درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 06 - الحليب

1995-02-25

 أعزائي المشاهدين أخوتي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
 كأس الحليب الذي تشربونه، أو طبق اللبن الذي تحتسونه على مائدة الإفطار، وما أشتق منهما من خيرات حِسان، آيات بينات دالة على عظمة الخالق وجلاله، وتربيته ورعايته وفضله وإنعامه.
قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ (66)﴾

( سورة النحل: 66 )

 هذا الحليب الذي يحتوي على نسب دقيقة وجليلة، من الماء والدسم والسكريات، والمواد المرممة، وأملاح المعادن، والفيتامينات وعدد ليس بقليل من الغازات المنحلة، من حدد هذه المكونات ؟ من ضبط هذه النسب ؟

 

﴿ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)﴾

 

( سورة النمل: 61 )

 ثم إن هذه البقرة التي نأخذ منها الحليب، من خلقها ؟ وخلق لها أجهزتها ؟ ومن ذللها للإنسان ؟ ومن جعل نتاجها من الحليب غذاء مناسباً لنا ؟ لأنه يفوق بكميته أضعافاً كثيرة عن حاجة وليدها، ومن جعله اقتصادياً ؟ لأنه يزيد بثمنه عن مصاريف العناية بها وإطعامها.
يذكر العلماء أيها الأخوة الأكارم: أن الغدة الثديية للبقرة هي المعمل الحيوي، الذي يقوم بتركيب الحليب وإفرازه، ويعد السنخ الوحدة الوظيفة لتصنيع الحليب في البقرة والسنخ ؟ مجموعة من الخلايا على شكل كرة مجوفة، محاطة بشبكة من الشعريات الدموية التي تمد الصمغ بالمواد الأولية اللازمة لتصنيع الحليب، وتصنع هذه الخلايا قطرات الحليب من المواد الأولية التي تأخذها من الدم، ثم تطرحها في جوف النسيج لتجتمع في قنوات تصب في ضرع البقرة هل تستطيع هذه الخلايا غير العاقلة، أن تختار وحدها مواد الحليب من دم البقرة، لتكون غذاءً كاملاً للإنسان ؟ وهل تستطيع هذه الخلايا غير العاقلة وحدها أن تصنع من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين يحبه الصغار والكبار...؟.
 يقول العلماء يا أيها الأخوة الأكارم: إن طبيعة عمل هذه الخلايا وسر تصنيع الحليب فيها غير معروف تماماً حتى الآن، وهل تصدقون أيها الأخوة، أن اللتر الواحد من الحليب المصنع في هذه الغدد، يحتاج إلى أربعمائة لتر من الدم، يجول في شعريات محاطة في هذا السنخ.
 سبحان الله، سبحان الله، من سخر لنا هذه البقرة لتكون معملاً عظيماً لتصنيع الغذاء الأول للإنسان، خلقها، وسخرها، وذللها نأكل من لحمها، ونشرب من لبنها، وننتفع من خدماتها.
قال تعالى:

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)﴾

 

( سورة يس: 71 ـ 72 ـ 73 )

 أيها الأخوة الأحباب: أن يتفكر الإنسان في خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة، وأن ينظر الإنسان مما خلق، وأن ينظر الإنسان إلى طعامه، وأن ينظر إلى من حوله، من مخلوقات وإلى ما حوله من كائنات، وأن ينظر إلى ما فوق من أطيار، وأنواع وأن ينظر إلى ما تحته من بحار، وأسماك، أن يفكر وينظر في ملكوت السماوات والأرض.
أنه باب واسع من أبواب معرفة الله تعالى، ومعرفة الله تعالى أصل الدين وأصل التكليف، وأصل العبودية، وسر السعادة وثمن الجنة.
قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

(سورة آل عمران: 190 ـ 191 )

 أيها الأخوة المشاهدون: الإنسان يحكم بعقله من خلال تأمله لأن لهذا الكون خالق عظيماً، يوقن بوجوده، ويوقن بوحدانيته ويوقن بكامله، ولكن من هو ؟ ولماذا خلق ما خلق ؟ وماذا يريد من الإنسان ؟ هنا يأتي دور الرسل الكرام، وهم صفوة الله من خلقه اصطفاهم، وأيدهم بالمعجزات لتكون دليلاً قطعياً على إرسالهم من قبل خالق الأرض والسماوات.
 وهناك تتوقف العقول، ويبدأ دور الرسل في فهم الذين يخبروننا من خلال ما أنزل عليهم من وحياً، أن الله هو خالق السماوات والأرض، وهو بكل شئ عليم، وهو على كل شئ قدير إليه يرجع الأمر كله، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأن السماوات والأرض خلقتا بالحق، وسخرتا للإنسان، تسخير تعريفاً وتكريم ليؤمن ويشكر.

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

( سورة العصر: 2 ـ 3 )

 وأن الله أودع في الإنسان عقلاً، يدله على خالقه، وأودع فيه فطرة نقية، تدله على خطئه، وأودع فيه الشهوات، قوىً محركةً ليرقى بها صابراً، وشاكراً إلى رب الأرض والسماوات، ومنحه حرية في الكسب، وأمده بقوة فيما يبدو لتحقيق كسبه ليصح التكليف والابتلاء وليكون النجاح فيهما ثمن العطاء، وجعل الشرع ميزان على ميزانا العقل والفطرة، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبح الشرع وأن الله خلق الإنسان ليعبده، وليوحده، والعبادة في أدق مفهوماتها طاعة قولية ممزوج بمحبة قلبية تسبقها معرفة يقينه تفضي إلى سعادة أبدية، وأن الحياة الدنيا دار ابتلاء وانقطاع وعمل، وأن الآخرة دار جزاء وخلود وتشريف، وأن الإنسان لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى وأنه على نفسه بصيرة ولو ألق معازيره.
أيها الأخوة الأحباب: اللهم علمنا ما ينفعنا، وأنفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وإلى لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.