مختلفة- لبنان - المحاضرة : 25 - أزهر البقاع - المنهج العلمي في الدعوة إلى الله .

2002-09-29

 والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 هو الحقيقة أريد أن أجمل الكلام بعبارة واحدة يوجد أناس قالوا فلان قدير جداً صاحب الأسلوب السهل الممتنع واليوم نحن أمام داعية سهل وأسلوبه ممتنع على غيره، المولى عز وجل خلق هذا الأسلوب له وخلقه لهذا الأسلوب ولذلك كأني بهذا الأسلوب امتنعت العيون طوعاً لغيره وطوعاً له فقط كالفرس عند العرب تعرفون كانت إذا رحل فارسها ربما ألحقوه بها لأنه لا يعلوها إلا ذلك الفارس يمتطيها.
 محاضرنا من عشقته الآذان وطربت له القلوب إنه فضيلة الدكتور الشيح محمد راتب النابلسي، إن الله رتب له طواعيةً عندما تسمعها منه كأنك سمعتها لأول مرة ربما تقرأها غير مرة بغير كتاب حتى القرآن الكريم نقرأه ونقرأه ولكن عندما تسمعه من بعض من يحبون الكتاب تسمع صوتاً محبوباً لأن صاحبه محب.
 إذاً أثر المنهج العلمي في الدعوة إلى الله تعالى على الفرد والمجتمع والعنوان لا يأثر المتكلم هو إشارة للمتكلم وللمتكلم أن يختار من العناوين ما يشاء لأنه قديماً قالوا: للأديب قل له تكلم ولا تقل له بماذا يتكلم المنبر لك تفضل.
 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 فبادئ ذي بدء أشكر سماحة الشيخ الكريم مفتي البقاع على هذه الدعوة الكريمة وعلى إقامة هذه الندوة المهمة وأرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون عند حسن ظنكم جميعاً.
 أيها الإخوة الكرام:
 سيد الخلق وحبيب الحق قال الله عنه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (46)﴾

[ سورة الأحزاب ]

 وحينما يقول الله عز وجل:

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

 

[ سورة فصلت: الآية 33 ]

 أي ليس في بني البشر من هو أفضل عند الله ممن يدعو إلى الله ويؤكد مصداقية دعوته بعمله الصالح أعتقد أنه ما من شيء يتذبذب بين أن يكون أخطر عمل على الإطلاق فيقترب من صنعة الأنبياء وبين أن يكون أتفه عمل على الإطلاق فيصبح أداةً للتكسب كالدعوة إلى الله.
 الإمام الشافعي يقول: لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين.
 فبينما هي صنعة كصنعة الأنبياء إذا هي عمل لا يستأهل إلا ابتسامة سخر.
 أيها الإخوة الكرام:
 من دعا إلى الله بمضمون سطحي وبأسلوب غير تربوي وغير علمي في دعوته تناقضات وفي دعوته خرافات. من دعا إلى الله بمثل هذا الأسلوب وبأسلوب غير علمي وغير تربوي قال كبار العلماء لا يعد هذا المدعو عند الله مبلغاً ويقع إثم تفلته على من دعاه بمثل هذه الطريقة.
 أيها الإخوة الأحباب:
 هناك دعوة إلى الله خالصة وهناك دعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله، من خصائص الدعوة إلى الله الصادقة المخلصة الإتباع لا الابتداع، من خصائص الدعوة إلى الله الصادقة التعاون كما سمعتم في هذا اللقاء الطيب لا التنافس، من خصائص الدعوة إلى الله الاعتراف بفضل الآخرين لا الإنكار عليهم.
 لكن من خصائص الدعوة إلى الذات المغلفة بالدعوة إلى الله الابتداع، من أجل ان تقول أنا وحدي ولا أحد معي ينبغي أن تبتدع ومن خصائص الدعوة إلى الذات المغلفة بالدعوة إلى الله أن تتنافس لا أن تتعاون ومن خصائص الدعوة إلى الذات المغلفة بالدعوة أن تنكر ما عند الآخرين من فضل.
 أيها الإخوة الأحباب:
 الإنسان هو المخلوق الأول والمخلوق المكرم والمخلوق المكلف، مخلوق أول لأن الله جل جلاله يقول:

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 72]

 فكان مخلوقاً أولاً ولأنه قبل حمل الأمانة سخر له الكون بسماواته وأرضه تسخير تعريف وتكريم، فأي شيء في الكون يعرفك بالله وأي شيء في الكون ينفعك في دنياك لأن الله سبحانه وتعالى عطاء مطلق لهذا الإنسان.
 أيها الإخوة الأحباب:
 هذا الإنسان الذي قبل حمل الأمانة والأمانة نفسه التي بين جنبيه:

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

 

[ سورة الشمس ]

 الفلاح كل الفلاح والنجاح كل النجاح والفوز كل الفوز والتفوق كل التفوق أن تزكي نفسك، قال تعالى:

 

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 185]

 لأن الإنسان قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم.
 تصور إنسان قدم لك آلةً بالغة التعقيد عظيمة النفع قدمها لك هدية موقفك من هذا الإنسان الإعجاب باختراعه والامتنان من عطائه دقق في هذه الآية:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 147]

 أي أن علة وجودنا أن نعرفه وأن علة وجودنا أن نشكره كي نسعد بقربه في الدنيا والآخرة، إذاً هذه الآية أساسية جداً، هذا الكون مسخر تسخيرين تسخير تعريف وتسخير تكريم، موقفنا من التعريف الإيمان وموقفنا من التكريم الشكر والعرفان.
 إذاً لمجرد أن نؤمن وأن نشكر يتوقف العلاج الإلهي لأننا حققنا الهدف من وجودنا.
 شيء آخر أيها الإخوة:
 هذا الكون مبني على أنظمة دقيقة جداً في أول هذه الأنظمة نظام السببية فشاءت حكمة الله أن يخلق لكل شيء سبباً حتى يقودنا عقلنا إلى البحث عن المسبب الأول وهو الله إذاً نصل برفق وبلطف إلى معرفة الله، إذاً الكون مبني على نظام السببية ومبادئ عقلنا السببية نحن لا نفهم شيئاً من دون سبب.
 الكون مبني على نظام الغائية ومن مبادئ عقلنا نظام الغاية فأنت لا تفهم شيئاً من دون غاية والعقل لا يقبل التناقض أن شيئاً في مكان وليس في مكان في وقت واحد كذلك الكون ليس فيه تناقض، فمن رحمة الله بنا أن مبادئ عقلنا تتوافق مع أسس خلق الله عز وجل فالكون أحد مقومات التكليف والكون بسماواته وأرضه ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله والكون ينطق بأن للكون خالقاً ورباً ومسيراً.
 أيها الإخوة الأحباب:
 شيء آخر أودع الله فينا الشهوات كما تفضل الشيخ الجليل قبلي لنرقى بها مرتين، لنرقى بها صابرين وشاكرين إلى رب الأرض والسماوات، إن وقعت عينك على امرأة أجنبية فغضضت البصر عنها ترقى إلى الله صابراً وإن نظرت إلى من أبيحت لك ترقى إلى الله شاكراً، إن كسبت المال الحلال ترقى إلى الله شاكراً إن امتنعت عن مال حرام ترقى إلى الله صابراً.
 فهذه الشهوات محرك، محرك يقودنا إلى أهدافنا إذاً نرقى بها إلى الله صابرين وشاكرين، إنها سلم نرقى بها أو دركات نهوي بها الشهوات حيادية لأنك في الأصل مخير.
 إذاً أي حظ من حظوظ الدنيا وأية شهوة من شهوات الدنيا يمكن أن تكون سلماً إلى الآخرة أو دركات إلى النار ثم إن الله سبحانه وتعالى أعطانا فطرةً نكشف أخطاءنا ذاتياً، قال تعالى:

 

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

 

[ سورة الشمس ]

 تكشف أنك متقٍ ذاتياً وتكشف أنك منحرف ذاتياً هذا من نعمة الله الكبرى، قال تعالى:

 

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾

 

[ سورة القيامة ]

 إذاً أعطانا الكون وسخره لنا تسخير تعريف وتكريم، أعطانا العقل بمبادئه الثلاثة المتوافقة مع سنن الله في خلقه أعطانا الفطرة كي نكشف أخطاءنا أعطانا الشهوة كي نتحرك ونرقى بها إلى الجنة.
 أيها الإخوة الأحباب:
 شهوة الطعام والشراب للحفاظ على الذات وشهوة الجنس للحفاظ على النوع وشهوة الذكر للحفاظ على العمل الصالح، وكل هذه الشهوات ممكن أن تروى وفق منهج الله عز وجل.
 شيء آخر ثم إن الله أعطانا الاختيار لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة.
 جاء رجل إلى سيدنا عمر وقد شرب الخمر ليقام عليه الحد فقال والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك قال أقيموا عليه الحد مرتين مرةً لأنه شرب الخمرة ومرةً لأنه افترى على الله، قال ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار أعطاك الكون وأعطاك العقل وأعطاك الفطرة وأعطاك الشهوة ثم أعطاك الاختيار ثم أعطاك المنهج الإسلامي المنهج الشرعي كي تسير عليه فالحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع.
 أيها الإخوة الكرام:
 الآن هناك مقولات في الإسلام لا تعد ولا تحصى، لابد من منهج والحديث عن المنهج العلمي في الدعوة إلى الله، لابد من منهج اسمه منهج التلقي كيف أقبل هذه المقولة وكيف أرفضها ما الأسباب التي تدعوني إلى قبولها وما الأسباب التي تحملني على رفضها منهج التلقي أهم شيء في الدعوة إلى الله، منهج التلقي تماماً كمتر نظامي وأنت بائع أقمشة ومعك آلاف الأثواب وعلى كل ثوب بطاقة كتب عليها عدد أمتاره يا ترى هل هذه البطاقة صحيحة؟ هل هي مزورة ؟ هل الذي باعني هذا الثوب من هذا الثوب ولم يعدل هذه البطاقة ؟ وأنت معك متر هذا منهج التلقي أخطر شيء في الدعوة إلى الله، ينبغي كل داعية أن يعلم تلاميذه ما تأخذ وماذا تدع كيف تقبل هذه المقولة وكيف ترفضها، منهج التلقي أهم من مفردات العلم لأنك إن أطعمت إنساناً سمكاً أطعمته مرةً واحدة أما إذا علمته كيف يصطاد السمك أطعمته طوال حياته، أنت بمنهج التلقي تعلم طالب العلم كيف يقبل وكيف يرفض والحقيقة الدقيقة أنه لابد من أن نقبل بالدليل ولابد من أن نرفض بالدليل ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء إن كنت ناقلاً فالصحة مبتدعاً فالدليل.
 أيها الإخوة:
 العلم علاقة ثابتة بين متغيرين هذه العلاقة الثابتة قطعية يؤكدها الواقع عليها دليل، لو ألغينا الدليل لكانت هذه المقولة تقليداً ولا يقبل في العقيدة التقليد ولو أن العقيدة صحيحة، لو قبلنا التقليد في العقيدة لكانت كل الجهات المنحرفة مقبولةً عند الله ماذا فعلت ؟ اتبعت من قال لها كذا وكذا لو أن التقليد مقبول عند الله في العقيدة لكانت كل الجهات المنحرفة مقبولةً عند الله لقوله تعالى:

 

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 

[ سورة محمد: الآية 19]

 أيها الإخوة:
 نحن بحاجة ماسة إلى أن نتبع المنهج العلمي في الدعوة إلى الله، فنحن أمام نص قرآني قطعي الثبوت وأمام نص نبوي، بعض النصوص النبوية قطعية الثبوت وبعضها ظني الثبوت، وأمام نص سوى النص القرآني والنبوي أي إنسان على وجه الأرض يقع في الزمرة الثالثة، فمع النص القرآني لنا حركة واحدة أن نفهم المراد من هذا النص وفق علم الأصول ومع النص النبوي لنا نشاطان أن نتأكد من صحة النص ثم أن نفهمه بحسب علم الأصول ونستنبط الأحكام الشرعية، وأما مع النص الثالث أي إنسان على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة يقع في الزمرة الثالثة ينبغي أن نتأكد من نسبة النص إلى صاحبه فما أكثر الافتراء على بعض العلماء السابقين ثم ينبغي أن نتأكد من توافق مضمون النص مع كلام النبي عليه الصلاة والسلام وبعد ذلك نفهم هذا النص.
 إذاً المنهج العلمي مع القرآن فهم وفق علم الأصول، المنهج العلمي مع النص النبوي تحقق من صحة النص مع فهم النص وفق علم الأصول مع النص الثالث أولاً التأكد من صحة نسبة النص إلى صاحبه، مثلاً:
 يقول الإمام علي كرم الله وجهه ويغلب على ظنكم جميعاً أن هذا القول ما قاله: المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لابد منها.
 هذا النص لا أصل له فلا بد من التأكد من صحة نسب النص إلى صاحبه ثم التأكد من موافقة النص منهج النبي ثم نفهم النص. هذا هو المنهج فالعلم حكم بين متغيرين مقطوع بصحته، إن لم يكن مقطوعاً بصحته فهو الوهم، إن لم يكن مقطوعاً بصحته فهو الشك، إن لم يكن مقطوعاً بصحته فهو الظن، فالعلم لا شك فيه ولا وهم فيه ولا ظن فيه يقيني.
 الآن لو خلا من الدليل لكان تقليداً لو لم يطابق الواقع لكان جهلاً قد نظن أن الجاهل جعبته فارغة، الجاهل جعبته ممتلئة ولكنها مقولات ليست صحيحة فالجهل مخالفة الواقع والدليل أساس اليقين العقلي والقطع من صفات العلم.
 أيها الإخوة الكرام:
 شيء آخر وهذا شيء مهم جداً في الدعوة إلى الله، نحن عندنا دوائر ثلاثة دائرة المحسوسات أداة اليقين بها الحواس الخمس فقط ونحن وغير البشر سواء، دابة قد ترى حفرةً فتقف، دابة قد تغيب الشمس فتعود إلى مكانها، إذاً دائرة المحسوسات هذه أساس اليقين بها الحواس الخمس في دائرة المحسوسات الشيء ظهرت عينه وظهرت آثاره معاً فسبيل الإيمان به حواسنا الخمس وهذا ليس متعلقاً بموضوع هذه المحاضرة.
 لكن الشيء إذا غابت عينه وبقيت آثاره، دخلنا في دائرة المعقولات، دائرة المعقولات شيء غابت عينه وبقيت آثاره، الآن العقل يمكن أن يكون حكماً في معرفة هذا الشيء، الله عز وجل جل في علاه لا تدركه الأبصار لكن كل الكون ينطق بوجوده وينطق بوحدانيته وينطق بكماله إذاً دعينا للتفكر في خلق السماوات والأرض، التفكر من أرقى العبادات وهذه العبادة تكاد تكون معطلةً في هذا العصر مع أن في القرآن ألفاً وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، والتفكر في خلق السماوات والأرض من صفات المؤمن المستمرة، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 لو أن إنساناً ذهب إلى بلاد الشمال الباردة سبعين درجة تحت الصفر ماذا يفعل هناك ؟ يرتدي القبعة الصوفية يرتدي الألبسة الصوفية يرتدي القفازات الصوفية يرتدي الجوارب الصوفية يرتدي كل شيء هل يستطيع أن يغطي عينيه كيف يمشي في الطريق وفي عينه ماء والحرارة سبعين تحت الصفر واحتمال تجمد ماء العين مئة في المئة ؟ إذاً كل من يعيش هناك ينبغي أن يفقدوا أبصارهم، ما هو الشيء الذي يلفت النظر في خلق الله عز وجل ؟ أودع في ماء العين مادةً مضادةً للتجمد هذه من آيات الله الدالة على عظمته.
 أيها الإخوة:
 آية قد لا ننتبه إليها ترونها جميعاً في بيوتكم أن هذا الماء شأنه شأن أي عنصر على وجه الأرض إذا بردته انكمش لكن هذا العنصر يتميز أنه إذا وصل انكماشه إلى الدرجة الرابعة تنعكس الآية فيتمدد فإذا وضعت في الثلاجة قارورة وملأتها ماءً وأحكمت إغلاقها لابد من أن تنكسر لأن الماء بعد هذه الدرجة يتمدد ولولا هذا القانون المتعلق بالماء ما كنا في هذه القاعة ولا كانت حياة على وجه الأرض، شيء لا يصدق لأن كل هذه البحار لو أن الماء تجمد زادت كثافته كأي عنصر آخر يعني قل حجمه وزاد وزنه لرسى في قاع المحيطات بعد حين تصبح المحيطات كلها متجمدة ينعدم التبخر ينعدم المطر يموت النبات يموت الحيوان يموت الإنسان، ولكن الماء وحده حينما تبرده إلى درجة زائد أربعة يبدأ بالتمدد لتكون أعماق المحيطات ذات مياه دافئة وسائلة وسطحها فقط متجمد هذه آية أخرى من آيات الله الدالة على عظمته.
 أيها الإخوة الكرام:
 مبادئ العقل والعقل الذي أودعه الله فينا يمكن أن يعرف الله من خلال صنعته.
 الدائرة الثانية الدائرة العقلية الشيء الذي نبحث عنه غابت عينه بقيت آثاره لذلك أنا مؤمن أن في هذا البناء كهرباء لا أحد يرى الكهرباء لكن تكبير الصوت أثر من آثار الكهرباء تألق المصابيح أثر من آثار الكهرباء إذاً الدائرة الثانية الدائرة العقلية شيء غابت عينه بقيت آثاره.
 لكن العقل أيها الإخوة لا يمكن أن يكون حكماً على النص العقل له مهمة مع النقل، نحن أمام عقل ونقل أولاً لا يمكن أن يتناقض عقل ونقل لأن النقل وحي الله ولأن العقل مقياس أودعه الله فينا ولأن الفطرة مقياس آخر أودعه الله فينا ولأن الكون من خلق الله فإذا كان الكون من خلق الله والعقل مقياس أودعه الله فينا والفطرة أيضاً مقياس أودعه الله فينا والنقل هو وحي الله كلها من أصل واحد إذاً كلها متساوية هذه الحقيقة مقطوع بها وكأن الحق دائرة يخطها خط النقل الصحيح وخط العقل الصريح وخط الفطرة السليمة وخط الواقع الموضوعي.
 أنا ألح على أن أصف كل شيء بصفة واحدة النقل الصحيح لأن النقل غير الصحيح يتناقض مع العقل، والعقل الصريح لأن العقل التبريري يتناقض مع النقل، والفطرة السليمة لأن الفطرة المشوهة تتناقض مع النقل، والواقع الموضوعي لأن الواقع المزور يتناقض مع النقل، إذاً الحق دائرة يمر بها أربعة خطوط خط النقل الصحيح والواقع الموضوعي والفطرة السليمة والعقل الصريح.
 أيها الإخوة الكرام:
 دائرة المعقولات تبحث عن حقيقة غابت عينها وبقيت آثارها لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

((تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.))

 لأن العقل حصان تركبه إلى دار السلطان فإذا وصلت إلى باب السلطان أو قصر السلطان دخلت وحدك، الآيات التي تتحدث عن ذات الله وعن صفات الله هذه آيات لكن تفسيرها إلى الله ولا يستطيع عقلنا أن يحيط بالله عز وجل، كيف أن مركبتك أنت في البقاع تصل بها إلى بيروت إلى ساحل البحر لكنك لن تستطيع أن تخوض بها البحر، العقل مركبة توصلك إلى ساحل البحر لكن لن تستطيع أن تخوض به بالبحر، ذات الله عز وجل أخبرنا الله عن ذاته في القرآن الكريم الشيء الذي عجز عقلنا عن إداركه أخبرنا الله به، قال تعالى:

 

 

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾

 

[ سورة الطلاق: الآية 13]

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[ سورة الرعد: الآية 2]

 إذاً دائرة المعقولات تفكر في خلق السماوات والأرض بحسب الأمر الإلهي وممنوع أن تفكر في ذات الله لأنك إن فعلت هذا هلكت.
 الآن الدائرة الثالثة والتي تغيب عن معظم الناس الدائرة الإخبارية فالحقيقة التي غابت عينها وغابت آثارها لا يمكن أن تعرفها بعقلك لا يمكن أن تعرفها بعقلك تعرفها بالخبر الصحيح لذلك تأتي مرتبة هذه الدائرة بالمرتبة الثالثة إياك أن تحاور إنساناً ينكر الذات الإلهية في قضية إخبارية الطريق مسدود أمامك لن تستطيع أن تقنعه حينما قال الإمام الغزالي ما ناقشني جاهل إلا غلبني، إذا أردت أن تناقش جاهل في أمور إخبارية أخبرك الله بها لا يوجد دليل، الدليل الوحيد هو أن الله أخبرنا بها.
 لذلك أحياناً لقاء لا أنساه بين عالم من علماء دمشق وعالم أمريكي قد أسلم جاء الموضوع عن لحم الخنزير وأفاض هذا العالم المسلم عن الخنزير وعن مضار أكل لحم الخنزير وعن... قرابة ساعة فما كان من هذا العالم الأمريكي الذي أسلم لتوه إلا أن قال كان يكفيك يا أستاذ أن تقول لي أن الله حرمه.
 مرةً سألوا امرأة في مصر دكتورة في الجامعة عن رأيها في التعدد، أنا ما سمعت إجابةً أصولية كهذه الإجابة، قالت كيف أبدي رأيي في التعدد وقد سمح الله به.
 إذا ارتقى إيمانك ترى أن علة كل أمر أنه أمر من الله وهذا طريق رائع جداً ما دمت آمنت بالله خالقاً ومربياً ومسيراً موجوداً وواحداً وكاملاً وكل هذا الكون ينطق بكماله لمجرد أن الله أمرك بأمر فهو حق لذلك قال تعالى:

 

﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾

 

[ سورة القصص: الآية 68]

 أيها الإخوة الكرام:
 دائرة الإخبارية ذات الله أخبرنا الله عنها ولا نستطيع أن نضيف عليها شيئاً ولا أن نحذف منها شيئاً، الماضي السحيق أخبرنا الله عنه المستقبل البعيد أخبرنا الله عنه، الموضوعات الإخبارية أخطر شيء في الدعوة إلى الله أن تأتي بقضية متعلقة بالساحة الإخبارية إلى الساحة العقلية تدخل في متاهة لا تنتهي ولن تستطيع أن تأتي بالدليل.
 أنت بعد أن آمنت بالله عن طريق العقل وبعد أن آمنت بكتابه عن طريق العقل إعجازه أكبر دليل على أن كلام الله هو كلام الله إعجازه.
 قبل أن تكتشف أشعة الليزر لم يكن هناك من طريقة لقياس المسافات، الآن أشعة الليزر تقيس بعد الأرض عن القمر بالمليمترات، اكتشف أن غور فلسطين أدنى نقطة في الأرض اليابسة، و خليج مريانة في المحيط الهادي أعمق نقطة في البحر، قال تعالى:

 

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)﴾

 

[ سورة الروم ]

 و أدنى الأرض غور فلسطين لأنه تاريخياً المعركة جرت في غور فلسطين، فأحد أكبر الأدلة على أن هذا القرآن كلام الله إعجازه، فأنت بعقلك يمكن أن تؤمن بالله موجوداً و كاملاً و واحداً، و بعقلك يمكن أن تؤمن بكتابه من خلال إعجازه، و بعقلك يمكن أن تؤمن برسوله من خلال كتابه و انتهى دور العقل و جاء دور التلقي، دور التلقي هو الجانب الثالث و هو المسموعات أو الإخباريات، أي أنت عندك ميزان في بقالية، هذا الميزان غال جداً بالملايين ثمنه حساس دقيق أما مهمته هذه البقالية من خمس غرامات إلى خمسة كيلو فقط، إن أردت أن تزن به سيارتك فسرت فوقه حطمته، فهل يكون هذا الميزان غير جيد ؟ لا، أنت كلفته فوق طاقته، يجب أن تؤمن بأن العقل محدود في العالم المادي فإذا نقلته إلى عالم الغيب، الغيب المحض أعطاك نتائجاً مضحكة و لم يفلح.
 إخوتنا الكرام:
 العقل مرتبط بالواقع، هناك أقراص ليزرية فيها ألف كتاب، و أكثر الكتب عدة مجلدات، ألف كتاب بقرص ليزري واحد و يمكن أن تقرأ هذه الكتب كلها حرفاً حرفاً بعشر ثواني، لو أن إنساناً خرج من قبره قبل مئة عام هل يقبل هذه الحقيقة ؟ لا، لأنه عقله مرتبط بالواقع الذي له، لذلك لا يمكن أن يكون العقل حكماً، العقل و النقل، العقل مهمته التأكد من صحة النقل ثم فهم النقل أما أن يكون العقل حكماً على النقل مستحيل، النقل هو الأصل أما من المسلميات كما قال الإمام ابن قيم لا يمكن أن يتناقض العقل مع النقل.
 أيها الإخوة:
 نحن عندنا عدة قواعد في الدعوة، من هذه القواعد: معرفة الآمر قبل الأمر، أقول دائماً إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر و لم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، كل ما يجري في العالم الإسلامي بسبب ضعف بمعرفة الآمر لذلك لابد من التفنن في الخروج من أمر الله الذي هو ثقيل على معظم الناس.
 أيها الإخوة:
 القدوة قبل الدعوة، تفعل القدوة في المدعو ما لا يفعله ألف نص و ألف فرقة، و الأنبياء الذين غيروا وجه الأرض في سنوات قليلة لا بسبب النصوص التي ألقوها على الناس و لكن بسبب أنهم كانوا قدوة، إنني أعتقد أن مهمة الأنبياء مهمتان، مهمة التبليغ و مهمة القدوة و أرى أن مهمة القدوة أكبر بكثير من مهمة التبليغ، من لقطات السيرة النبي عليه الصلاة و السلام في معركة بدر قال هذا الكلام الموجز قال: لا تقتلوا عمي العباس، عمه العباس في مكة المكرمة، عمه العباس عينه في قريش، عمه العباس أسلم في مكة، عمه العباس يأتيه بكل أخبار قريش، عمه العباس عين النبي في قريش، لو أن النبي قال إن عمي قد أسلم لكشف أمره و انتهت مهمته، لو أن العباس لم يشارك في معركة بدر لكشف أمره و انتهت مهمته، لو أن النبي سكت لقتلوه، فقال النبي لا تقتلوا عمي العباس، أحد من كان مع رسول الله نظر قال: أحدنا يقتل أباه و أخاه و ينهانا عن قتل عمه، أي رأى شيئاً يخالف القدوة، ثم كشف الأمر، يقول ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يعفر الله لي سوء ظني برسول الله.
 فمهمة الأنبياء أنهم قمم في التطبيق، و الله الذي لا إله إلا هو عندي قصص أن هناك من تمثل السير الأخلاقية و لم ينطق بكلمة عن الإسلام و له تأثير يفوق حد كل المتكلمين، الآن أنا أدعو إلى دعوة صامتة، إلى دعوة أساسها مسلم متحرك، مسلم صادق، مسلم أمين، مسلم عفيف، عاملته فهو أمين، حدثك فهو صادق، استثيرت شهوته فهو عفيف.
 أيها الإخوة:
 لابد من معرفة الآمر قبل الأمر، ثم لابد من القدوة قبل الدعوة، ثم لابد من الإحسان قبل البيان، قبل أن تتفاصح كن محسناً، حل له مشكلته المادية، مشكلة العمل، مشكلة أولاده، الداعية حينما ينطلق من مهمة الإلقاء إلى مهمة التربية و الرعاية يكون له أثر لا يعلمه إلا الله، فالقدوة قبل الدعوة و الإحسان قبل البيان و الأصول قبل الفروع، قد تجد داعية المدعو بحاجة قصوى إلى عملية قلب فورية يجد أظافره طويلة فيهتم بقص أظافره، أين فقه الأولويات ؟ غاب عنه فقه الأولويات، فالأصول قبل الفروع و المضامين قبل العناوين، لا تعبأ بالعناوين اعبأ بالمضامين، و المبادئ لا الأشخاص، و التدرج لا الطفرة.
 أيها الإخوة الكرام:
 لعلي أطلت عليكم محور هذا المقال هناك ميزان و هناك وزن، الخطأ في الميزان لا يصحح، و الخطأ في الوزن لا يتكرر، إذا كان الخطأ في الميزان لا يصحح، إذا الميزان به زيادة مئة غرام لو وزنت به مليون مرة كل هذه الأوزان غير صحيحة، أما إذا كان صحيحاً و توهمت مرة أن الوزن كيليين و هو كيلواً واحداً هذا الخطأ لا يتكرر، فالخطأ في الوزن لا يتكرر بينما الخطأ في الميزان لا يصحح، و نحن بحاجة قصوى إلى دعاة إلى الله، و كثرتهم قلة فكيف إذا كانوا قلة ؟ نحن بحاجة ماسة إلى دعاة يتكاملون لا يتنافسون، ما من داعية إلا و الله تفضل عليه بخصيصة أكرمه الله بها، يوجد عندنا عالم بالشام شيخ بالشام، له كلمة تعجبني، الشيخ هو لكم باللغة الدارجة قال: أن كل داعية ألبسه الله ثوباً لا يستطيع أن يخلعه و لا يليق بغيره لأن الله يحب كل عباده و عباده شرائح و جعل لكل شريحة داعية يتفاهم معهم، يحسن مخاطبتهم، يؤثر فيهم، يحرك مشاعرهم، يرسخ قناعاتهم، فلذلك نحن بحاجة إلى دعاة كثر، يتعاونون لا يتنافسون، يقر بعضهم لبعض بالفضل لا يتراشقون التهم و الأضاليل.
 أيها الإخوة الأحباب:
 الداعية عمله جمالي إعلاني كيف أن الإعلانات ترونها ؟ يتفنن خبراء الإعلان بعرض البضاعة بأشكال رائعة، بتعليقات لطيفة، مرة رأيت إعلاناً في دمشق عن آلة ناسخة، الصورة فاكهة من شدة دقة الصورة ووضوحها يأتي الذي يعمل على هذه الطابعة يأتي ليأخذ قطعة من هذه الفاكهة ليأكلها، يتفنن خبراء الإعلان في عرض البضاعة، كل داعية ينبغي أن يكون عالماً لكن ما كل عالم هو داعية، العالم عمله مخبري بينما الداعية عمله إعلاني، فإذا جمع العلم مع الدعوة كان له أثر كبير في المجتمع، أرجو الله سبحانه و تعالى أن يوفقنا جميعاً لما فيه خير المسلمين، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
 لاشك وصلتم إلى أن.