مختلفة - سوريا - الدرس : 26 - المستشارية الإيرانية2 - الزكاة في الإسلام.

2002-11-21

 المذيع: هاأنتم مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الذي قد تفضل علينا من قبل، ولكن إصراركم كان مدعاة لتكليمه مرة أخرى، وقد استجاب مشكوراً، جزاه الله خير الجزاء، لقد حدثنا في المرة الماضية عن أمور على غاية من الأهمية ترتبط بالعقل والفكر والنفس، وها هو اليوم مرة أخرى يتحدث لنا بحديث نريد أن نسأل بعد حديثه لو سمح لنا عشرة أسئلة، ترتبط بحديثه في هذا اليوم، ومن أجاب وصحت إجابته على رأي فضيلة الدكتور أي إن قبل فضيلة الدكتور الإجابة فللمجيب جائزة، والآن مع فضيلة أستاذنا وعالمنا الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي فليتفضل مشكوراً.
 الأستاذ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
أيها الأخوة الكرام: أشكر لكم دعوتكم للمرة الثانية، وأسأل الله أيضاً أن أكون عند حسن ظنكم، الحقيقة الأولى التي هي تعقيب على ما تفضل به الأستاذ الجليل، هي لا تقلقوا على هذا الدين، إنه دين الله، والله عز وجل قادر أن ينصره بأعدائه، ولكن القلق ينبغي أن يكون ما إن سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً للحق، هذا الدين دينه، وهو ينصره، ولو كره الكافرون، بقي أن يسمح الله لنا أن يكون نصره على أيدينا، لننال هذا الشرف العظيم.

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) ﴾

(سورة محمد)

 ولو شاء ربك لانتصر منهم مباشرة، ولكن ليبلوا بعضكم ببعض، لتكتسبوا شرف النصر.
 أيها الأخوة: هذا الدين من خصائصه الرائعة أنك كلما ضغطت عليه ازداد قوة، كلما أردت أن تقمعه ازداد تألقاً، لأن الذي يفعله في النفس مالا يفعله كل شيء في الأرض، في النفس فراغ لا يملأه المال، ولا يملأه المركز، ولا تملأه الشهوات، لا يملأه إلا القرب من الله، ففي الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، يقول بعض العلماء: ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ يؤكد هذا المعنى قول الله عز وجل:

 

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

(سورة محمد)

 ذاقوا طعمها في الدنيا، إنها جنة القرب.

 

فلو شاهدت عيناك من حسنها  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجل وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة  عثرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة  لمت غريباً و اشـتياقاً لقـربنا
فما حبنا سهل وكل من ادعى  حبنـــــا قلنا له قد جهلتنا
فأيسر ما في الحب للصب قتله  وأصعب من قتل الفتى يوم هجره
***

 أيها الأخوة الكرام إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، هذه السكينة أيها الأخوة هي السعادة، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، فيا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
أيها الأخوة الكرام هذا التعقيب الأول، أما التعقيب الثاني مستوحى من قوله تعالى:

 

 

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾

 

(سورة الأحزاب )

 أيها الأخوة الأحباب: الله عز وجل يقول:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (46)﴾

 

(سورة الأحزاب)

 والآية الثانية:

 

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 هؤلاء الدعاة إلى الله في آيات أخرى قال الله عنهم:

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

 

(سورة فصلت)

 وقبلها قوله:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾

 

(سورة فصلت)

 أي أنت في هذه اللحظة هناك الماضي وهناك المستقبل، لا تخف من المستقبل ولا تحزن على الماضي، كأن هذه الآية غطت الزمن كله.

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾

 

(سورة طه)

 لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، من تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فالذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يحزن على ما فات، ولا يخش مما هو آت، ماذا بقي من السعادة ؟ فإن الله يعطي الصحة والجمال والمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
 تروي بعض القصص أن شاباً فهم من شيخه أن لكل سيئة عقاباً، فزلت قدمه، فهو بحسب كلام شيخه ينتظر العقوبة من الله، مضى أسبوع وأسبوعان ولم يحصل شيء يؤذيه، ففي الصلاة ناجى ربه: لقد عصيتك فلم تعاقبني، فوقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدري ! ألم أحرمك من مناجاتي ؟
 أيها الأخوة الأحباب: الإيمان لا يجدي إلا إذا واتته استقامة،

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾

 

(سورة فصلت)

 والدعوة لا تجدي إلا إذا رافقها العمل الصالح

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

 

(سورة فصلت)

 أيها الأخوة: أنا أعتقد أنه ما من عمل يتذبذب بين أن يكون عملاً خطيراً، يرقى إلى صنعة الأنبياء، وبين أن يكون عملاً تافهاً لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة، كالدعوة إلى الله، حينما تكون الدعوة مبدأً وعبادةً، ونشراً للحق، هي صنعة الأنبياء، وحينما تتخذ حرفة هي أقل من أن يلتفت إليها، لذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: لأن أرتزق بالرقص خير من أن أرتزق بالدين.
 هذا الدين ينبغي أن يكون في السماء، لا ينبغي أن نجعله في وحل الأرض، إنه دين الله، إذاً ينبغي أن لا نقلق على هذا الدين، بل يجب أن نسأل الله أن يجعلنا من جنوده، أخوتنا الكرام في الآية ملمح رائع جداً

 

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 كم صفة لهم ؟ إنهم يصلون، ويصومون ويحجون، ويزكون، وهم صادقون، أمناء، صفات لا تنتهي، لماذا الله عز وجل ترك كل هذه الصفات وذكر صفة واحدة ؟ قال:

 

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 لو أن هذا الداعية خشي غير الله، فسكت عن الحق خوفاً منه، أو نطق الباطل إرضاء له، ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت الدعوة، سقطت، فالصفة الجامعة المانعة الوحيدة لمن يدعو إلى الله أن لا يخشى غير الله، مرة كان بعض التابعين عند بعض الأمراء، جاءه توجيه لو أنه نفذه لأغضب الله، ولو أنه تركه لأغضب الذي أمره به، وعنده أحد التابعين قال: ماذا أفعل ؟ قال: إن الله يعصمك من فلان، ولكن فلان لا يعصمك من الله.
 هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، إذاً تبليغ رسالات الله ينبغي أن يرافقه خشية الله وحده، وإلا تسقط الدعوة إلى الله، ولا عبرة عندئذٍ لبقية الصفات التي يتمتع بها الداعية، قد يغيب عن الظن أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل واحد منا، والدليل:

 

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

 

(سورة يوسف)

 فكل من لم يدعو على بصيرة، والبصيرة هنا الدليل والتعليل،

 

﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) ﴾

 

(سورة الأعراف )

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

 فمن لم يدعو إلى الله عز وجل ما اتبع رسول الله، ومن لا يتبع رسول الله لا يحب الله، لقوله تعالى:

 

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾

 

(سورة آل عمران)

 الدعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف، أما الدعوة إلى الله كفرض كفاية ينبغي معها التبحر في الدين ومعرفة دقائق الشريعة، وحكم الشريعة، ومقاصد الشريعة، ومعرفة الردود على كل الشبهات التي يأتي بها الطرف الآخر.
 أيها الأخوة حينما تدعو إلى الله توسع دوائر الحق، لقول الله عز وجل:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

(سورة العصر)

 التواصي بالحق أحد أسباب النجاة، هذا الموضوعان موضوع التعقيب الأول والثاني، عودة إلى موضوع المحاضرة، موضوع المحاضرة متعلق بالزكاة، ونحن في شهر رمضان، وهذا الشهر هو الوقت المناسب لأداء الزكاة، ولكن قد يسأل سائل: لم في الأرض فقر وغنى ؟ هذه قضية دقيقة جداً، الحقيقة نحن في دار ابتلاء، والآخرة دار جزاء، نحن في دار عمل، والآخرة دار عطاء، نحن في دار تكليف، والآخرة دار تشريف، حكمة الله تقتضي أن توزع الحظوظ في الدنيا توزيعاً متفاوتاً، ما معنى حظوظ ؟ القوة حظ، الغنى حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، هذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء،
ما منا واحد أيها الأخوة إلا وله مواد امتحان مع الله، مواد امتحانه تندرج في زمرتين، الامتحانات الإيجابية، والامتحانات السلبية، الحظوظ التي منحك الله إياها امتحانات إيجابية، والحظوظ التي ذويت عنك امتحانات سلبية، إن كنت غنياً فامتحانك هو الغنى، وإن كنت فقيراً فامتحانك هو الفقر، إن كنت صحيحاً فامتحانك هو الصحة، وإن كنت لا سمح الله تعاني من بعض الأمراض فهذه الأمراض هي امتحانك مع الله.

 

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

 

(سورة المؤمنون )

 فهذه الدنيا هي دار ابتلاء.

 

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

 

(سورة الملك)

 إذاً أنا عندي امتحانان مع الله، امتحان فيما رزقني من حظوظ، وامتحان فيما زوي عني من حظوظ، من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

((اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما نحب، وما زويت عنا ما نحب، فاجعله فراغاً لنا فيما نحب.))

 أضرب لكم هذا المثل، لو أن مسلمين أو رجلين، امتحن الأول بحظ الفقر، فنجح، تجمل وصبر وعف، ولم يتضعضع أمام الغني، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، بقي متماسكاً، بقي عفيفاً، بقي عزيزاً، صبر على قضاء الله وقدره، والإنسان الآخر امتحن بالغنى، افتراضا لم ينجح في الامتحان، فطغى وبغى، ونسي المنتهى والمبتدأ، استعلى بماله على الخلق، تكبر بماله على من حوله، أنفقه على ملذاته وشهواته، عاشا عمراً متساوياً، ثم جاء يوم القيامة، فهذا الفقير الذي امتحن في امتحان الفقر ونجح كانت له الجنة إلى أبد الآبدين، وهذا الغني الذي امتحن في امتحان الغنى ولم ينجح كان في جهنم وبئس المصير، فما قيمة الحياة الدنيا إذاً ؟ من هنا نثمن قول الإمام علي كرم الله وجهه: الغنى والفقر بعد العرض على الله. لا يسمى الغني غنياً الآن، ولا الفقير فقيراً، بدليل ان الله عز وجل يقول:

 

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا ﴾

 

(سورة الفجر)

 كلا أداة ردع ونفي، أي أن هذا ليس صحيحاً يا عبادي، فلا إعطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، بل إعطائي ابتلاء، وحرماني دواء، إذاً الحظوظ التي بين يديك ليست نعماً وليست نقماً، إنما هي أشياء موقوفة على نوع استخدامها، إن استخدمت في طاعة الله أصبحت نعماً، وإن استخدمت في المعصية أصبحت نقماً.
 أيها الأخوة الكرام: لكن عند ذكر كلمة الفقر لابد من أن أذكر أن هناك فقر الكسل، الإنسان الذي لا يتقن عمله المسوف، المهمل، الذي لا يغدو إلى عمله باكراً هذا يفتقر، هذا الفقر عند الله مذموم، هو فقر الكسل، والذي ابتلي بعاهة منعته من أن يكسب رزقه هذا فقر القدر، صاحبه معذور، لكن هناك فقر عجيب، كفقر اسمه فقر الإنفاق.

 

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقَالَ انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقَالَ انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ ؟ قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ..))

 

(سنن الترمذي)

 بمعنى أنك إذا كنت مؤمناً ومعك مال ورأيت حولك جياعاً، مرضى، لابد من أن تبادر لخدمتهم، فمن لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم، فنحن نذم فقر الكسل، ونعذر فقر القدر، ونثني على فقر الإنفاق.
 أيها الأخوة: إذاً شاءت حكمة الله أن توزع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً، وهي مؤقتة وقصيرة، بينما مراتب الآخرة تعني كل شيء، قال تعالى:

 

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

 

(سورة الإسراء)

 هل يستوي في الدنيا تاجر كبير مع بائع متجول ؟ هل يستوي أستاذ في الجامعة كبير مع أستاذ في التعليم الابتدائي معين في قرية ؟ هل يستوي إنسان ذو منصب خطير مع حاجب ؟

 

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

 مراتب الدنيا مؤقتة ولا تعني شيئاً، وقد تعني العكس

 

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾

 

(سورة الأنعام )

 الإمام علي كرم الله وجهه يقول: فلينظر ناظر بعقله، أن الله أكرم محمداً أم أهانه حينما ذوى عنه الدنيا ؟ من قال أهانه فقد كذب !! وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا.
 العبرة أيها الأخوة أن هناك حظوظاً موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وفي الآخرة توزيع جزاء، العبرة لمقامك في الآخرة، العبرة لمن يضحك آخراً، أخوتنا الكرام الطفل يأتي باكياً ويضحك كل من حوله، فإذا دنا أجله كل من حوله يبكي، فإذا كان بطلاً يضحك وحده.

 

﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)﴾

 

(سورة يس)

 قيمة الإنسان بإيمانه وبعمله، لكن من حركة الحياة يمكن أن نستنبط قيم مرجحة، عند الناس الغني محترم، والقوي محترم، والذكي محترم، والوسيم محترم، لكن عند الله المؤمن والذي يعمل.

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

 

(سورة الأحقاف)

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

(سورة المجادلة)

 فالبطولة أن تأتي مقاييسك وفق مقاييس القرآن.

 

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 مقياس الفوز عند رسول الله طاعة رسول الله، وطاعة الله عز وجل، مقياس الفوز عند الله:

 

﴿فمن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

 

(سورة آل عمران)

 مقياس الفوز عند الله:

 

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) ﴾

 

(سورة النساء)

 أيها الأخوة من هذا المنطلق الواقعي، شرَّع الله دفع الزكاة، ودفع الزكاة تحكمه آية هي أصل في الزكاة:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) ﴾

 

(سورة التوبة)

 الذي يلف النظر أن الآية جاءت (خُذ)، الزكاة تؤخذ ولا تعطى، لأنها تتعلق بها مصلحة الأمة، فحينما يكون المال متداولاً بين الناس تكون الحالة سليمة، قال الله عز وجل:

 

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾

 

(سورة الحشر)

 لأن لا يكون دولة متداولاً بين الأغنياء منكم، الأعمال إذا ولدت المال وزعت الكتلة النقدية بين أكبر شريحة في المجتمع، أما إذا ولدت الأموال المال عن طريق الربا تجمعت الأموال في أيدٍ قليلة وحرمت منها الكثرة الكثيرة، عندئذٍ تكاد تكون معظم مشكلات المسلمين بسبب هذا التفاوت الطبقي، بيوت الدعارة، الاغتصاب، الاحتيال، السرقات، حتى الثورات الكبيرة أحياناً في بلاد لا تؤمن بالله، أسبابها مادية، إذاً:

 

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾

 لذلك حرِّم الربا أشد التحريم، بل إنه ما من معصية توعد الله مرتكبها بالحرب إلا الربا، لأنه يهدم أمة، تجمع الأموال على خلاف التشريع الإلهي، في أيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، جاءت كلمة(خذ) خطاباً للنبي الكريم، لا على أنه نبي هذه الأمة، بل على أنه ولي أمر المسلمين.

 

 

﴿خُذْ مِنْ﴾

 من: للتبعيض، ليس في الإسلام مصادرة الأموال كلها، خذ بعض أموالهم، ونسبة الزكاة قليلة جداً، وقد أمر النبي أصحابه حينما يجمعون الزكاة أن يدعو كرائم أموالهم.

 

 

﴿خُذْ مِنْ﴾

 من: تعني أن الزكاة جزء يسير من أموال المسلمين، جاءت أموالهم جاءت جمعاً لتشير إلى أن كل الأموال تجب فيها الزكاة، بدءاً من النقدين الذهب والفضة، مروراً بعروض التجارة، بما أنتجته الأرض، بالأنعام، ونهايةً بالركاز، والثروات الباطنية، جاءت كلمة (أموالهم) جمعاً.

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 أما هم جاء الضمير الغائب مرتبطاً بميم الجماعة.

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 أي أن الزكاة لا يمكن أن تطوى عن أحد، ولا يمكن أن يعفى منها أحد.

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾

 هنا تطهرهم من ماذا ؟ قالوا: تطهر الغني من الشح. كيف أن الورم الخبيث في الجسم من أخطر الأمراض !! ولا دواء له وينتهي بصاحبه إلى الموت، من أمراض النفس العضالة الوبيلة الشح، فكم من إنسان عاش فقيراً ليموت غنياً، حينما يأتي أولاده بالطبيب ليعالجونه ويطمئنهم الطبيب يتألمون، نحن نريد أن تكون القاضية، لذلك ما من إنسان يتمنى من حوله الموت له إلا البخيل.

 

 

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)﴾

 

(سورة التغابن)

 فالزكاة تطهر الإنسان من مرض الشح، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأثر:

(( من أدى زكاة ماله برئ من الشح، وأنه من حمل حاجته بيده برئ من الكبر، ومن أكثر من ذكر الله برئ من النفاق.))

 وأضخم مبلغ في الأرض إن أديت زكاته لا يعد كنزاً، وأقل مبلغ إن لم تؤدَّ زكاته فهو كنز، إذاً:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾

 كلمة صدقة هي في الحقيقة الموضوع عن الزكاة، لم عدل القرآن عن كلمة الزكاة إلى الصدقة ؟ هنا وظيفة هذه الكلمة أن تؤكد أن الزكاة تؤكد صدق الإنسان، هناك أعمال في الدين كثيرة جداً لا تكلف شيئاً، أما الزكاة تدفع مالاً أنت تحبه.

 

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

 

(سورة آل عمران)

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾

 تطهر الغني من البخل، تطهر الفقير من الحقد، الغني إذا أدى زكاة ماله أصبح الفقراء حراساً لأمواله، أما إذا لم يؤدي زكاة ماله أصبح من حوله مقلقون له، فهذا الفقير حينما يعطيه الغني زكاة ماله تطهر نفسه من الحقد، والغني تطهر نفسه من الشح، بقي المال، المال يطهر من تعلق حق الغير به، من أدى زكاة ماله أذهب عنه شره، وما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، إذاً تطهرهم من الشح والبخل، ومن تعلق حق الغير به.
 بالمناسبة أيها الأخوة: لو أن بيتاً فيه حجر مغصوب هذا الحجر هذا الحجر رهنٌ بخراب البيت، لو أن مالاً فيه مالٌ فيه حق الفقير لم يؤدى هذا المال رهنٌ بإتلاف المال كله، لذلك أنت حينما تؤدي الزكاة تذهب عن نفسك الشر، الآن:

 

﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾

 أيها الأخوة الأحباب:
 الإنسان فيه دوافع ثلاث، دافع إلى الطعام والشراب للحفاظ على الفرد، ودافع إلى الجنس للحفاظ على النوع، هذه الملايين المملينة في العالم لولا الدافع الجنسي لما رأيت أحداً في الأرض، بدافع جنسي يتزوج الإنسان وينجب، فالدافع إلى الطعام والشراب للحفاظ على الفرد، بينما الدافع الجنسي للحفاظ على النوع، لكن هناك دافع ثالث خطير جداً اسمه الدافع إلى تأكيد الذات، الإنسان بعد أن يأكل ويشرب، ويشبع ويرتوي، وبعد أن يتزوج، عنده دافع سمه تأكيد الذات، سمه إثبات الوجود، سمه العلو، سمه ما شئت، أي أنت لديك رغبة جامحة أن تكون إنساناً مهماً، يشار إليك، يثني الناس عليك، هذا الدافع حيادي، يمكن أن يروى بعمل مشروع، أو أن يروى بعمل إجرامي، ألم يقل الله عز وجل:

 

 

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 

(سورة الشرح)

 أنت حينما تدعو إلى الله، وحينما تستقيم على أمر الله، وحينما تحب الله، يرفع الله لك ذكرك، آية أيها الأخوة دقيقة جداً:

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

 

(سورة الجاثية)

 مستحيل وألف ألف مستحيل، أن تكون حياة المؤمن كحياة الكافر.

 

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

 

(سورة السجدة)

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾

(سورة القلم)

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

(سورة القصص)

 أي أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن يستوي مؤمن مع كافر، لكن:

 

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

 

(سورة المؤمنون)

 وهذا القطب الوحيد الذي يقلق العالم أنا أقول لكم: مستحيل وألف ألف مستحيل أن يرسم خططاً بعيدة لصالحه، على حساب بقية الشعوب، وثقافتها، ودينها، وثرواتها، ثم ينجح هذا المخطط، أن ينجح هذا المخطط إلى أمد بعيد يتناقض مع وجود الله، لا مع عدالته فحسب.

 

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)﴾

 

(سورة آل عمران)

 الذين نصروا النبي هم في أعلى مراتب الجنة، والذين نصبوه العداء هم في مزبلة التاريخ، أيها الأخوة: الآن:

 

﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾

 أنت حينما تدفع زكاة مالك، وتطعم الجياع، وتمسح الدموع عن وجوه الأطفال، أنت تنمو، تشعر بقيمتك في الحياة، أنت في قلوب الناس، ما معنى قول الله عز وجل:

 

 

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾

 

(سورة النحل)

 أي أنه في قلوب الملايين، والغني الذي يؤدي زكاة ماله في قلوب كل المساكين، هم يحبونه، قال: تزكو نفس الغني، وتزكو نفس الفقير، يشعر أنه ليس هيناً على الناس، اهتم الناس به، أمدوه بكل ما يحتاج، له مكانة عندهم، له كرامة لديهم، قال: والمال نفسه يزكو. يزكو المال بطريقتين: بطريقة القانون الاقتصادي، أنت حينما تؤدي زكاة مالك جعلت لدى الفقير قوة شرائية، في النهاية هو يشتري من عندك، وهذا ما تفعله بعض الدول حينما تساعد الدول الفقيرة، هي في الحقيقة لعبة، تعطيها المساعدات لتشتري من عندها المصنوعات، فالفقير حينما يشتري من الغني يزداد ماله، تزكيهم أي تنمي، الزكاة هي النماء، تنمي نفس الغني، ونفس الفقير، وتنمي المال، وقد ينمو المال بطريقة العناية الإلهية، يلهم المزكي طرقاً لكسب المال قد لا ينتبه لها بعض الناس، فالله عز وجل حينما تعبده يخضعك لقانون العناية الإلهية.
 أيها الأخوة الكرام: سأل بعضهم شيخاً له: كم الزكاة يا سيدي ؟ فقال له الشيخ: عندنا أم عندكم ؟ قال: عجيب !! كم دين يوجد ؟ قال له: عندكم ربع العشر، أما عندنا العبد وماله لسيده. لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾

 

(سورة البقرة)

 ويقول:

 

﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾

 إذاً في المال حق سوى الزكاة، وقد ميز العلماء بين قوله تعالى:

 

 

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) ﴾

 

(سورة المعارج)

 هي الزكاة.

 

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾

 

(سورة الذاريات)

 هي الصدقة، أما زكاة الفطر..! عجيب هذه واجبة على كل مسلم ولو كان فقيراً، أي إنسان يملك قوت يومه، وجبة غذائية واحدة، عليه زكاة الفطر، لماذا، لأنها طهرة للصائم، وطعمة للمسكين، لكن في الحقيقة من أجل أن يذوق الفقير طعم الإنفاق في العام مرة.
 أيها الأخوة الكرام العبادات معللة بمصالح الخلق.

 

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر﴾

 

(سورة العنكبوت)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

(سورة البقرة)

 في الحج.

 

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾

 

(سورة المائدة)

 فالزكاة تطهر وتزكي، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يقودك إلى التقوى، والحج من أجل أن تعلم أن الله يعلم، عبادات المسلمين معللة بمصالح الخلق، وعلة وجودنا أن نعبد الله، ورد في بعض الآثار القدسية:

 

((إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويُشْكَر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها.))

 

(( عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

((يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك، قال أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكِّرهم بآلائي، ونعمائي وبلائي. ))

 أي ذكِّرهم بآلائي كي يعظموني، وبنعمائي كي يحبوني، وببلائي كي يخافوني، الله عز وجل عنده أدوية مرة.

 

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

 

(سورة البروج)

 وعنده نعم كثيرة.

 

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

 

(سورة النحل)

 وعنده آلاء عظيمة.

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾

 

(سورة آل عمران)

 فلابد من أن يستقر في قلب المؤمن تعظيم لله، وحب له، وخوف منه، هذا هو الوضع الطبيعي، أيها الأخوة الأحباب أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذه الحقائق، التي أخذت من كتاب الله، ومن سنة رسول الله.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 المذيع: أنا أردت كتابة الأسئلة، ولكن كنت منشداً مشدوداً إلى الكلام، فنسيت كتابة الأسئلة المهمة، لذلك هذه الأسئلة سوف لا تكون من المقاطع المهمة في كلام الشيخ لأنني ذهلت عن الكتابة وانشغلت إلى فضيلته حفظه الله، والواقع أن هذا الحديث القدسي الذي قرأت هذا يكفي أن يكون منهجاً لحياة الإنسان، تربوياً فكرياً، عم لياً، هذه المسالة حق، هذا الحديث من أين مصدره ؟
 الأستاذ: من كتاب الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية، وورد أيضاً عند ابن القيم الجوزية.
 المذيع: لو سمح لي سماحة الشيخ لن نكتب الأسئلة، لأن الأسئلة للأسف سوف تكون سهلة، لأنني قد ذهلت عن كتابة الأمور المهمة التي تفضل بها سماحة الشيخ، تفضل سماحة الشيخ بأننا يجب أن لا نقلق على الإسلام، بل يجب أن نقلق على شيء آخر ما هو الشيء الذي يجب أن نقلق عليه ؟
 الطالب: ينبغي أن نقلق على أنفسنا إن قبلنا الله جنوداً لهذا الدين أم لم يقبلنا.
 الأستاذ: تعقيباً على تفضلكم أن العالم أو أن المسلمين في تركيا صوتوا للمسلمين، كنت مرة في قصر (دولما بهجت)، ولفت نظري قصر لا يصدق، خمس أطنان من الذهب لتزيين قاعة واحدة، مساحتها ألفي متر، فوجدت ساعة ثبتت على التاسعة والخمس دقائق، فسألت قيل لي: في هذه الساعة توفي أتاتورك، فثبوتها، قلت كلمة، ألف طاغية يفطسون والإسلام باقٍ.
 المذيع: هناك خاصية في هذا الدين هو أنه كلما ازدادت الضغوط عليه ازداد تألقاً، ما هي هذه الخاصية ؟
 الطالب: أن هذا الدين يمنح الإنسان السكينة، وأن في هذه الدنيا المال وغيره فأكثر ما يدع الإنسان يرقى هذه السكينة الموجودة عنده.
 الأستاذ: هذه السكينة أيتها الأخوات والأخوة وجدها أصحاب الكهف في الكهف، وفقدوها في الدور والقصور، وجدها سيدنا موسى في الصندوق، أو في التابوت، وجدها إبراهيم عليه السلام في النار، وجدها يونس في بطن الحوت، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هذه هي السكينة.
 المذيع: ما هي العناصر في هذا الدين التي تجعله كلما ازدادت الضغوط عليه ازداد تألقاً ؟
 الطالب: أنا أخ جزائري: الجواب على هذا السؤال من السؤال نفسه، وساق الأستاذ مثالاً على ذلك، والسر في ذلك هو: أن هناك ثلاثاً لا يعلمه إلا القرب من الله تعالى، وساق الشيخ شاهداً على ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ماذا يفعل أعداء هذا الدين فإن سجنوني فسجني خلوة وإن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني فنفيي سياحة. ذكر هذه الخاصية فقط، فخاصية هذا الدين أنه كلما ازداد ضغطاً عليه ازداد اتساعاً، هذا هو الجواب.
 المذيع: هل هذا هو الجواب أستاذنا ؟
 الأستاذ: نعم، صحيح.
 المذيع: الجائزة لك. سؤال آخر: ماذا وصف الله تعالى الدعاة إليه ؟ ما هي أوصاف الدعاة إلى الله ؟
 الطالبة: وصفهم بالخشية، فهي صفة مانعة.
 الأستاذ: تعليقاً على الكلام، لو وصفت الطائرة بأنها غالية الثمن، والقصور غالية الثمن، هذه الصفة ليست مرتبطة مع الطائرة ترابط وجودي، لو وصفت هذه الطائرة بأنها فخمة الباخرة أيضاً فخمة !! أما إذا وصفت الطائرة بأنها تطير فهي صفة مرتبطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً، ومن صفات القرآن الكريم إذا وردت في القرآن صفات لموصوفات مترابطة معها ترابط وجودي لو ألغيت الصفة ألغيت الموصوف، أي أن الدعاة وصفوا بأنهم يخشون الله، لو ألغيت خشيتهم ألغيت وجودهم، لذلك :

 

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾

 المذيع: هل الجواب صحيح أستاذ ؟
 الأستاذ: نعم.
 المذيع: ما هي شروط الدعوة كفرض عيني ؟ وما هي شروطها كفرض كفائي ؟
 الطالبة: بالنسبة للفرض العيني أن يكون عالماً فيما يعرف و فيمن حوله، أما الفرض الكفائي فبالنسبة إلى جميع الناس.
 الأستاذ: الحقيقة أنه قريب جداً من الصح، وأنا سأكمل، الفرض العيني في الدعوة في حدود ما تعلم ومع من تعرف، فقط، أما أنت إذا حضرت خطبة جمعة فقط، حضرت محاضرة، الذي علمته من هذه المحاضرة فقله للآخرين فقط، لست مكلفاً أن تكون متفرغاً، ولا متبحراً، ولا متعمقاً، في حدود ما تعلم ومع من تعرف، الدعوة إلى الله فرض عين لقول النبي:

 

 

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً.... ))

 

(صحيح البخاري)

 أما الدعوة كفرض كفاية فتحتاج إلى تبحر وتعمق، فأصبحت اختصاص، ولأنها اختصاص فرض كفاية، بدليل قوله تعالى:

 

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) ﴾

 

(سورة آل عمران)

 أما:

 

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

 حصراً وشكراً على هذه الإجابة.
 المذيع: الحقيقة أن هذا الكلام بليغ جداً، أن الدعوة إلى الله فرض كفاية وفرض عين، حسناً ما معنى قول علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: الغنى والفقر بعد العرض على الله.؟
 الطالب: يكون الثواب والجزاء بعد العرض على الله بتقدير الأعمال وتقدير الإنفاق.
 الأستاذ: الحقيقة أنه قرب قليلاً من الجواب.
 طالب آخر: أن الحظوظ التي مع الله نعماً وليست نقماً.
 طالب آخر: أن الغنى والفقر في هذه الدنيا ابتلاء أما في الآخرة فهو جزاء، فالغني والفقير يستويان في الآخرة.
 الأستاذ: صحيح.
 المذيع: من هو المحترم عند الناس ؟ ومن هو المحترم عند الله سبحانه وتعالى ؟
 طالبة: المحترم في الدنيا هو الغني وصاحب المركز مثل الطبيب والمحامي والقوي. أما في الآخرة التقي، أي المؤمن.
 الأستاذ: الجواب

 

 

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) ﴾

 

(سورة يونس)

 المقياس الإيمان والعمل.
 المذيع: ما هو مفهوم خذ في مال الزكاة ؟ ماذا تفهم من كلمة خذ ؟
 طالب: أن الصدقة ليست شيئاً يعطى تفضلاً، بل إن الصدقة يجب أن فرضاً وتجمع من قبل ولي الأمر.
 الأستاذ: إذاً خذ الهدية.
 المذيع: يوجد سؤال يرتبط بالمحاضرة السابقة لفضيلة الشيخ، ومن لم يكن فقد خسر، ركَّز على البعوضة، ما هو السر في كلمة هذه البعوضة ؟
 طالبة: بسم الله الرحمن الرحيم:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

(سورة البقرة)

 ذكرت هذه البعوضة أن الإنسان لا يستطيع أن يخلق مثلها، فكم هي دقيقة وصغيرة فالإنسان لا يستطيع أن يخلق مثلها، ونظام أجنحتها متطور ولا يستطيع الإنسان أن يخلق مثلها.
 الأستاذ: لها مئة عين، وثمانية وأربعون سناً، وجهاز رادار، وتحليل وتخدير، ومحاجم ومخالب. أستاذنا الجليل لدينا جوائز تشجيعية وتقديرية، فأعطها جائزة تشجيعية، إخواننا الكرام لحظة جاءتني رسالة على الإنترنت هناك بحث دقيق لكلمة (موسك) أي مسجد بالإنكليزية، لا تستخدموا هذه الكلمة إطلاقاً، كلمة موسك باللغة الإنكليزية تعني مكان قتل البعوض، هذه مؤامرة، قل مسجد ولو باللغة الإنكليزية، هذا الموضوع في الإنترنت وهذه ترجمته، كلمة موسك باللغة الإنكليزية تعني مكان قتل البعوض، فنحن نفتخر إذا تكلمنا بالإنكليزية نقول موسك أي مسجد، ينبغي أن نقول مسجد.
 المذيع: متى يعيش الإنسان فقيراً ويموت غنياً ؟
 طالب: إذا أصابه الشح.
 الأستاذ: إذا كان شحيحاً، صح.
 المذيع: هناك دوافع رئيسية لوجود الإنسان، وهناك دافع خطير أهم من غيره، بين هذه الدوافع، وبين هذا الدافع الخطير.
 طالب: الدافع إلى المال، والدافع إلى الجنس، والدافع إلى تأكيد الذات، والدافع الخطير هو الدافع إلى تأكيد الذات.
 الأستاذ: أول دافع هو الدافع إلى الطعام والشراب اثنان من ثلاثة نقسمهم اثنان وثلث !
 المذيع: العبادات في الإسلام كلها معللة بشيء ما هو ؟
 طالب: هو مصالح العباد.
 المذيع: في الآية القرآنية التي وصفت:

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37)﴾

(سورة الرحمن)

 ما هذه الوردة ؟
 الطالب: نجم بعده عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، اسمه عين القط، انفجار نجم.

 

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37)﴾

 المذيع: تطهرهم في آية الزكاة، في أي شيء نطهرهم ؟
 الطالب: تطهر الغني من حب المال، والفقير من الحقد على الأغنياء.
 المذيع: أتوجه بجزيل الشكر لكل هذه الأسئلة والجوائز من أجل تثبيت هذه المفاهيم، جزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله.