مختلفة- لبنان - المحاضرة : 19 - صيدا - نقاط مضيئة في ذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم .

2002-05-30

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
 أيها الأخوة أيتها الأخوات:
 اسمحوا لنا في مستهل هذا اللقاء أن نرحب باسمكم بفضيلة الدكتور في أمسيتنا المباركة هذه ونرحب بكم جميعاً.
 أيها الأخوة أيتها الأخوات:
 قال الله تعالى:

﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾

( سورة المائدة الآيتان: 15 ـ 16 )

 لقد بعث الله تعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذا النور ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليمحو به ظلمات الجهل، وليرفع به الظلم عن كاهل العباد، وليصحح مسار البشرية عامة، بعد أن عم التخلف والطغيان لكونه نور ولكونه القدوة الكامنة في شتى شؤون الحياة ومجالاتها وقد قال سبحانه وتعالى:

 

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) ﴾

 

( سورة الأحزاب الآية: 21 )

 فما أحوجنا إلى إعادة دارسة سيرته لنقتبس منها الحلول لأزماتنا المستعصية والذي تمظهرت لاستجابة الأمة لقضية القدس، أعني قضية المسلمين الكبرى والتي تمظهرت إلى الغرب ليسوغ لنا مفاهيمنا ثوابتنا من جديد، وها هي الأمة تتأرجح بين مواقف عدة من موقف إلى آخر كلها وبمجملها مواقف مضطربة.
 ومحاضرنا في هذه الأمسية الدكتور محمد راتب النابلسي من علماء دمشق الشام علم الرباط في هذا العصر ينتسب إلى عائلة توارثت العلم كابر عن كابر، قضى طفولته وريعان شبابه في طلب العلم، ولد في دمشق عام 1938 وتابع مراحل التعليم في مدارس دمشق وحصل على لصنص في الآداب من جامعة دمشق، وعلى دبلوم التأهيل التربوي ثم نال الدكتوراه في التربية من الجامعة... وعمل في حقل التعليم الجامعي قرابة ثلاثين عام وتلقى العلم الشرعي عن نخبة من العلماء وعيّن خطيب في جامع جده العارف بالله الشيخ عبد الغنى النابلسي وهو كان إمام عصر في ذلك الزمان سواء ما كان على صعيد الفقه الحنفي وعلى صعيد التسلية والتربية والسلوك، وهو يدير الآن معهد لتحفيظ القرآن الكريم وهو عضو في عدد من اللجان السكانية، له دروس تذاع عبر إذاعة كثيرة في العالم الإسلامي وله ندوات تبث عبر الفضائيات وهو ممثل سورية في عدد من المؤتمرات في العالم الإسلامي، من مؤلفاته نظرات في الإسلام، وتأملات في الإسلام، الإسراء والمعراج، الله أكبر، الهجرة وأخرها موسوعة أسماء الله الحسنة نترككم لتستمعوا إلى محاضرته وأحفظ عن فضلية الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ممن يصدق فيهم قول الإمام ابن الجوزية رحمه الله كان جماعة من السلف.... نترككم لنستمع إلى محاضرته فليتفضل مشكور.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 بادئة ذي بدء أشكر لكم دعوتكم الكريمة فهي إن دلت على شيء على ثقتكم الغالية التي أعتز بها، وأشكر لكم حضوركم واهتمامكم وأرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون عند حسن ظنكم.
 أيها الأخوة الأحباب:
 نحتفل بذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام الاحتفال بذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام قضية خلافية، إذا قلنا إن الاحتفال بعيد المولد عبادة فهو بدعة، أما إذا قلنا إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 69 )

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

( سورة سبأ الآية: 46 )

 نحن مدعون من قبل الله جل جلاله لمعرفة رسول الله، لمعرفة شمائله، لمعرفة أخلاقه، لمعرفة مكارمه، لمعرفة منهجه، لأنه قدوتنا وأسوتنا، يكفي أن نقول حينما قال الله عز وجل:

 

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

 

( سورة هود الآية: 120 )

 فإذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبيه دونه، فلا أن نتألق نحن كمؤمنين نعيش في آخر الزمان، في الزمان الصعب، في زمان الفتن، في زمان الكاسيات العاريات، في زمان المائلات المميلات، في زمان أن يكذب الصادق ويصدق الكاذب في زمان أن يؤتمن الخائن ويخون الأمين، في هذا الزمان الصعب الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( بأن القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر ))

 وقد ذكر أيضاً أن أجر هذا القابض على دينه في ذلك الزمان الصعب كأجر سبعين، قيل يا رسول الله منا أم منهم، قال: بل منكم لأنكم تجدون على الخير معوان ولا يجدون، فلأن يتنفع قلب مؤمن يعيش في آخر الزمان بسماع قصة سيد الأنام، بسماع قصة من تمثل الكمال البشري، لأن هذا الكمال البشري ينبغي أن نسير في طريقه، الكمال البشري الذي كان عليه الصلاة والسلام متربعاً على عرشه هو الكمال الذي جعله الله ثمن لدخول الجنة.
 أيها الأخوة الكرام:
 الله عز وجل حينما مدح النبي بماذا مدحه كان عليه الصلاة والسلام من أفصح العرب، كان عليه الصلاة والسلام خطيباً في أعلى مستوى، كان قائداً محنكاً، كان سياسياً ذكياً كان أب رحيماً، كان زوجاً وفياً، كل هذه الصفات لم يمدحه الله بها بل مدحه بشيء هو من كسبه قال:

 

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم الآية: 4 )

 لم يقل وإنك ذو خلق عظيم، هو في الأعماق، نحن أحياناً نقع في صراع ثم ننتصر على أنفسنا، إذاً نحن إن انتصرنا على أنفسنا ذوي خلق عظيم، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان على خلق عظيم.
 أيها الأخوة:
 النبي عليه الصلاة والسلام يمثل الكمال البشري، هناك شخص يكونه هو ذاته، وهناك شخص يتمنى أن يكونه، وهناك شخص يكره أن يكونه، ما من واحد إلا وفي ذهنه شخصية يتمنى أن يكونها أو يتمنى أن يمشي في طريقها، المؤمن الصادق، شخصية النبي عليه الصلاة والسلام بخلقه العظيم بشمائله الراقية، بفضائله هي الشخصية التي ينبغي أن يتمنى كل واحد منا أن يسير في طريقها.
 أيها الأخوة:
 قال أحد العلماء الكبار ابن القيم رحمه الله تعالى: الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان، لأن هذا الخلق النبوي الذي نحن نسعى إليه هو ثمن الجنة، ولأن الجنة خلقنا من أجلها أرأيت إلى هذه الآية، يقول الله عز وجل:

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

 

( سورة الليل الآية: 5 ـ 6 )

 الحسنة هي الجنة، هذا الذي صدق أنه مخلوق للجنة، ثم بناء على هذا التصديق أتقى أن يعصي الله، ثم بناء على هذا التصديق بنى حياته على العطاء، الرد الإلهي على هذا النموذج من بني البشر.

 

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

 

( سورة الليل الآية: 7 )

 زواجه ميسر، رزقه ميسر.

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

 النموذج الثاني: بالمناسبة أيها الأخوة تقسيمات البشر لا تعد ولا تحصى دول الشمال ودول الجنوب، الشرق والغرب، الأغنياء والفقراء الأجناس، الأري والسامي والأنكلوسكسوني أجناس وألوان وطوائف ومذاهب وملل ونحل، البشر جميعاً عند الله نموذجان: إنسان تعرف إلى الله فالتزم بمنهجه، وأحسن إلى خلقه فسعد في الدنيا والآخرة، وإنسان غفل عن الله فتفلت من منهجه وأساء إلى خلقه فشقي في الدنيا والآخرة ذلك أن في الأرض أقوياء وأنبياء ألطف كلمة أقوياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، وشتان بين أن تملك قلباً وبين أن تملك رقبة، والناس جميعاً أتباع أنبياء أو أتباع أقوياء، فالذي يعتمد على قوته في السيطرة هذا من أتباع الأقوياء، أما الذي يعتمد على كماله في كسب قلوب الآخرين هذا من أتباع الأنبياء.
 أيها الأخوة الأحباب:

 

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) ﴾

 الحسنى هي الجنة.

 

 

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾

 

( سورة يونس الآية: 26 )

 نظام الجنة.

 

﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾

 

( سورة الزمر الآية: 34 )

 نظام الدنيا.

 

﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

 

( سورة الانشقاق الآية: 6 )

 نظام الدنيا فيه مشقة وفيه تعب، لاتصل إلى مبتغاك إلا بشق الأنفس، وفي أية لحظة تخسر كل شيئاً في الدنيا، لمجرد أن يقف القلب انتهى كل شيء، انتهت ممتلكاتك، انتهت هيمنتك، انتهت سيطرتك انتهى مجدك، لمجرد أن يضيق الشريان التاجي تدخل في متاهات وفي متاعب لا تنتهي، لمجرد أن تنمو الخلايا نمواً عشوائياً تنتهي الحياة، الدنيا مؤقتة الله عز وجل خاطب هذا الإنسان الأول حينما قال الله عز وجل:

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

 

( سورة الأحزاب الآية: 72 )

 هذا المخلوق الأول هو في حقيقته زمن، ما من تعريف للإنسان أبلغ من قول الإمام الحسن البصري: الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، فهو في خسر حقيقي.

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

 

( سورة العصر الآيتان: 1 ـ 2 )

 لماذا هو في خسر ؟ لأن مرور الزمن وحده يستهلكه، يوم ويوم وأسبوع وأسبوع وشهر وشهر وفصل وفصل وعام وعام وعقد وعقد إلى أن تنتهي الحياة الدنيا، الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.
 أيها الأخوة:
 الإنسان في خسارة محققة إلا، يعني أنت إذا أنفقت الوقت إنفاق استهلاكياً فأنت خاسر، كما يفعل معظم الناس، يأكل ويشرب وينام ويستريح ويستمتع ويستجم إلى أن ينقضي أجله، بينما الذي ينفق وقته إنفاقاً استثمارياً، يعني في الوقت ما ينفعه بعد مضي الوقت أي:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

( سورة العصر )

 هذه أركان النجاة.

 

(( إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله تعالى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ))

 

[ أخرجه الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل وأبو نعيم في الحلية عن عائشة ]

 فأنت حينما تعلم حقيقتك أنك بضعة أيام وأنه كلما أنقضى يوم أنقضى بضع منك وأنه ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة عندئذٍ تؤمن أنك مخلوق للحسنى.

 

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

 ما لزيادة.

 

 

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾

 

( سورة القيامة الآيتان: 22 ـ 23 )

 ما فوق هذه الزيادة.

 

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

 

( سورة التوبة الآية: 72 )

 أن تكون في الجنة فأنت في الحسنى، كل شيء فيها حسن، نظام الجنة.

 

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ﴾

 والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، وفوق الزيادة:

 

 

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ﴾

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) ﴾

 لأنه صدق بالحسنى، اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، عطاء من وقته، من جهده، من خبرته، من ماله، من علمه بلا حساب، يبتغي وجه الله عز وجل، النموذج الآخر المعاصر.

 

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ﴾

 

( سورة الليل الآية: 8 )

 بنى حياته على الأخذ، من أروع ما قرأت عن الحشرات أن النملة تملك جهازين جهاز مص وجهاز ضخ، فإن رأت نملة شبعة نملة جائعة استعملت جهاز الضخ، أعطتها من عصارة غذائها، وإن كانت النملة جائعة أخذت من أختها عن طريق جهاز المص ما تحتاج المؤمن بنى حياته على العطاء، مطلق العطاء، بينما غير المؤمن بنى حياته على الأخذ، يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني غناه على إفقار الآخرين يبني حياته على قتل الآخرين، يبني أمنه على إلقاء الرعب في قلب الآخرين.

 

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ﴾

 لم يصدق بالحسنى، لأنه ألغى الجنة من حساباته كلياً، لأنه آمن بالدنيا فقط، بنى حياته على الأخذ واستغنى عن طاعة الله.

 

 

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾

 

( سورة الليل الآيتان: 8 ـ 9 )

 الرد الإلهي.

 

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾

 وهذا المال الذي جمعه قال الله عنه:

 

 

﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13)﴾

 

( سورة الليل الآيات: 11 ـ 13 )

 فيا أيها الأخوة:
 النبي عليه الصلاة والسلام له مهمتان كبيرتان، مهمة التبليغ ومهمة القدوة.

 

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) ﴾

 

( سورة الأحزاب الآية: 21 )

 كان مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاة، فقال أحدهم علي ذبحها، وقال الثاني علي سلخها، وقال الثالث علي طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام وعلي جمع الحطب، يا رسول الله نكفيك ذلك، قال:

((أعلم أنكم تكفونني ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.))

 في معركة بدر الرواحل ثلاثمائة وأصحابه يقتربون من الألف فأصدر أمره كقائد عسكري كل ثلاثة على راحلة، وقال عليه الصلاة والسلام وهو على رأس هذه الأمة، نبياً وقائداً وزعيماً، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة فركب الناقة فلما جاء دوره في المشي قالوا يا رسول الله ابقَ راكباً توسلا إليه فقال عليه الصلاة والسلام:

((ما أنتما بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر.))

 أيها الأخوة:
 الدعاة إلى الله في هذا الزمان إن قلدوا النبي في طريقة دعوته إلى الله وفي طريقة معاملته لأصحابه، في تواضعه، في خدمة أصحابه، في نصحه لهم، في تفقدهم لهم، في رحمتهم بهم، الدعاة إلى الله إذا قلدوا النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته إلى الله تألقوا، أما إذا لم يطبقوا سنته أثاروا حولهم جدلاً كبير.
 أيها الأخوة:
 الذي ألف كتاباً عن المئة الأوائل الذين بنوا العالم، وهو ليس مسلماً جعل النبي عليه الصلاة والسلام على رأس هؤلاء المئة، المقياس الذي اعتمده قوة التأثير وأتساع رقعة التأثير وامتداد أمل التأثير، ولو أضاف مقياساً رابعاً نوع التأثير لحذف ثلثين الأبطال الذين وصفهم بأنهم أبطال.
 أيها الأخوة:
 هذا بندا من بنود هذه المحاضرة، البند الثاني:
 الله عز وجل أمرنا أن نأخذ عن النبي أمر إلهي.

 

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

( سورة الحشر الآية: 7 )

 يقول بعضهم: كيف نوفق بين بشرية النبي عليه الصلاة والسلام وبين أن نأخذ عنه كل شيء، كان مرة غاضباً عليه الصلاة والسلام، سأله أحد أصحابه يا رسول الله أنأخذ عنك وأنت غاضب، فأمسك لسانه بيده وقال:

((والذي بعث محمد بالحق إن هذا اللسان لا ينطق إلا بالحق ))

 لذلك قال الله تعالى:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 من منكم يصدق أن معرفة سنة النبي فرض عين، وأن معرفة سيرة النبي فرض عين، ذلك أن قاعدة أصولية هي:
 ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض.
 الوضوء فرض أم ماذا ؟ الوضوء فرض لماذا ؟ لأن الصلاة وهي فرض لا تتم إلا به وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة.
 طيب عندنا قاعدة أخرى، كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب وهذه مشكلة المسلمين، يفهمون الإسلام على أنه عبادات خمس وبينما الإسلام في حقيقته، في ضوء الكتاب والسنة يزيد عن مئة ألف بند أنت مع منهج تفصيلي، فلذلك قال علماء الأصول: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، إذا قال الله عز وجل:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 كيف نأخذ ما آتانا وكيف ننتهي عما عنه نهانا إن لم نعرف ماذا آتانا وماذا عنه نهانا، شيء طبيعي حينما قال الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ﴾

 كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة لنا إن لم نعرف كيف عاش في بيته وكيف عامل زوجاته، وكيف عامل أصحابه وكيف عامل جيرانه، وكيف كان في سلمه، وكيف كان في حربه، وكيف كان في خصوصيات حياته، إذاً معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم ومعرفة سيرة النبي العملية فرض عين على كل مسلم ونحن في ذكرى مولده.
أيها الأخوة:
 أقول لكم لو أننا مدحنا النبي وبذكر محمد تحي القلوب، وقد أمضينا كل حياتنا في مديح رسول الله، بل لو اكتفينا بمديح رسول الله اكتفينا، واكتفينا بالتبرك به، لا ننتفع أبداً، ما لم نسر على منهجه، ما لم نتبع، فلذلك أنت حينما تقتني كتاباً في السنة الصحيحة، وحينما تقتني كتاباً في سيرة النبي، أو حينما تحضر درساً في شرح أحاديث رسول الله، أو شرح سيرته العطرة، أنت تقوم بفعل واجب عليك تنفيذ لقوله تعالى:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 لذلك بناء على ذلك عصم الله النبي الكريم من أن يخطئ في أقواله وفي أفعاله وفي إقراره وفي أحواله، لأنه عصمه أمرنا أن نتبعه، نحن مع مثلاً أعلى نحن مع مخلوق أول معصوم، وقد أقسم الله بحياته قال:

 

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

 

( سورة الحجر الآية: 72 )

 لعمرك يا محمد:

 

﴿ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

 نحن أيها الأخوة في ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام، الله جل جلاله لم يقبل دعوة محبته إلا بالدليل، قال:

 

 

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 31 )

 لذلك:

 

كل يدعي وصل بليلى  وليلى لا تقر لهم بذاك
***

 أدعي ما شئت علامة محبة الله أتباع رسول الله، ومن أتباع رسول الله الدعوة إلى الله، الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم فرض عين طبعاً هناك دعوة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، حينما تتبحر بالعلم، وحينما تتفرغ للعلم، وحينما تستطيع أن تقيم الحجة والدليل، وحينما ترد على كل الشبهات، هذه دعوة إلى الله تعد فرض كفاية إذا قام به البعض سقطت عن الكل، أما الدعوة التي فرض عين تقتبس من قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( بلغوا عني ولو آية ))

 لو أن كل واحد منكم أختار مسجد يثق بخطيبه وبعلم خطيبه وبورع خطيبه وبإخلاص خطيبه، وأخذ منه شيئاً من خطبة الجمعة، ثم نقل هذا الشيء إلى زوجته، إلى أولاده إلى جيرانه، إلى أقربائه، إلى زملائه، نفذ وصية النبي:

 

((بلغوا عني ولو آية ))

 فلذلك لا تكون محباً لله إلا إذا اتبعت النبي عليه الصلاة والسلام، ومن لوازم إتباع النبي أن تدعو إلى الله دعوة فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف، إن استمعت إلى تفسير آية، إلى توجيه حديث شريف، إلى حكم فقهي دقيق، إلى موقف في السيرة رائع، ينبغي أن تنقله إلى الآخرين، لأن دوائر الحق إن لم تتنامى تنامت دوائر الباطل وضيقت عليها، نحن حينما ندعو إلى الله نحافظ على وجودنا ولاسيما في هذه الأيام نكون أو لا نكون.
 أيها الأخوة الكرام:
 لكن قد يسأل سائل إتماماً للبحث الله جل جلاله ترك للنبي عليه الصلاة والسلام هامشاً اجتهادياً ضيقاً، سمح الله للنبي أن يجتهد، فإن أصاب في اجتهاده أقره الوحي على ذلك وإن لم يصب الوحي صحح له ذلك، لماذا ؟ ليكون فرق كبير بين مقام الألوهية المطلق ومقام البشرية الجسمي، لئلا يعبد النبي من دون الله، ترك للنبي عليه الصلاة والسلام هامش اجتهادي ضيق فإن أصاب النبي في اجتهاده سكت الوحي وكأنه أقره على اجتهاده، وإن لم يصب وقد يكون الدافع نبيلاً الله جل جلاله حجب عن النبي مرة الموقع المناسب في بدر، حجبه عنه وحياً وحجبه عنه إلهاماً، وحجبه عنه اجتهاداً، فجاء صحابي جليل يقطر أدباً قال يا رسول الله: اسمه الحباب بن المنذر قال يا رسول الله أهذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك قال لا، أم هو الرأي والمشورة قال له هو الرأي والمشورة، فقال للنبي الكريم والله يا رسول الله ليس بموقع، النبي علمنا كيف نصغي إلى النصيحة، علمنا كيف نعود إلى الحق، علمنا كيف نشجع من حولنا أن ينصحونا، قال له: جزاك الله خيراً، أين الموقع المناسب ؟ دله عليه فأمر أصحابه بالتحول إليه فضيلة تغيب عن معظم الناس، الرجوع إلى الحق لأن الله حجب عن نبيه صلى الله عليه وسلم الموقع المناسب اجتهاداً وحجبه عنه وحياً، وحجبه عنه إلهاماً، عاد إلى الموقع المناسب.
 أيها الأخوة الكرام:
 شيء دقيق هو أن الاستجابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام عين الاستجابة إلى الله الآن في مصطلح جديد اسمه الشفافية، أنت إذا وقفت أمام بللور من أعلى مستوى ونظيف جداً قد يختفي وجوده، قد تمشي دون أن تراه، فهذا البللور له شفافية عالية جداً يشف عما وراءه، أم البللور المحجر يريك نقشته، ويخفي عنك ما وراءه، فمقام النبوة مقام شفافية مطلق، أنت حينما تحب النبي محبتك للنبي عليه الصلاة والسلام عين محبتك لله، وأنت حينما تستجيب للنبي عليه الصلاة والسلام استجابتك للنبي عين استجابتك لله.

 

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

 

( سورة القصص الآية: 50 )

 أنت حينما ترضي النبي عليه الصلاة والسلام إرضاءك للنبي عين إرضاءك لله.

 

﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾

 

( سورة التوبة الآية: 62 )

 بضمير المفرد، بحسب السياق اللغوي والله ورسوله أحق أن يرضوهما، ولكن حينما جاءت الآية بضمير المفرد معنى ذلك أن إرضاء النبي عين إرضاء الله والاستجابة للنبي عين الاستجابة إلى الله، ومحبة النبي عين المحبة لله، لذلك قال بعض العلماء هناك حب في الله وحب مع الله، إنك تحب الله، من لوازم حبك لله حب رسول الله، من لوازم حبك لله حب المؤمنين، من لوازم حبك لله حب المساجد، من لوازم حبك لله حب القرآن الكريم، ومن يعمل مع هذا الكتاب الكريم هذا عين التوحيد أما إذا أحببت إنساناً بعيداً عن الله هذا عين الشرك النبي عليه الصلاة والسلام ما من شيء على الإطلاق ولو بدى صغيراً يقربنا إلى الله إلا أمرنا به وما من شيء مهما بدى صغيراً يبعدنا عن الله إلا نهانا عنه، هذا مقام النبوة، لكن حينما يضع بعض المسلمين جهلاً أو تجاهلاً النبي فوق مقام البشرية هم لا يعظمونه بل يعطلون القدوة به.
أيها الأخوة الكرام:
 النبي بشر وتجري عليه كل خصائص البشر لذلك هو سيد البشر بشر يحب ويكره ويخاف ويجوع قال:

((أوذيت في الله وما أوذي أحد مثلي وخفت في الله وما خاف أحد مثلي ومضى علي ثلاثون يوماً لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال ))

 لذلك أمرنا الله جل جلاله بطاعة النبي استقلالاً كيف ؟ قال:

 

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

 

( سورة النساء الآية: 59 )

 أنت حينما يقع تحت يدك حديث صحيح ينبغي أن تطيع النبي دون أن تسأل من أين جاء النبي بهذا الحكم، أبداً.

 

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

 

( سورة النساء الآية: 59 )

 أولي الأمر عند الإمام الشافعي العلماء والأمراء، طاعتهم تبعاً لطاعة رسول الله، لا يطاعون إلا إذا جاء أمرهم متوافق مع أمر رسول الله، أما النبي وحده لأن الله عصمه عن أن يخطئ في أقواله وفي أفعاله وفي إقراره وفي أحواله يطاع استقلال.

 

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾

 لكن أحد أصحابه عين النبي قائداً على سرية، كان أنصارياً وكان ذا دعابة فهذا الأنصاري بعد أن قطع مسافة عن المدينة أمر أصحابه أن يضرموا ناراً عظيمة، فأضرموها قال لهم اقتحموها، ألست أميركم ؟ أليست طاعتي طاعة رسول الله، الصحابة الكرام ترددوا بعضهم قال نقتحمها وبعضهم قال كيف نقتحمها وقد آمنا بالله فراراً منها، اختلفوا، لما عرضوا الأمر على النبي عليه الصلاة والسلام قال عليه الصلاة والسلام:

 

((والله لو اقتحمتموهما لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في معروف ))

 يعني النبي وحده يطاع بلا تردد، بلا مراجعة، يكفيك أن يصح الحديث فقط، إن صح الحديث ينبغي طاعة رسول الله، أما غير النبي لا يطاع إلا إذا جاء أمره متوافق مع أمر النبي، لذلك القاعدة الثابتة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
 أيها الأخوة:
 شيء آخر: ذكرته قبل أن آتي إليكم في كلمة أخرى الله جل جلاله ذات كاملة واجب الوجود، واحد كامل موجود، خلقه يدل عليه، الكون كله مظهر لأسماء الله الحسنى، وهناك قاعدة تقول: كمال الخلق يدل على كمال التصرف، فهل يعقل أن يدع الله عز وجل خلقه بلا إرشاد بلا رسل بلا أنبياء بلا كتب بلا توجيه، أب في قلبه بعض الرحمة لا يدع ابنه بدون توجيه إذاً إنزال الكتب وإرسال الأنبياء من لوازم كمال الله عز وجل، الله جل جلاله أرسل رسول هذا الرسول معه منهج، قد يقول أحدكم هذه البيانات الأرضية يعني 900مليون تقريباً بوذين فرضاً لماذا تنتشر هذه الديانات انتشاراً واسعاً السبب ما في منهج لأنه، يكفيك أن تعلن الولاء فقط ولاء، الولاء سهل جداً، العبادات طقوس لا معنى لها حركات وسكنات وتمتمات لا معنى لها يعني أظهر الولاء وافعل ما تشاء بينما منهج الأنبياء والرسل هناك منهج، افعل ولا تفعل، هذا المنهج يمنعك أن تعتدي على إنسان آخر، يمنعك أن تعتدي على ماله، يمنعك أن تعتدي على عرضه، لذلك هؤلاء الذين توسعوا في الشهوات وانغمسوا فيها ما ردوا فعلهم على بعثة الأنبياء ؟ التكذيب.

 

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً﴾

 

( سورة الرعد الآية: 43 )

 إذاً لا بد من أن يشهد الله لخلقه أن هذا الذي أرسله رسوله، يشهد له عن طريق المعجزات، فالمعجزات خرق للعادات، لكن خرق للعادات فيما تفوق الأقوام، فالذين تفوقوا بالطب كانت معجزة السيد المسيح إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، والذين كان تفوقهم في السحر كانت معجزة نبيهم أن العصا أصبحت ثعبان مبين، وهؤلاء الذين تفوقوا في البلاغة كانت معجزة نبيهم هذا القرآن الكريم، إذاً المعجزة شهادة الله إلى رسله أنه رسول، ولكن معجزات الأنبياء السابقين في مجملها معجزات حسية، كعود الثقاب تتألق مرة واحدة ثم تنطفئ وتصبح خبراً يصدقه من يصدق ويكذبه من يكذبه، إلا معجزة نبيا عليه الصلاة والسلام معجزة علمية إلى يوم الدين، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لحكمة بالغة بالغة أحجم عن تفسير الآيات العلمية في القرآن ما يزيد عن 1300آية كونية لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أي تفسير لها بينما آية البيوع جاء فيها 200حديث شريف، إحجام النبي عن تفسير الآيات الكونية لأنه لو فسرها تفسيراً مبسطاً يفهموا من حوله لأنكرنا عليه الآن، ولو فسرها تفسيراً عميقاً موسعاً لأنكر عليه أصحابه، تركت هذه الآيات مع التقدم العلمي فمثلاً:
معركة جرت بين الفرس والروم وقد ثبت تاريخاً أنها جرت في غور فلسطين قال تعالى:

 

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾

 

( سورة الروم الآيتان: 2 ـ 3 )

 بعد اكتشاف الأشعة الليزرية عرفنا أن غور فلسطين أعمق نقطة في الأرض، في آية ثانية:

 

﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ ﴾

 

( سورة الحج الآية: 27 )

 المعنى بعيد الآية:

 

﴿عَمِيقٍ (27)﴾

 لأنك إذا كنت على كرة وابتعدت عن أحد نقاطها يصبح الخط عميقاً في بعد ثالث.

 

 

﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ ﴾

 الله عز وجل يقول:

 

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

 

( سورة التين الآية: 4 )

 العصب الشمي ينتهي بعشرين مليون عصب، كل عصب له سبعة أهداب، حول هذه الأهداب مادة تغشي هذا الهدب مخاطية، هذه المادة المخاطية تتفاعل مع الرائحة التي هي شكل هندسي، تفاعل الهدب الذي يحاط بمادة مخاطية مع الرائحة يشكل شكلاً هندسياً، هذا يشحن إلى الدماغ يعرض على الذاكرة الشمية عشرة آلاف بند فحيثما توافق الشكلان عرفت أن هذه الرائحة رائحة ياسمين.

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

 

 لو أن إنسان رأى في بستان أفعى ما الذي يحصل ؟ صورة الأفعى تنطبق على شبكية العين إحساساً، ثم تنتقل إلى الدماغ إدراكاً، بالدماغ في مفهومات هذه المفهومات اكتسبها الإنسان من دراسته ومن مشاهداته ومن قصص سمعها، فيدرك أن هناك خطر، ما الذي يحصل الدماغ ملك الجهاز العصبي، والغدة النخامية التي لا تزيد عن نصف غرام ملكة الجهاز الهرموني، وبين الملك والملكة ضابط اتصال هو تحت السرير البصري، الملك يلتمس من الملكة أن تتصرف، الملكة عندها أجهزة أمن تعطي أمر للكظر غدة فوق الكلية أن يواجه هذه المشكلة، الكظر يرسل هرمون إلى القلب يرفع ضرباته، فالخائف تزداد ضربات قلبه، والكظر يرسل هرمون إلى الرئتين ليرفع وجيب الرئتين فالخائف يلهث، قلبه ينبض ورئتاه تلهثان والكظر يرسل هرمون ثالث إلى الأوعية المحيطة بالجلد تضيق لمعتها، فالخائف يصفر لونه لماذا يصفر لونه لأن أوعيته المحيطة ضاقت لمعتها، والكظر يرسل رسالة رابعة إلى الكبد ليطرح كمية سكر إضافية فلو فحصنا دم خائف لوجدنا نسب السكر عالية جداً والخائف يصبح دمه لزجاً، لئلا يسيل، إذا اشتبك مع خصم له، لذلك هذا كله يتم في ثواني معدودات.

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

 إنك إذا ذهبت إلى بلاد في شمال الأرض بلاد باردة جداً، قد تقل الحرارة عن سبعين درجة تحت الصفر، في فنلندا الحرارة 70 تحت الصفر، ماذا يفعل الإنسان هناك ؟ يرتدي الألبسة الصوفية والجوارب الصوفية، وطاقية من الصوف، وقفازات من الصوف، ويضع كل شيء من الصوف حوله لكن هل يستطيع أن يغطي عينه ؟ لا يستطيع ماء العين يلامس جواً حرارته 70 تحت الصفر يجب أن يتجمد ماء العين وأن يفقد الإنسان هناك بصره، الله جل جلاله جعل في ماء العين مادة مضادة للتجمد، لا يتجمد ماء العين، مهما كنت في جو بارد.

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

( سورة يونس الآية: 101 )

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

 دماغ الإنسان فيه أربعة عشر مليار خلية في قشرة الدماغ، تستند إلى مئة وأربعين مليار خلية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد ونحن في القرن الواحد والعشرين.
 أيها الأخوة:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

( سورة آل عمران الآيتان: 190 ـ 191 )

 التفكر في خلق السماوات والأرض أرقى عبادة، لأنك إذا عرفت الله تفانيت في طاعته، وإن لم تعرفه تفننت في التفلت من هذا الأمر المشكلة الآن أن المرحلة المكية التي عاشها النبي مع أصحابه مفقودة في حياتنا، في حياتنا المرحلة المدنية، مرحلة التشريع، أمر الله بين أيدينا ولكن لماذا لا يطيع معظم المسلمين قال تعالى:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

 وعد إلهي وزوال السماوات والأرض أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين إله عظيم يقول:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 أين التمكين ؟ والله لا تمكين، أين الاستخلاف ؟ والله لا استخلاف، أين التطمين ؟ والله لا تطمين، لأنه:

 

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

( سورة مريم الآية: 59 )

 ولقد لقي المسلمون ذلك الغي.

 

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

 أي دين وعد بتمكين لهم الدين الذي ارتضاه لهم، لا دين الاستعراض ولا دين الفلكلور ولا دين المظاهر ولا دين التعصب ولا دين التحزب، الدين الذي وعد أن يمكنه لهم هو الدين الذي يرتضيه هو دين الطاعة، دين المحبة دين الإقبال على الله.
 أيها الأخوة الكرام:
 شيء دقيق جداً هو أن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 33 )

 قال علماء التفسير: ما دام شخص النبي بين ظهراني أمته هم في مأمن من عذاب الله، لأنه في تطور التبليغ، كما لو أن طالباً في أثناء العام الدراسي ما في رسوب بعد الامتحان الرسوب، لكن بعد انتقال النبي إلى الملأ الأعلى ما معنى الآية ؟ قال علماء التفسير.

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾

 وسنتك يا محمد فيهم مطبقة، مطبقة في بيوتهم، مطبقة في أعمالهم، مطبقة في كسب أموالهم، مطبقة في إنفاق أموالهم، مطبقة في علاقاتهم بالمرأة، علاقة انضباط أم تفلت، مطبقة في أفراحهم، مطبقة في أحزانهم، مطبقة في حربهم، مطبقة في سلمهم، مطبقة في حلهم، في ترحالهم.

 

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

 هذا لب المحاضرة، نحن في محنة شديدة أسال الله سبحانه وتعالى أن يكون بعدها منحة، ونحن في شدة بالغة أسال الله سبحانه وتعالى أن يكون بعدها شدة إلى الله، كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، ما كان لله أن يسمح أن يقع في ملكه ما لا يريد فإذا وقع الذي وقع أراده لحكمة نعرفها أو لا نعرفها ولكنها موجودة.
 أيها الأخوة الكرام:
 أنتم في بحبوحة ما دمتم تطبقون منهج النبي، أما أن نكتفي بمديحه، أن نكتفي نمدحه ولذكر محمد تحي القلوب، أما أن نكتفي بمديحه دون أن نتبعه هذا لا يجيزي، أب عظيم عالم كبير، أخلاقياً كبير له ابن على نقيض منه، لو أمضى الابن كل حياته في مديح والده الأب حيث هو والابن حيث هو.
 هذه بعض النقاط المضيئة من ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإياكم ونحن في محنة أيها الأخوة بل محنتا خطيرة نكون أو لا نكون وقد سخر الله لهذه الأمة رجلين واحد مقيم في واشطن والثاني في تل أبيب، مهمتهم عند الله توحيد المسلمين، وتوحيد الفلسطينين، هذه الشدة من أجل أن نعود إلى الله، من أجل أن نعود إلى كتاب الله، على سنة رسول الله، من أجل أن يكون الإسلام في بيوت مطبق، لا يجدينا التباكي، لا يجدينا المديح، لا يجدينا أن إتباع النبي.

 

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

 بحبوحة ثانية.

 

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾