درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 01 - القلب

1988-05-02

 قَلْب الجَسَد من أعجب ما خلق اللّه، إنه مضخَّه مزدوجة تضخُّ الدم الذي يحمل الغذاء والوقود إلى كل خلية، ونسيج، وعضو، وجهاز عن طريق شبكة من الأوعية يزيد طولها عن مئة وخمسين كيلومتر.
إنه يعمل منذ الشهر الثاني من حياة الجنين، وحتى يحين الحين، لا يغفل ولا يغفو، لا ينسى ولا يسهو، ولا يقعد ولا يكبو، ولا يمل ولا يشكو، يعمل من دون راحة، ولا مراجعة، ولا صيانة، ولا توجيه..
 والإنسان بجبروته يؤذيه، وبنار الحِقْد يَكويه، وبالأحزان يُبْليه، وهو أساس حياة الإنسان، وشمس عالمه، عليه يعتمد في كل أعماله، وأحواله، ومنه تنبع كل قواه، وحركاته.. وهو آلة خارقة !.. لا يعرف التعب إليها سبيلاً، تزداد قدرتها أضعافاً كثيرة، لتواجه الجهد الطارئ، إنها عضلة من أعقد العضلات، بناء وعملاً وأداء، ومن أمتنها وأقواها، تنقبض وتنبسط ثمانين مرة في الدقيقة، ويصل النبض في الجهد الطارئ إلى مئة وثمانين، ويضخ القلب ثمانية آلاف لتر في اليوم الواحد، أي ما يعادل ثمانية أمتار مكعبة من الدم، ويضخ القلب من الدم في طول عُمُر الإنسان ما يكفي لملء مستودع بحجم إحدى أكبر ناطحات السحاب في العالم..
 وينفرد القلب في استقلاله عن الجهاز العصبي، فتأتمر ضرباته وتنتظم بإشارة كهربائية من مركز توليد ذاتي هي أساس تخطيطه، وتتغذى عضلة القلب بطريقة فريدة !! ومن أعجب ما فيه دسَّاماته المحكمة التي تسمح للدم بالمرور باتجاه واحد، وهو مبدأ ثابت في المضخات.
 حتى إذا سَكَن القلب في قفصه، واستراح من غُصصه، خلَّف وراءه جثة هامدة، كأنها أعجاز نخل خاوية.. فلقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إذ قال:

((ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب " ( 1 ) ))


 ورحم الشاعر إذ يقول( 2 ):

 

دقـاتُ قلبِ الـمرء قائلةٌ له  إن الـحياةَ دقـائقٌ وثواني
فارفعْ لنفسكَ قبل موتَك ذِكرَها  فـالذكرُ للإنسان عمرٌ ثاني

 ( 1 ) جزء من حديث صحيح رواه البخاري ( 1/ 52 ) ومسلم ( 1599 ) أوله:

 

 

(( الحلال بيِّن والحرام بيِّن.. ))

 الحديث.
 ( 2 ) الشاعر أحمد شوقي رحمه الله.