درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 07 - الزكاة

1995-02-27

 أعزائي المشاهدين أخوتي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
شهر رمضان، شهر التقوى والقرآن، شهر التوبة والغفران شهر الإنفاق والصدقات، شهر الزكاة والقربات.
الزكاة أيها الأخوة:
 حارس على الأموال، وعلى أصحابها فإذا شبع الجائع واكتسى العاري، عم الأمن والسلام، إنها تطبع الفرد على حب البذل والسخاء، وتغرس في المجتمع بذور التعاون والإخاء وهي لا تحل المشكلة المالية بالعصا والسوط، ولكن بإيقاظ الضمائر وتنوير العقول.
المال مال الله، والغني مستخلف فيه، والفقراء عيال الله وأحب خلفاء الله إلى الله أبرهم بعياله، والبر ذمة وفريضة، لا منة وعطاء.
قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

( سورة التوبة: 103 )

هذه الآية أيها الأخوة:
أصلٌ في فرضية الزكاة، لذلك سنقف عندها وقفة متأنية وعند كلماتها كلمة كلمة...
 فيستنبط من كلمة " خذ " في هذه الآية أن الزكاة ليست مجرد عملٍ طيب، من أعمال البر، وليست خلةً حسنةً من خلال الخير، بل هي ركن أساسيٌ من أركان الإسلام، وشعيرة من شعائره الكبرى، بل هي حجر الزاوية في نظام الإسلام، وأساساً من أسس التكافل الاجتماعي، إنها ليست إحسان اختياريا، ولا صدقة طوعيه، إنما هي فريضة، تتمتع بأعلى درجات الإلزام الشرعي والخلقي، لذلك لم يأمر الله المؤمنين بدفعها، بل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر من بعده بأخذها، فالزكاة تأخذ ولا تعطى، تفترض ولا تستجده.
ويستنبط من كلمة " من " التي هي للتبعيض، في هذه الآية أن الزكاة لا تطول جميع المال، بل بعضه.

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 وقد بينت السنة الشريفة مقادير هذا البعض، بحسب أنواع الأموال، وبحسب طريقة تحصيلها، ومقدار الجهد المبذول في جمعها.

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 ويستنبط من كلمة " أموالهم "، التي وردت جمعاً في هذه الآية أن الزكاة تطول كل أنواع المال، فتجب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض من إنتاج زراعي، وفي الثروة الحيوانية، وفي المنتجات الحيوانية، وفي الذهب والفضة، وفي كل أنواع النقد المتداول والسندات والديون والسلف، وفي عروض التجارة بشتى أنواعها وفي الحلي التي ليست للاستعمال الشخصي، بل وتجب الزكاة في الثروات الباطنية والمعدنية.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 ويستنبط من ضمير الجمع في كلمة " أموالهم "، أن الزكاة مفروضة على جميع المسلمين، كافة، ممن يملكون النصاب، التي بينته السنة الشريفة من دون استثناء ولا إعفاء ولا تخفيضٍ ولا طيٍ.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾

 ويستنبط من كلمة " صدقة " في الآية الكريمة، أن المسلم حينما يدفع زكاة ماله، يؤكد صدقه، أي تطابق فعله مع اعتقاده ويؤكد تصديقه بأمر الله، وتصديقه بيوم الدين، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه: الصدقة برهان.
فالزكاة: عبادة مالية، يؤكد بها المسلم تصديقه، وصدقه، فلو لم يطالبه بها السلطان، طالبه بها القرآن.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾

 ويستنبط من كلمة " تطهرهم " في هذه الآية الكريمة، أن الزكاة تطهر نفس الغني، من الشح البغيض، تلك الآفة النفسية الخطرة، التي قد تدفع صاحبها إلى الدم فيسفكه، أو إلى العرض فيبذله، أو إلى الوطن فيبيعه، ولن يفلح فردٌ أو مجتمعٌ سيطر الشح عليه، وملك ناصيته، قال تعالى:

 

 

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾

 

( سورة الحشر: 9 )

 والزكاة أيضاً تطهير لنفس الفقير، من الحسد، والحقد والضغينة على ذلك الغني الكانز لمال الله، والذي يمنعه عن عباد الله فمن شأن الإحسان أن يستميل قلب الإنسان، ومن شأن الحرمان أن يملأه بالبغض والحقد.
والزكاة أيها الأخوة:
 تطهر المجتمع كله، من عوامل الهدم والتفرقة، والصراع والفتن، وهي فضلا عن كل ذلك تطهر المال من تلوثه بتعلق حق الغير به، فالحجر المغصوب في الدار سببٌ في خرابها، وكذلك الدرهم الذي استحقه الفقير في المال رهنٌ بتلويث كله، قال عليه الصلاة والسلام: إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره.
وقال أيضاً: حصنوا أموالكم بالزكاة.
وقال أيضاً: ما تلف مال في برٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة.

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾

 ويستنبط من كلمة " وتزكيهم بها " في هذه الآية، أن التزكية معناها النماء والزيادة ؛ نماء للغني والفقير ولمال كل منهما، نماء للعلاقات الاجتماعية، وللقيم الإنسانية.
فهي أولاً نماء لشخصية الغني ولكيانه المعنوي...
 فالإنسان الذي يسدي الخير، ويصنع المعروف، ويبذل من ذات نفسه، ويده، لينهض بإخوانه في الدين والإنسانية، وليقوم بحق الله عليه، يشعر بامتداد في نفسه، وانشراح واتساع في صدره ويحس بما يحس به من أنتصر في معركة، وهو فعلاً لقد أنتصر على ضعفه، وأثرته وشيطان شحه وهواه، فهذا هو النمو النفسي، والزكاة المعنوية، ولعلى هذا ما عنته كلمة " وتزكيهم بها ".
والزكاة أيها الأخوة:
 زكاة لمعنى نماء لشخصية الفقير، يحس يشعر الفقير، أنه ليس ضائعاً في المجتمع، ولا هيناً عليه، ولا متروكاً لضعفه وفقره إن مجتمعه ليعمل على إقالة عثرة، ويحمل عنه أثقاله، ويمد له يد المعونة، بكل ما يستطيع، وبعد ذلك، لا يتناول الزكاة من يد فردٍ يشعر بالضعف أمامه، بل يأخذها من أولي الأمر، حرصاً على كرامته من أن تخدش، ولو قدر للأفراد أن يعطوا فإن القرآن الكريم يحذرهم من المن والأذى، قال تعالى:

 

 

﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)﴾

 

( سورة البقرة: 263 )

أيها الأخوة الأكارم:
 والزكاة بعد ذلك نماء للمال نفسه وبركة فيه، وكيف يكون ذلك ؟ وهي في الظاهر نقص في المال بإخراج بعضه، ولكن العارفين يعلمون أن هذا النقص الظاهر، وراءه زيادة حقيقية، زيادة في المال المجموع، وزيادة في مال الغني نفسه فتأدية الزكاة ترفع القوة الشرائية عند الفقير، وهذا يعود بالنفع على دافع الزكاة، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾

( سورة سبأ: 39 )

 وقوله تعالى:

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

 

( سورة البقرة: 276 )

وقد يزيد مال دافع الزكاة بالعناية الإلهية المباشرة لغيري ما نعرف من الأسباب.
 والزكاة بعد ذلك، وسيلة من وسائل الضمان الاجتماعي، الذي جاء به الإسلام، فالإسلام يأبى أن يوجد في مجتمعه، من لا يجد القوت الذي يكفيه، والثوب الذي يستره، والمسكن الذي يؤويه فالمسلم مطالبٌ أن يحقق هذه الضروريات، وما فوقها من جهده وكسبه فإن لم يستطع، فالمجتمع المسلم يكفله ويضمنه، ولا يدعه فريسة للجوع والعري والتشريد، فالمسلمون كالجسد الواحد، إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وشكراً لإصغائكم وإلى لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.