت, وأخذت هذا الطائر, وعادت به إلى البيت, تتبع أحوال هذه البنت الصغيرة الجارية, فإذا أسرة فقيرة فقراً مدقعاً, فتروي الكتب: أنه أعطاها كل ما معه, وعاد, ولم يحج, ورأى في هذا هو الفضل.
 كم إنسان في الحج من أجل أن يقبل الحجر -وهو سنة- يرتكب محرماً, وهو إيذاء مسلم.
 يجب أن تعرف: فرض, واجب, سنة, مستحب, مباح, مكروه تنزيهاً, مكروه تحريماً, حرام.
 بعد أن تعرف الله المعرفة التي تحملك على طاعته يجب أن تعرف حكم كل شيء.
 فعلى العامل أن يعرف الفرائض من النوافل, والفضائل من النواقص, والسنن من البدع, حتى لا يقع فيما فيه هلاكه, وهو لا يدري.

 

تقسيم الشريعة إلى خمسة مقاصد :

 العلماء قسموا الأحكام الشرعية, وقسموا مقاصد الشريعة, فالشريعة لها خمسة مقاصد كبيرة؛ أولاً: حفظ الدين, ثانياً: حفظ الحياة, ثالثاً: حفظ العرض, رابعاً: حفظ العقل, خامساً: حفظ المال, مُرتبة.
 فحفظ الدين ممكن أن يضحي الإنسان بحياته من أجل دينه, هذا هو الجهاد.
 وحفظ الحياة ممكن أن يضحي بحاجة من أجل فريضة.
 المرأة ينبغي ألا تنكشف أمام أجنبي, هذه حاجة في الدين, أما حينما تهدد حياتها, نقول: يُسمح للمرأة أن تتعالج عند طبيب.
 فعندنا مقاصد خمسة؛ حفظ الدين, وحفظ الحياة, وحفظ العرض, وحفظ العقل, وحفظ المال.
 لو إنسان خيِّر بين أن تنتهك حرمات زوجته وبين أن يدفع مبلغاً من المال, يضحي بماله من أجل صون عرضه.
 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((ذبوا عن أعراضكم بأموالكم))

[ كنز العمال عن أبي هريرة]

على الإنسان أن يضحي بالأقل درجة من أجل الأكبر درجة :

 هناك تسلسل رائع, ثم إن هناك حاجات أساسية, حاجات فرعية, حاجات ثانوية, سموها الفرائض, والحاجيات, والمباحات.
 فأنت تضحي بالأقل درجة من أجل الأكبر درجة, وبالسلم الثاني تضحي بالمال من أجل العرض, يضحي الإنسان بحياته من أجل دينه, يضحي بسنة من أجل بقاء حياته.
 الموضوع طويل, وشائك, لكن ملخصه: يوجد عندك خمسة مقاصد للشريعة, ويوجد عندك حاجات أساسية جداً؛ وحاجات من الدرجة الثانية, و حاجات من الدرجة الثالثة.
 ممكن أن تتحرك من الأسفل إلى الأعلى, من اليسار إلى اليمين بجدول, فهذا هو الفقه.
 أحياناً إنسان يحرص على نافلة, يضحي بفريضة من أجلها, يقول لك: لا أسمح لزوجتي أن تنكشف عند طبيب, ماتت, لست تقياً, يجب أن تسمح لها بالمعالجة, ولو كان عند طبيب, المفروض أن تحافظ على حياتها.

العناية بالمظهر أحياناً جزء من الدين :

 ورد بأن سفيان الثوري لقي جعفراً الصادق وعلى جعفر جبة خز فقال: " ما هذا يا بن رسول الله!؟ فأخذ بيده, فأدخلها في جبته, فإذا تحتها عباءة خشنة, فقال: هذا لله -العباءة الخشنة- وهذه للناس.
 الإنسان أحياناً يكون أمام أناس من أهل الدنيا, وأهل الدنيا لهم مقاييس معينة, فالمؤمن قد يُضطر إلى أن يظهر بمظهر حسن, ليذبَّ عن دينه المذمة, فهذه نية طيبة، فمن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.
 شخص مؤمن لا يؤثر, إذا كنت في أي وضع أمامه, أما إنسان بعيد عن الدين, سيقيّمك من خلال مظهرك, فالعناية بالمظهر أحياناً جزء من الدين, أنت تمثل الدين.
 فكان عليه الصلاة والسلام له ثياب جديدة, يرتديها حينما يقابل الوفود, وفي أيام الجمع, وكان عالية قومه يفعلون ذلك.
 فالإنسان إن كان له مظهر حسن فهذا من الدين.
 قال: لقد أظهر جعفر الصادق عمله الخفي, لأجل نفي التهمة عن قلب أخيه المؤمن.
 أراه كيف أن هذه الجبة الخز للناس, وأن عباءته الخشنة هذه التي يرتديها لله عز وجل.
 وكان بعض الصالحين إذا أصبح يقول: "صليت الليلة كذا وكذا, وقرأت كذا وكذا, فيقول له أصحابه: أتتحدث بعملك؟ فيقرأ قوله تعالى:

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾

[سورة الضحى الآية:11]

 فهذا الإمام أظهر عمله كي يقتدي به أصحابه.
 الإنسان حينما يبتغي بإظهار عمله أن يكون قدوة, إذا كانت هذه نيته, لا شيء عليه.
 ويقال: مرض الجنيد وسفيان الثوري, فعادهما جماعة من الفقراء؛ فأما الثوري فلم يشك علته, ولم يظهرها, وأما الجنيد فقد أظهر علته, فسئل عن سبب إظهارها, فقال: أردنا أن نكشف آثار قدرة الله فينا.
 الذي صمد شكا علته لله –اجتهد-, والذي تحدث عن علته أراد أن يُظهر قدرة الله فيه.

 

المجتهد له أجران ما دامت النية طيبة :

 الإنسان يقول لك: أنا ضعيف, فأنت ممكن أن تتكلم عن العلة التي ألمت بك بنية أن تظهر قدرة الله فيك, ويمكن أن تسكت بنية:

﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾

[سورة يوسف الآية: 86]

 على كلٍّ دائماً المجتهد له أجران: إن أصاب, أو إن أخطأ, ما دام النية طيبة؛ فإذا أصاب في اجتهاده فله أجران, وإن لم يصب فله أجر.
 وسئل الداراني عن الرجل يعمل الطاعة, ثم يخبر بها الناس, فقال: " إذا كان إماماً يُقتدى به فنعم ذلك الإظهار, وقد يعمل الجاهل عملاً, ويلتمس به الفضل, ولكنه في حقيقة الأمر يكون اهتراراً-هو نقص-".
 ومثل ذلك ما روي أن رجلين على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, تآخيا على العبادة, واعتزلا الناس, فقال أحدهما لصاحبه: "هلم اليوم فلنفرد عن الناس, ونلزم الصمت, ولا نكلم من كلمنا, فمر بهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فسلم عليهما, فلم يردا عليه السلام, وحين ابتعد عنهما, سمعا يقول: هلك المتعمقون, هلك المتنطعون, فاعتذرا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-, وتابا إلى الله من ذلك".

 

الله عز وجل أمر الإنسان أن يكون مع الجماعة :

 

 أحياناً الإنسان يكون جاهلاً, فيرتكب عملاً لا يرضي الله عز وجل, بوهمه أنه يفعل هذا من أجل الله.
 وكان هناك رجل يأتي إلى مجلس ابن عون, فترك ذلك المجلس أياماً, وجلس في بيته, فرأى ذات ليلة في المنام قائلاً يقول: "إن قطعت عن المجلس, لقد غفر الله للقوم سبعين مرة بعد تخلفك عنهم, وحرمت ذلك".
 أي الله عز وجل أمرنا أن نكون مع الجماعة.
 وقال:

((عليكم بالجماعةِ، وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ, وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر]

 أحياناً الإنسان يجتهد اجتهاداً خاطئاً, يكون مثلاً بحالة نفسية مضطربة, لا يأتي إلى الدرس, يقول لك: أنا مضطرب, لكن الدرس من أجل أن تصفو به.
 أنا شبهته بإنسان مريض, قال لك: أنا لا آتي لعند الطبيب حتى أشفى آتي لعنده, شفيت, أصبحت لست بحاجة له.

 

الشيطان يقف بالمرصاد لكل إنسان مؤمن بالله :

 الإنسان عندما يكون عنده مشكلة نفسية, هو في أمس الحاجة إلى درس العلم؛ لينجلي قلبه, وتتوضح الحقائق أمامه, وينشحن أحياناً بشحنة روحية, والشيطان له أساليب ذكية جداً:

﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾

[سورة الأعراف الآية:17]

 أول آية:

﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

[سورة الأعراف الآية:16]

 تجد الإنسان شارداً, غافلاً, غارقاً في المعاصي, لا يوجد عنده مشكلة نفسية أبداً, الشيطان يتركه, لأنه يحقق له الهدف الكبير, لمجرد أن يتوب إلى الله, وأن يصطلح معه, يبدأ عمل الشيطان:

﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

[سورة الأعراف الآية:16]

 طريق الملاهي, والموبقات, هذا الطريق لا يوجد عليه شيطان, لأنه يحقق هدف الشيطان, أما طريق المساجد, والطاعات, فالشيطان واقف بالمرصاد:

﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾

[سورة الأعراف الآية:17]

 أي يزين لهم الحداثة, والتقدم, ولو فيها معاص, وآثام, وإباحية, وانحلال, واختلاط على تقدم الحضارة, ويزين لهم الماضي الذي فيه معاص وآثام, يقول لك: تراث, ماض عريق, تقاليد, عادات.

 

التفقه في الدين أكبر جزء من الدين بعد الإيمان بالله :

 وقد يأتيهم عن شمائلهم فيأمرهم بالمعاصي, وقد يأتيهم عن يمينهم فيوسوس لهم؛ صلاتك لم تصح, هناك شدّة بالفاتحة نقصتها, الله عز وجل لا يقبل هذه الصلاة, يعقد الأمور عليه تعقيداً, بحيث يقطعه عن الدين, يقول: أنت ترائي بعملك, هذه كلها من الشيطان.
 ولآتينهم عن أيمانهم: يأتيك من زاوية الدين, وضوءك لم يصح, شعرت ببلل في لباسك الداخلي, معنى هذا أن الصلاة لم تصح, يدخله في عالم الوسوسة.
 وهناك أشخاص عندهم الوسوسة, وهذا فعل الشيطان.
 لكن بعضهم قال: "الله ذكر أربع جهات: الأمام, والخلف, واليمين, واليسار, لكن لم يذكر فوق, وتحت؛ الطريق إلى الله محصن من الشيطان- الطريق نحو الأعلى-, وطريق العبودية والتذلل أيضاً محصن من الشيطان".
 أيها الأخوة, الإنسان عليه أن يتفقه في الدين, لأن التفقه في الدين أكبر جزء من الدين بعد الإيمان بالله؛ فأنت أمام إيمان بالله, وأمام طاعة له:

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾

[سورة المؤمنون الآية:32]

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾

 هو التوحيد.

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾

 هو العبادة والطاعة.