علم القلوب - الدرس : 47 - أحاديث شريفة تبدأ بـ مثل المؤمن .....

1999-07-05

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

المؤمن كالنحلة لا تأكل إلا طيباً ولا تطعم إلا طيباً :

 يقول عليه الصلاة والسلام:

((مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيبا ووضعت طيبا ووقعت فلم تفسد ولم تكسر))

[البيهقى فى شعب الإيمان عن ابن عمرو]

 قال بعض العلماء: "هذه صفة المؤمن؛ المطعم بنفسه, النافع للأمة, المعطي ماله من غير مسألة, الخفيف المؤونة, الكافي بنظر الأذى عن الجملة, يحضر في محضر فلا يضر, ويُظن به الظن الحسن, ويُطمع فيه فيصدق".
 فالنبي -عليه الصلاة والسلام- وصف المؤمن بأنه كالنحلة, لا تأكل إلا طيباً, ولا تطعم إلا طيباً, وإذا وقعت لا تؤذي ولا تكسر.

 

المؤمن مبتلى تأتيه بعض الشدائد فيميل ولكن في النهاية يبقى منتصباً :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( مثل المؤمن كمثلِ الخَامَةِ مِنَ الزَّرعِ ، تُفِيئها الريحُ، تَصرَعُهَا مرةً، وتَعْدِلُها أُخرى))

[ البخاري و مسلم عن كعب بن مالك]

 الخامة من الزرع النبات في أوله صغير, ولطيف, ورقيق, فإذا جاءت الريح أمالتها هكذا, وأمالتها هكذا, دون أن تنقصف.
 المؤمن مبتلى, تأتيه بعض الشدائد فيميل, تأتيه شدائد أخرى فيميل؛ ولكن في النهاية يبقى منتصباً, لا يُكسر؛ هناك لطف إلهي, وهناك تربية.
 فقالوا: هذه صفة المؤمن المبتلى بالمحن والمصائب في الدنيا؛ يميل بالجزع والشكوى أحياناً, ويستوي قائماً أحياناً؛ أي أنه يشكو إلى الناس أحياناً, ثم يندم, يستغفر الله, مع ذلك لا يزيده الابتلاء إلا قربة من الله تعالى.
 المؤمن مبتلى؛ لكن المحصلة نجاح, المحصلة تفوق, المحصلة نجاة, مجموع حياته تنتهي بالجنة, وتنتهي بالتوفيق والسعادة؛ لكن لا تخلو من محن, ومن ابتلاءات, ومن شدائد, لكن يبقى منتصباً.

 

الغني أشد حاجة إلى الصبر من الفقير والقوي أشد حاجة إلى الصبر من الضعيف :

 وقال عليه الصلاة والسلام:

((مثل المؤمن كمثل السنبلة تخر مرة وتستقيم مرة))

[ أحمد عن جابر]

 قال: هذه صفة المبتلى بالمصائب والأمراض, غير أنه أشد مخاطرة من الأول.
 الإنسان أحياناً يبتلى ببلية, قد لا يصبر فيسقط, أما الخامة من الزرع فقلّما تسقط؛ لأنها رقيقة جداً, ولينة جداً, السنبلة أكثر قساوة من الخامة من الزرع, الخامة في المثل الأول يمكن أن ترجع مستقيمة بعد الريح, أما السنبلة فهي صلبة, قد تنكسر.
 والمؤمن الفقير كمثل الخامة, يخرج بالأجر والثواب؛ لأنه مبتلى, وخفيف من المال, صاف, لين, أما المؤمن الغني فكمثل السنبلة ثقيلة, تضربها الرياح أكثر من غيرها.
 كلما نال المؤمن حظوظاً أكثر في الدنيا فهو معرض للفتنة أكثر؛ مؤمن فقير لا يوجد عنده مجالات لأي معصية, مؤمن غني وسافر, ممكن أن تزل قدمه مثلاً, ممكن أن يخطىء, فكلما نلت من الله حظاً, صار احتمال الخطأ أكبر؛ لذلك: الغني أشد حاجة إلى الصبر من الفقير, والقوي أشد حاجة إلى الصبر من الضعيف.

 

المؤمن الصادق يجمع من الدنيا إلى الآخرة :

 وقال عليه الصلاة والسلام:

((مثل المؤمن كالنملة تجمع في صيفها لشتائها))

[ قوت القلوب عن مجاهد]

 الآخرة المديدة, الأبدية, المؤمن الصادق يجمع من الدنيا إلى الآخرة؛ همه الأول أن يعمل عملاً صالحاً يسعده في قبره, همه الأول أن يعمل عملاً صالحاً يصلح للعرض على الله يوم القيامة, همه أن يعمل عملاً صالحاً يستمر بعد موته, فهو كالنملة تجمع في صيفها لشتائها.
 وهذه صفة المؤمن، يؤمن بالرزاق, ولا يطمئن قلبه إلا بالحركة في الطلب, وهذا الشخص الذي لا يفعل كذلك, موصوف بحبه للدنيا.

 

الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن :

 وقال عليه الصلاة والسلام:

((مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته))

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]

 فرس مربوط بحبل, يتحرك, طول الحبل عشرة أمتار, حركته ضمن العشرة أمتار؛ لكن لا يتجاوز هذه الأمتار لأنه مربوط, لأن الإيمان قيد.
 أنت مستحيل أن تأكل قرشاً حراماً, مستحيل أن تفتري على إنسان, مستحيل أن تتهم إنساناً بالباطل, مستحيل أن تعتدي على عرض الآخرين, كلها قيود, ضمن الحدود هناك حركة. إنسان ممكن أن يتزوج, يسافر, يتاجر, يلتقي مع أخوانه, أما كيف أن الفرس مربوط بحبل يتحرك ضمن دائرة, قطرها مثلاً عشرة أمتار, أو نصف قطرها عشرة أمتار, أكثر لا يوجد.

((الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن))

[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

((مثل المؤمن والإيمان كالفرس في آخيته, يجول ويجول, ثم يرجع إلى آخيته, وإنما المؤمن يسهو, ثم يرجع إلى الإيمان))

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]

المؤمن طيب ريحه يُسمع بمناقبه وفضائله من بعيد :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( مثل الذي يعمل بالقرآن ويقرؤه كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب))

[ الطبراني عن عبد الله]

 البرتقالة ريحها طيب, وطعمها طيب، وهذه صفة المؤمن؛ العالم العامل, القارىء الذاكر، المذكر, الصالح بنفسه, المصلح للآخرين, كالأترجة؛ طيبة ريحها, حسن لونها, لذيذ طعمها, كذلك المؤمن طيب ريحه, يُسمع بمناقبه وفضائله من بعيد, حسنة مشاهدته من قريب, لذيذ مخبره ومعاشرته, رفيع قيمته, لأنه رحل إلى الله بالإخلاص والصدق.

((ومثل الذي يعمل بالقرآن [ ولا يقرؤه ]كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ))

[ الطبراني عن عبد الله]

 وهذه صفة المؤمن التقي الصالح, غير العالم بأمر الله, وغير المعلم لعباد الله, مستور في حاله, متورع في دينه.

((ومثل المؤمن كمثل الأنف؛ إذا قيد استقام, وإذا استنيخ على الصخرة استناخ))

[ ورد في الأثر]

 وهذه صفة المؤمن الحصين اللين, السهل القريب, ينخدع ولا يخدع, يتبع الحق, ويدور معه, سواء أكان المتبوع كبيراً أو صغيراً, يقتات من الأذى ولا يحقد, يتصف بالورع والتقى, كالبرَّة في أنف الجبل -البرة: حلقة في أنف الجمل- تمنع عن الحرد والهرب.

 

صفة المؤمن القوي :

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((مثل المؤمن كالنخلة إن صاحبته نفعك وإن جالسته نفعك وإن شاورته نفعك كالنخلة كل شئ منها ينتفع به ))

[ القرطبي عن ابن عمر]

 أي مثل المؤمن كمثل النخلة, لا ينتشل ورقها, ولا ينقطع ثمرها, دائمة الخضرة, دائمة الثمرة، وهذه صفة المؤمن القوي, المكين المتين, ذي القلب الغني, والإخلاص والبهاء الرباني؛ لا يفتر عن الخدمة, ولا يبخل عن العبادة, ولا يسأم من الذكر, لطيف الخلق, حصيف العقل, لا يتغير عن الصلاح والاستقامة, وهذه الصفة قليلة في الناس.
 وإن من المؤمنين من هو أشد في الله من الصخرة, ومنهم من هو ألين في الله من الحرير، تجد مؤمناً شديداً كالصخر, ومؤمناً ليناً كالحرير؛ وهاتان صفتان فاضلتان لشخصين مؤمنين فاضلين, وحالان محمودتان عن مقامين عاليين.
 كان أبو بكر ألين في الله من الحرير, وكان عمر أشد في الله من الصخرة؛ كان سيدنا الصديق يحسن البر والحلم مع الناس, وكان عمر يحسن الغضب والشدة في الله, وغضب أبي بكر وشدته في دين الله يوم الردة, كان أشد من غضب عمر وشدته, وكان إبراهيم الخليل ألين في الله تعالى من الحرير, وكان موسى الكليم أشد في الله من الصخرة.

 

المؤمن باطنه خير من ظاهره ونيته خير من عمله :

 ومثل المؤمن كالنعجة, ينتشل صوفها, ويحلب درها, ويمشش عظمها.
 الآن: النعجة كلها خير, كل شيء منها ينتفع منه, المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض, الدليل أن الكافر إذا مات:

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾

[سورة الدخان الآية:29]

 ويقول علي بن أبي طالب: "مثل المؤمن في الناس كمثل النحلة في الطير, كل أجناس الطير يستضعفها, ولو علموا ما في بطنها لبجلوها, فكذلك -يا أخي المؤمن-: لو علم الناس ما في بطن المؤمن, وقلبه, ومرتبته عند ربه؛ لحملوه على أكفهم, ومهدوا له في حجورهم, واشتروا صحبته بأموالهم, وآثروه على أنفسهم؛ ولكن خفي ذلك عليهم بإخفاء الله, حكمة منه وحجة بالغة منه, ليقضي أمراً كان مفعولاً".
 النحلة أضعف طائر, تطير ضعيفة؛ لكن فيها العسل.
 قال مرة سيدنا أبو ذر الغفاري لسيدنا عمر: "إن الناس قد هابوا شدتك, قال: والله يا أبا ذر! لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه".
 فالمؤمن باطنه خير من ظاهره, ونيته خير من عمله, وهو كالنحلة مستضعف؛ لكن فيها العسل.