موضوعات فقهية متفرقة - الدرس : 45 - الخطبة1.

1993-01-24

الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مقدمة مهمة:

 

أيها الإخوة المؤمنون... لازلنا في موضوعاتٍ أشعر أننا في أمسِّ الحاجة إليها، فما من بيتٍ إلا وفيه فتياتٌ في سنِّ الزواج، أو على وشك بلوغ سنِّ الزواج، ما من شابٍ إلا وهو يفكِّر في مخطوبته، ما من شابةٍ إلا وهي تفكِّر في من سيتقدَّم لخطبتها، ما من أمٍ إلا وتنتظر أن يخطب ابنتها شابٌ كفءٌ لها، ما من أبٍ إلا ويتمنَّى على الله عزَّ وجل أن يعينه على تزويج بناته من شبابٍ أطهارٍ مؤمنين.

بين الخُطبة والخِطبة:

موضوع الخِطبة: الخُطبة أن تلقي على الناس خُطْبَة، موضوع الخِطبة بكسر الخاء، أن تتقدَّم لخطبة فتاةٍ تظنُّ فيها الصلاح، فالحركات في اللغة دقيقة جداً، فرقٌ كبير بين مَنْصَب ومَنْصِب، الخُطبة شيء، والخِطبة شيءٌ آخر، البَر غير البُر غير البِر، البَر يعني اليابسة، والبُر هو القمح، والبِر هو الإحسان، وقَدَمَ غير قَدُمَ غير قَدِمَ، قدَم أي سبقه بقدمه، وقدُم أي أصبح قديماً، قَدِمَ أي حضر، وحَسَبَ غير حَسِبَ غير حَسُبَ، حسُبَ أي أصبح حسيباً، افتخر بحسبه أما حَسِبَ أي ظنَّ، أما حَسَبَ أي عدَّ، فاللغة العربية دقيقة جداً.

سبب اختيار موضوع الخطبة:

على كلٍ موضوع الدرس اليوم: الخِطْبَة، ولماذا اخترت هذا الموضوع ؟ لأن المسلمين في موضوع الخِطبة يرتكبون أخطاء لا تعدُّ ولا تُحصى، عند أكثر الناس لمجرَّد أن تقرأ الفاتحة يدخل عليهم الخاطب مِراراً، وانفرد بابنتهم تكراراً، ثم وقع الذي لا تُحْمَد عُقباه ، وولَّى الخاطب، ولم يعد، ووقعت الطامَّة الكُبرى، هذا خطأ الخطبة، من قال لك: إن قراءة الفاتحة عقد ؟ ليس عقداً، لذلك لأني وجدت أن هناك أخطاءً كثيرةً كثيرة، وخطيرةً خطيرة يقع فيها المسلمون إما لجهلٍ، أو لتسرُّعٍ، أو لضغطٍ ولا يدرون من أمر هذه الأغلاط شيئاً اخترتُ موضوع الخطبة.

أهمية الدعوة وتعليم الناس:

على كلٍ، مرَّة ذكرت لكم أن الإنسان إذا كان في صحراءٍ موحشةٍ مخيفةٍ، فيها وحوشٌ ضارية، فيها قَفْرٌ، فيها جفافٌ، فيها قلقٌ، فيها بردٌ لا يُحتمَل، فيها حرٌّ لا يُحتمل
هذه حياة الإنسان قبل أن يعرف الله كأنه في صحراء، قلقٌ على غلطٍ، على ارتباكٍ، على تمزُّقٍ على نفاقٍ، على حيرةٍ، على قهرٍ، على تملقٍ، على تشوّقٍ، لكنك إذا دعوته إلى الله فكأنك دعوت هذا الإنسان الشارد في الصحراء الذي يخاف أن يموت جوعاً أو عطشاً، أو أن يفترسه وحشٌ مفترس، إذا دعوته إلى الله فكأنك أدخلته بستاناً له حصنٌ حصين، وحرزٌ حريز.
فالدعوة إلى الله في الأعمِّ الأغلب تمر بمرحلتين: مرحلة التعريف بالله، فإذا عرفته، واستقمت على أمره، ودخلت في دائرة المؤمنين فالدعوة بعد هذه المرحلة تأخذ منحاً آخر، إن دعوت هذا الإنسان الضائع الشارد، المعذَّب الفقير، الجائع، الخائف القلق إلى هذه الواحة، بعد أن دخل الواحة دعوتك يجب أن تأخذ منحاً آخر، يجب أن تعرِّفه بمرافقها، وأماكنها، ومغانمها، وثمراتها، وجداولها، ومائها، إذاً: إذا تعرَّف الإنسان إلى الله، لا أقول أحاط..

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

( سورة البقرة: آية " 255 " )

لكن إذا تعرَّف إلى الله، أو إذا وصل إليه الآن تنشأ عنده حاجة ملحَّة أن يتعرَّف إلى أمره ونَهيه، من هنا يأتي الفقه بعد الإيمان بالله، من هنا جاءت المرحلة المدنية بعد المرحلة المكيّة، من هنا كانت آيات القرآن المكيَّة آياتٍ قصيرةً دالةً على الله، ومن هنا كان آيات القرآن المدنية آياتٍ طويلةً تشريعيَّة، فنحن إن شاء الله أجهد أن أختار لكم موضعاً نحن في أمسِّ الحاجة إليه .

اختيار الموضوع المناسب المصحوب بالحاجة:

إذا كنت ماشيًا في الطريق مثلاً، ورأيت محلا ضخمًا يبيع طعاماً لأسماك الزينة، ولا يوجد عندك حوض لأسماك الزينة، ولا تفكِّر في أن تشتري هذا الحوض، هذا المحل لا يعنيك، أما إذا كنت في أمسِّ الحاجة إلى الخبز، ورأيت فرناً فهذا شيءٌ آخر، فموضوعات الفقه قد تشتد الحاجة إليها، وقد تضعف الحاجة إليها، قد نعالج موضوعاً يهتم له كل الحاضرين، وقد نعالج موضوعاً يعني بعض الحاضرين، فأنا أحاول وبالله المستعان أن أختار لكم موضوعاً تشتدُّ الحاجة إليه، ويغطّي حاجة كل الحاضرين.

الإنسان بين عظمة تشريع الخالق وعجز قوانينه:

وجدت أن أخطاءً فاحشةً كبيرةً جداً تُرتَكب في موضوع الخِطبة، وقبل أن أمضي في أحكام الخِطبة وتعريفها، وملابساتها، وحكم رؤية المخطوبة، وحكم فسخ الخطبة، وحكم الهدايا التي تقدَّم إلى المخطوبة
قبل أن أمضي.. سمعت قبل يومين أن دولةً كُبرى انتُخِبَ رئيسها قبل أيام، قبل ثمانين يوماً، هذا في أثناء حملته الانتخابية وعد الناخبين أن يبيح لهم الإجهاض، والبارحة برَّ بوعده، وأصدر قانوناً بإباحة الإجهاض، أنا وقفت عند هذا الخبر وقلت: متى كان الإنسان مشرِّعاً ؟ من أجل أن يُنتَخب وعدهم بهذا القانون، ماذا يعني هذا القانون ؟ الإجهاض جريمة قتلٍ، الإجهاض إخفاء معالم جريمة الزنا، جريمة الزنا من مضاعفاتها الحمل، فإذا أبحنا الإجهاض فقد سترنا معالم هذه الجريمة، لم يعد هناك مشكلة، وأصبحت مخابر الدولة تعطي إخباراً للحاملات القاصرات الزانيات أنكِ حامل، وبإمكانك أن تجهضي.. فشيء خطير جداً أن يشرِّع الإنسان، أنا ما ضربت هذا المثل إلا لأبين لكم إن التشريع لله الواحد القهَّار.
إذا كان لديك آلة معقَّدة جداً، بربك لو عندك جهاز كمبيوتر وتعطَّل، أو اضطربت شاشته تذهب إلى من ؟ إلى جارك السمَّان ؟ مع أنه رجل طيّب جداً، أخلاقي، ومستقيم، وهو ملء السمع والبصر، صالح، يصلي في المسجد، هذا موضوع ثان، هل تذهب إليه ؟ أم تذهب إلى جارك بائع القِماش ؟ وهو رجل طيّب وطاهر، لا تذهب إلا إلى الشركة، ولا تسأل إلا الخبير، وأنت أيها الإنسان أعقد كائن على وجه الأرض، لا تعقيد عجز، بل تعقيد إبداع، أنت معقَّد، ليس معنى هذا أن في الخلق ضعفًا، بل لعِظَمِ هذا الإنسان..

ألاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ

قلت لكم مرَّة: الغدَّة النخاميّة هذه ملكة الغدد، هذه آمرةٌ على كل الغدد، سمّيت ملكة لأنها تأمر ؛ تأمر الدرقية، تأمر الكظر، تأمر الغدد الجنسيّة، تأمر الثديين، تأمر كل الغدد الصمَّاء، ولا يزيد وزنها عن نصف غرام، وهي مرتبطة بالجهاز العصبي بمئة وخمسين ألف عصب، وبعض مفرزاتها هرمون النمو، هذا الهرمون مؤلَّف من مئة وثمانية وثمانين حمض أميني.. وإخواننا طلاَّب الشهادة الثانويّة، الفرع العلمي، درسوا تركيب الحمض الأميني، من أعقد الجزيئات، ولازم يكون في الدم دائماً في عشرة ميكروغرامات من هذا الحمض الأميني، أو هذا الهرمون لئلا يتعملق الإنسان، أو يصبح قَزَمَاً، الإنسان معقَّد جداً، جسمه معقَّد، فيه دوافع نفسية، فيه اضطرابات نفسية، فيه صراعات، له جانب اجتماعي، جانب عقلاني، جانب بيولوجي، فالإنسان كائن معقَّد، تسأل من عن مشكلاته، وعن علاقاته ؟ قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾

( سورة فاطر )


في بعض البلاد العربية في شمال إفريقيا صدر قانون بأن كل رجلٍ يطلِّق امرأته تستحقُّ نصف ثروته فوراً، أحجم أصحاب الأعمال، وأصحاب المتاجر، وأصحاب المعامل عن الزواج، وعدلوا عنه إلى السِفاح، لأن المرأة غير الشرعية لا تطالبه بشيء إذا هجرها، أما إذا تزوَّج زواجاً شرعياً، وطلَّقها تستحقُّ نصف أملاكه، لذلك حدَّثني من أثق به من كان في تونس، أن الوالد يقدِّم لمخطوب ابنته شيكاً بمبلغٍ كبيرٍ كبير، فيما لو طالبناك بنصف أموالك، هو سند أمانة لكي يزوج ابنته.
في بلاد الصين ألزموا الناس أنه لا يجوز للأسرة إلا أن يكون لها ولدان فقط، لذلك كلَّما جاءت بنتٌ يخنقونها إلى أن يأتي الغلام، فيسجِّلونه في السجلات الرسميَّة، فوجئوا بأن بعض الأماكن الريفية ليس فيها إلا الذكور، فعندما يلعب، بالشرع ، ويشرِّع يخسر، فهنا أبيح الإجهاض، وهذا أمرٌ خطير جداً، في بلاد في شمال أوروبا أبيح اللِواط، هنا أُجبِر الإنسان على أن يكون له ولدٌ أو ولدان فقط، في شمال إفريقيا المطلِّق عليه أن يدفع نصف أمواله لمطلَّقته، إذاً أي لعبٍ بكلام الله عزَّ وجل، أو أي تعديلٍ فالأمر كبير جداً، فلذلك أنت إنسان يجب أن تسمع كلام الخبير، يجب أن تأتمر بأمر الخبير.

 

َخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ

نسأل الله جلَّ جلاله أن يهب كل الشباب الذين لم يتزوَّجوا زوجاتٍ طاهراتٍ مؤمنات، قال ربنا عزَّ وجل:

 

﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾

( سورة التحريم )

(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))

( مسند أحمد عبد الله بن عمرو بن العاص )

التي إذا نظرت إليها سرَّتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك وفي نفسها وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرَّتك.
فإخواننا الشباب الذين يقدمون على خِطبة فتياتٍ مؤمنات، أو أخواتنا المؤمنات اللواتي يتقدَّمنَ بعض الشباب لخطبتهن، أو أيها الآباء، أو أيتها الأمهات، الموضوع يمس الآباء والأمهات، والفتيات والشباب، موضوع الخِطبة، وما أكثر الأغلاط الفاحشة التي يرتكبها المسلمون في موضوع الخِطبة.

ما هي الخِطبةُ ؟ ومتى يسمى الرجل خاطبًا ؟

الخِطبة هي إظهار الرغبة في الزواج، الإعلان عن رغبتك في الزواج من امرأةٍ بعينها، والرغبة في الزواج، ولكن أنت لست بخاطب الآن، رغبتَ أن تتزوَّج، وكل إنسان يريد أن يتزوَّج في سن الزواج، لكن إذا رغبت أن تتزوَّج بامرأةٍ بعينها فأنت خاطب، وينبغي أن تُعْلِم المرأة، أو أن تعلِم وليّها، وقد يتمّ هذا الإعلان مباشرةً من الخاطب، أو بوساطة أهله .
تعريف الخطبة إذاً: إعلان رغبةٍ من قِبَلِ شابٍ بالزواج من امرأةٍ إعلاناً مباشراً، أو بالواسطة، ولكن إذا قال أحدهم: أنا خطبت بنت الملِك، والقضيَّة سهلة جداً، فلا توجد عقبات أبداً، فقط توجد عقبة صغيرة جداً، أنا وأمي وأبي موافقون، وبقيت عقبةٌ صغيرة، وهي أن توافق هي وأمها وأبوها.
أردت من هذا أن أذكِّركم أنه لا تسمَّى خِطبة إلا إذا وافق أهل الفتاة على خطبتك من ابنتهم، ليس كل إنسان بعث والدته إلى بيت يقول: أخي أنا خطبتُ من عندهم، هل أجابوكم بالقبول ؟ إن أجابوك فأنت خاطب، نحن لا نريد أن ندخِل موضوع أنه أنا خطبت فأنا خاطب ، في الشرع لا تتم الخطبة إلا بموافقة ولي الفتاة، الفتاة ووليِّها، إن وافقت الفتاة ووليها فهي توافق لأسباب، ووليها لأسباب، هي من حقِّها أن تُخَيَّر في اختيار الزوج، لعلَّه لا تسعد به، ولكن أباها موافقته لسببٍ آخر، هو أعلم بالرجال، أعلم ما في داخلتهم، أعلم بزيفهم أحياناً، أعلم بدجلهم، فهو يوافق لعلَّة، وهي توافق لعلَّة، إذاً إن وافقت المخطوبة أو أهلها فقد تمَّت الخطبة بينهما، وترتَّبت عليها أحكامها وآثارها الشرعية.

ما هي الخِطبةُ ؟ ومتى يسمى الرجل خاطبًا ؟

حكمة الخِطبة: أحياناً يشرب الإنسان كأسًا من شراب العرقسوس فلا يعجبه، ما الذي حصل ؟ ثمنها نصف ليرة، يقول لك: غير مركَّز، إنه خفيف، لكن في شراء سيَّارة فإنه يسأل أشخاصًا عديدين، يأخذها على التجريب، يريها إلى صوَّاج ليكشف عليها، هل هي جيدة ؟ أم مصلَّحة سابقاً ؟ يريها الميكانيكي، لأن السيارة غالية، الأمر أخطر من شرب كأس عصير مثلاً، فكلَّما كان الشيء تافهًا فإنه لا يحتاج إلى مقدِّمات، كلَّما صار الشيء غاليًا فإنه يحتاج إلى مقدِّمات كثيرة جداً.
أنا أعتقد أن أخطر حدثٍ في حياة الإنسان، ولا أبالغ هو زواجه، لأنه ألصق شيءٍ بحياته زوجته وعمله، فإذا وفِّق فيهما سَعِدَ في دنياه، وإن لم يوفَّق في زواجه ولا في عمله فقد شقي في الدنيا، فما دام الزواج خطيراً إلى هذا الحد، وما دامت خطبة المرأة وإعلان رغبتك بالزواج منها أمرًا يدخِلُها في عالمٍ آخر، فينبغي قبل أن تُقْدِم على الزواج أن تخطب، والخطبة مرحلةٌ إعداديةٌ الهدف منها نجاح الزواج.

التحذير من تقاليد الكفار في الخِطبة:

لكن أيها الإخوة الأكارم... أنا لا أدري كيف أن بعض المسلمين ينساقون في خطبة بناتهم كما يفعل الكُفَّار، يجب أن يتعرَّفوا على أخلاق بعضهم شهرًا، شهرين، وثلاثة، نزهات خارج البلد لكي يعرف أخلاقها، وتعرف أخلاقه، وفي أغلب الأحيان تنطفئ الرغبة من كليهما، ويذهب الخاطب ولا يعود، والأخطر من هذا أن يخلِّف حملاً، هذه أخطاء يقع فيها المسلمون، فلذلك خطبة أهل الكفر والفسوق والفجور يجب أن تبتعد بعداً كليّاً عن خطبة أهل الإيمان، خطبة أهل الإيمان تقويةٌ لهذا العَقْد العظيم، لهذا الميثاق الغليظ، إعدادٌ له.

أنواع الخِطبة:

إما أن تكون بإبداء الرغبة فيها صراحةً، كأن يقول الخاطب: أريد الزواج من فلانة، وإما أن تكون مفهومةً ضمناً بالتعريض، كأن يقول: والله أنا أبحث عن امرأةٍ صالحة، تسمع هذا الكلام امرأةٌ صالحة، هذا تعريض بالخطبة، وإما مباشرةً، إما تصريحاً أو تلميحاً، إما مباشرةً من قِبَلِك، أو عن طريق أهلك كلاهما مقبول.

مِن أحكام الخِطبة:

1 – الخِطبة ليست زواجا:

يا أيها الإخوة الأكارم... الخطبة ليست زواجاً، وليست عقد زواج، قراءة الفاتحة ليست زواجاً، وليست عقد زواج، الخطبة بالتعريف الدقيق: وَعْدٌ بالزواج، ليست زواجاً، ولا عقد زواج، لذلك لا يترتَّب عليها أي شيءٍ يباح بعد العقد إطلاقاً، لو أنك خطبت فلانة فأنت أجنبيٌّ عليها، وهي أجنبيّةٌ عليك، هذا حكم الشرع، في قانون الأحوال الشخصية السوري نُصَّ على ما يلي: الخطبة والوعد بالزواج، وقراءة الفاتحة، وقبض المهر، وقبول الهديَّة لا تكون زواجاً.

أحياناً شخص يدفع مبلغًا من المال، لو دفعت مليون ليرة فهذه ليست زوجتك، لا قبول هديَّة، ولا قبض مهر، ولا قراءة فاتحة، ولا وعد بالزواج، ولا الخطبة بمعناها المعروف، هذا كلُّه لا يسمى زواجاً ولا عقد زواج، ولا يترتَّب عليه أي شيء.

2 – تحريم الخِطبة على خطبة الأول:

عندنا شيء دقيق جداً، هذا الشيء هو أن العلماء استناداً إلى حديثٍ شريفٍ صحيح، وهو قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم:

(( لا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ))

( مسند أحمد: ابن عمر )

وما أكثر ما يفعل هذا المسلمون، من أين اشتريت هذه ؟ أنا عندي أرخص، الله يصلحك، لماذا لم تسألني ؟ هو ليس عنده أرخص، ولكن يريد أن يحرق قلب جاره، فنزل عن رأس ماله، هذا بيع الضرر، فالنبي الكريم نهانا أن نبيع على بيع إخواننا.

(( لا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ))

كان السلف الصالح يفتح أحدهم الدكان، ويأتي الرجل ليشتري، وإذا جاء الثاني فيقول له: لا يوجد عندي، اذهب إلى جاري، أنا استفتحت، هذا مجتمع المسلمين، مجتمع المسلمين مجتمع المؤاثرة، مجتمع الحُب، مجتمع التعاون، مجتمع الوفاء، لا يرضى البائع أن يبع مرَّتين حينما يفتح دكَّانه، باع شيئاً يقول للشاري الآخر: اذهب إلى جاري، أما النبي الكريم قال:

(( لا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ))

بلغه أن أخاه خطب فلانة، فبادر سريعاً إلى خطبتها، هذا محرَّم، إذا بلغك أن أخاك المؤمن، أو أن رجلاً خطب فتاةً فلا ينبغي أن تتقدَّم لخطبتها على خطبته، إلى أن ينجلي الأمر ، فإذا انسحب من الخِطبة، أو إذا رفضوه، أو إذا أذن لك جاز، فإما أن ينسحب هذا الخاطب، وإما أن يُرْفَضَ طلبه، وإما أن يأذن لك، أما أن تخطب على خطبة أخيك فهذا محرَّمٌ شرعاً، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب.
أنا أعرف أسرة تقدَّم لخطبة فتاتهم شابٌ يحمل شهادة في الهندسة، ويعمل في بلد عربي ثري، وهذا الشاب ملء السمع والبصر، أخلاقه عالية، ناشئ، ودخله جيد، بعد أن تقدَّم لخطبة ابنتهم، وعُقِد العقد الشرعي، وعاد إلى مكان عمله ليهيِّئ نفسه لجلبها إلى بلده، تقدَّم رجل ثري لخطبة هذه المرأة المتزوِّجة، أسرة مسلمة، فلمَّا رأوا هذا ثرياً فضَّلوه على الخاطب الأول، فأوحوا إلى ابنتهم أن إذا اتصل هاتفياً فلا تجيبيه، إن أرسل رسالة فلا تجيبيه، بعد حين، بعد قلق شديد، بعد إرسال رسائل عديدة، بعد اتصالات هاتفية كثيرة أُرْسِلَت للزوج رسالة: أننا عدلنا عن هذا الزواج، فطلِّق، فاضطر أن يطلِّق تحت الأمر الراهن، تقدَّم هذا الثري لخطبة ابنتهم، وخطبها، وعُقِدَ القِران، وتزوَّجها، وبعد حينٍ طَلَّقها، شاءت حكمة الله أن تُطَلَّق، وتزوجها رجلٌ ثالث وطلَّقها، وهي الآن مُطَلَّقة، هذه أصعب، الشرع نهى أن يخطب أحدكم على خطبة أخيه، فكيف وهي متزوِّجة، وفي أول عهدها بالزواج، وقبل أن يدخل بها يُفسخ هذا الزواج لتأخذ هذه الفتاة ذاك الثري ؟! إذا الله عزَّ وجل يعاقب، وعقابه شديد، هذه أفعاله التكوينيَّة.

الحكمة من تحريم الخطبة على خطبة الأخ:

طبعاً لماذا حرَّم الشرع أن تخطب على خطبة أخيك ؟ لأن في هذا إيذاءً لأخيك، فهذا الشاب مثقَّف ورجل طيّب لا بأس، دخله جيد، جاء شاب آخر يملك أموالا طائلة، فلمَّا خطب شوَّش على أخيه، وضعَّف مركز أخيه، وآذى أخاه، الشرع حرَّم ذلك.
لكن كما قلت لكم: إذا تقدَّم إنسان لخطبة فتاةٍ، ولم يأخذ الجواب، لم يوافق أهلها على هذا الجواب، ما أعطوه الضوء الأخضر، هذه الخطبة لم تتم بعد، لكن العلماء يفضِّلون أنه إذا خطب خاطبٌ فتاةً أن لا تتقدَّم لخطبتها إلى أن ينتهي الموضوع، إلى أن ينجلي الموضوع، إما بانسحاب الخاطب، أو برفض الفتاة وأهلها، أو بإذن الخاطب، الأدب الإسلامي يقتضي ذلك ، إلى أن تنتهي فترة التردد، والمفاوضات، والمشاورات التي تحدث عادةً حفاظاً على صلة المودَّة والمحبَّة بين الناس.

3 – ما كلأّ امرأةٍ تُخطب:

ما كل امرأةٍ تُخطَب، فإذا تزوج الرجل امرأةً سيئة، وأنجب منها أولاداً عاقِّين، فلمَّا اشتكى الأبُ إلى سيدنا عمر، اشتكى عقوق ولده، جاء ولده، وبيَّن لسيدنا عمر وضع أبيه، فقال له عمر رضي الله عنه:

((لقد عققت ولدك قبل أن يعقَّك حينما اخترت له أماً سيئة))

لذلك أول حقوق أولادك عليك، قبل أن تنجبهم، ابنك أيها الأخ الذي لم يُنجَب بعد، ابنك الذي في وهمك، في مخيّلتك له حقٌّ عليك، وهو أن تُحْسِنَ اختيار أمه، الولد ينبغي أن يفتخر بأمه، أن يفتخر بدينها، أن يفتخر بتربيتها، أن يفتخر ببيت أهلها، أي جده، بيت علم، بيت فضل، بيت كرم، بيت أصيل، بيت نسب، فمن حقوق أولادك عليك أن تحسن اختيار أمهم.

4 – تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ:

قال عليه الصلاة والسلام:

(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )).

( من صحيح البخاري عن أبي هريرة )

المرأة الغنية تحل مشكلة الزوج، لا يوجد عنده بيت، دبرنا حالنا، أحياناً إذا شعرت امرأته أنه خطبها لبيتها تملأ أذنه طوال الحياة منةً عليه، تذكره، هذا بيتي، انتبه، أنت ليس لك فيه شيء، يمكن أن تنشأ متاعب كثيرة جداً إذا تزوجت امرأةً لمالها، بعض الأحاديث التي رويت عن رسول ال له:

(( من تزوج المرأة لمالها أفقره الله ))

[ ورد في الأثر ]

يتكئ على مالها، ولا يتوكَّل على الله، فيفقد كرامته، ويفقد سعادته.

(( من تزوج المرأة لمالها أفقره الله )).

ومن تزوجها لجمالها، السادة الشافعية يكرهون الزواج من امرأةٍ فائقة الجمال، متعبة جداً، أغلب الظن أنها متكبرة، وأغلب الظن أن هناك من يحوم حولها كثيراً، السادة الشافعية كرهوا الزواج من امرأةٍ فائقة الجمال، وسبحان الله ! كأن المجموع ثابت، فإذا زاد الجمال نقص العقل أحياناً، هناك تناسب، فالوسط أفضل شيء.
لمالها ولحسبها: أحياناً ترغب بها لا لجمالها ولا لمالها، ولكن لأنها بنت فلان، فلان إنسان أنت تحبه، وهو يحبك، من أهل الفضل والعلم.
اسمع نصيحة رسول الله قال:

(( فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

( من صحيح البخاري عن أبي هريرة )

إن لم تفعل فما نلت شيئاً، ما نلت إلا التراب، تربت يداك، أي ما قبضت إلا على التراب الذي لا قيمة له، لأن الحسب تصم أذنيك طوال الحياة: أن أنا أبي فلان، أبي فلان ، أنت من أبوك ؟ هذا الشيء يقع إذا تزوج الإنسان امرأةً أعلى منه نسباً، لا تحتمل، وإذا تزوجها لمالها أيضاً أذلته أحياناً، وإن تزوجها لجمالها حامت حولها الشبهات، وتكبَّرت عليه، أما لدينها فأنت نفذت وصية رسول الله، النبي الكريم نهى صراحةً عن زوج المرأة لغير دينها، قال:

(( لا تنكحوا النساء لحسنهن ))

[ ورد في الأثر ]

طبعاً الحسن مطلوب، لكن أن يكون الحسن فقط فلا، إذا نُهينا عن الزواج لحسنهن حتى تكونوا في الصورة، النهي عن الزواج لحسنهن فقط، أي أنه تساهل بأشياء كثيرة من أجل الحسن فقط.

(( لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعله يرديهن ))

لعل هذا الحسن يردي المرأة ويردي معها زوجها.

(( ولا لمالهن فلعله يطغيهن ))

تطغى المرأة.

(( وانكحوهن للدين، ولأمةٌ سوداء خرقاء ذات دينٍ أفضل ))

هذه وصية الله عزَّ وجل:

﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾

( سورة البقرة: آية " 221 " )

5 - اختيار الدين في الزواج والتزويج:

أحياناً يقرأ الإنسان القرآن، ويقول: صدق الله العظيم، مرة شخص في الطريق له محل تجاري، وأنا أمشي بالطريق خرج من دكانه، واستوقفني، قال لي: يا أستاذ، خطب ابنتي شاب غني جداً، وأحواله المادية ممتازة، وعنده بيت، ومعمل وسيارة، ولكنه لا يصلي، يا أستاذ، ولا يوجد عنده دين أبداً، فماذا أفعل ؟ قلت له: قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾

قال لي: هذا صحيح، ولكن الأمر صعب، ابنتي رغبتْ فيه، بعد ذلك تزوجها هذا الشاب، فخطر في بالي خاطر ؛ أن إذا الإنسان قرأ القرآن، وقال: صدق الله العظيم، الذي يزوج ابنته لإنسان فاسق، ولكنه غني هذا لم يقل: صدق الله العظيم، لم يصدق الله عزَّ وجل، وهذا الرجل طلَّقها بعد حين، لحكمةٍ عجيبة إذا بني الزواج على معصية الله يتولى الشيطان التفريق بين الزوجين، وإذا بني الزواج على طاعة الله يبارك الله في هذا الزواج، بارك الله لها فيه، وبارك الله له فيها.
أسمع أحياناً أزواجًا متقدمين في السن يقول أحدهم: والله عشت معها خمسين سنة، الله يرضى عليها، لم أغضب منها يومًا.
مرة عزّينا صديقًا لنا توفيت والدته بأحد أحياء دمشق، والده عمره ثمانون سنة الله وأمه توفيت في السبعين، لفت نظرنا بكاء الزوج، زوج في الثمانين يبكي بكاءً مراً في وقت التعزية، فنحن بقينا إلى آخر التعزية، خففنا عنه بعض الشيء، قال: والله يا عشت معها عدد أربعين سنة، ما نمت يومًا غضبان منها، الآن يقول لك الزوج: لم أنم يومًا مرتاحًا.

خطب رجل امرأة، وأراد أن ينصحها فقال: " إن في خلقي سوءًا "، قالت: " إن أسوء خلقاً منك من حاجك لسوء الخلق "، المرأة السيئة من أي مكان يتألَّم زوجها ؟ الذي يغضبه تفعله هي ؛ تأخير الأكل مثلاً، إهمال الأولاد، أي شيءٍ يزعجه تفعله، ولا تبالي، هذه امرأة سوء.
الحديث الآخر: سئل النبي: " يا رسول الله أي النساء خير ؟ " قال:

(( الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ... )).

( مسند أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ )

تعتني بهندامها، الشيء الغريب أن النساء في آخر الزمان هي لكل رجل إلا لزوجها ؛ زينتها، صوتها الناعم، لطافتها، أما في بيتها فتجدها تصرخ بأعلى صوتها، نعومتها لغير زوجها، أناقتها بالاستقبالات، كل شيء فيها محبوب لغير زوجها، هذه امرأة سيِّئة، أنا أعرف أن نساء السلف الصالح كانت المرأة لا تجرؤ على أن ترتدي ثوباً لم يره زوجها أول الناظرين، هو آخر من ينظر للثوب، قيل يا رسول الله: أي النساء خير؟ قال:

(( الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ))

( مسند أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ )

النظر مطلقة، لم يقل النبي: إذا نظر إليها، معناها إن نظر إلى أي شيءٍ في البيت تسره، إن نظر إلى أولاده تسره، مرتبين، نظيفين، إن نظر إلى الغرف تسره، الغرف نظيفة ومرتبة، يسر منها إذا نظر إلى أي شيء.

مقومات المرأة المخطوبة:

نحن لا نزال في مقومات المرأة المخطوبة، وقد لخّص العلماء هذه المقومات في ثمانية شروط، هذا الكلام لإخواننا الشباب:

1 – الدِّين:

أن تكون المرأة دينةً: بنص الحديث السابق.

((... فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

( من سنن الترمذي عن جابر )

ذكروا أن سلطانًا جاء إلى الشام، ولم يضرب الوالي المدافع، فأمر بإعدامه، من حلاوة الروح قال له: اسألني ما هو السبب يا سيدي ؟ قال له: ما السبب ؟ قال له: هناك سبعة عشر سبباً، قال له: ما هي ؟ قال له: لا يوجد بارود، قال له: لا تكمل، فهم الموضوع..

(( فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ.. ))

هناك ميزات أخرى، لها بيت، يكون عندها قصر، أبوها فلان، من كان أبوها يكون..

(( فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

إذاً أول شرط أن تكون دينةً، انظر كله بالدليل، للحديث السابق:

(( فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ ))

2 – أن تكون وَلودا:

أن تكون ولوداً لحديث رسول الله:

(( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ ))

( من سنن أبي داود عن معقل بن يسار)

النبي الكريم اللهم صلّ عليه أعطاك مقياسين للزوجة التي تسعد زوجها منها:
أن تكون ولوداً ودوداً، إذا كانت أرملة فتعرف بأن لها أولادًا، تنجب، وإذا كانت بكر فهذه الأسرة ليس فيها عُقْم بغلبة الظن، قال:

(( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ ))

الشرط الثاني أن تكون ولودًا، لأن الطفل يجمع ويقوي العلاقة، والطفل يدخل البهجة في البيت.

3 – أن تكون بِكرًا:

وأن تكون بكراً، هذا ليس شرطاً، لأن البكر مفضلة، لأن هذه المتزوجة سابقاً كلما عملت شيئًا تقول لك: المرحوم لم يكن يفعل ذلك، المرحوم لم يكن هكذا، المرحوم لم يكن هكذا، تهلكه بالمرحوم، أن تكون بكراً لقوله صلى الله عليه وسلم:

(( فهلاَّ بكراً ))

4 – أن تكون مِن بيت معروف بالدين والقناعة:

وأن تكون من بيتٍ معروفٍ بالدين والقناعة، لأنها مظنة دينها وقناعتها، نحن نريد المنبت.

﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾

( سورة آل عمران: آية " 37 " )

من شابه أباه فما ظلم، والبنت إذا شابهت أمها ما ظلمت، فالأم مهمة جداً في تربية البنات.

5– أن تكون مِن بيت حسب ونسب:

وأن تكون حسيبةً، وهي النسيبة، أي طيبة الأصل، يعبر عنها العوام بقولهم: ابنة عائلة، لها أهل، لها جدّ راقٍ، جدها وأبوها وعمها لا يسمحون بالغلط، لو أنها انحرفت يقيمون قيامتها، أسرة فيها تربية، فيها أخلاق، فيها مبادئ، الزوج مقدَّس، حقوقه واضحة، الحكم هو القرآن الكريم، يقبلون بالحق.
والله مرة قال لي شخص: اشتكيت إلى أخي زوجتي عن أخته قال له: طلَّقها أحسن لك، استنصحه، هذه ليست أسرة راقية، أن تكون حسيبةً، وهي النسيبة، أي طيبة الأصل ليكون ولدها نجيباً.

6 – أن تكون على شيء من الجمال:

وأن تكون على جانبٍ يرضيه، أن يكون شكلها يرضيه، لأنه أسكن لنفسه، وأغض لبصره، اخطب امرأةً ترتاح لك نفسك، وتغض بها بصرك، لأنها إن كانت كذلك فهي أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأكمل لمودته، هل عندنا هنا دليل ؟ ليس عندنا شيء من دون دليل، هذا موضوع شرعي، على أن الإنسان إذا خطب امرأةً ينبغي أن يخطبها لتحفظه، لتجعله يغض بصره عن غيرها، لتكون أسكن لنفسه، والدليل:

(( إن نظرت إليها سرتك )).

7 – أن تكون أجنبية غير ذي قرابة قريبة:

وأن تكون أجنبيةً غير ذات قرابةٍ قريبة.
قلت لكم مرة: عقد أسبوع العلم في دمشق قبل عشر سنوات، وجيء بأربعة عشر عالماً من بلادٍ بعيدةٍ متفوقةٍ في الطب، من بعض الموضوعات التي عولجت موضوع تحسين النسل، فجاء هؤلاء المحاضرون، وألقوا محاضراتهم العميقة والدقيقة، وآخر بحوثهم العلمية، وقام عميد مجمع اللغة العربية، وقد توفي ـ رحمه الله ـ قام بعد كل هذه المحاضرات، وقال: كل هذه المحاضرات لخَّصها نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال:

(( اغتربوا لا تضووا )).

[ ورد في الأثر ]

من صفات المرأة المخطوبة أن تكون أجنبيةٍ غير ذات قرابةٍ قريبة، لا تكون قرابة قريبة، لأن ولدها يكون أنجب، لأن إذا في قرابة يزداد الضعف، أما إذا في التباعُد فتغلب القوة الضعف، هذا موضوع المورِّثات:

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

( سورة الإنسان )

مثلاً: في مورثات البويضة ضعف بالكبد، بالمورثات المني في قوة بالكبد، القوة تغلب الضعف، يأتي الطفل قوي، أما إذا في القرابة فهنا المورث ضعيف بالكبد، وهنا ضعيف بالكبد، ضعف مع ضعف، هذا شيء كشفه الآن العلم، فكلما كان هناك تباعد كان الطفل أكثر نجابةً، وقيل: إن الغرائب أنجب، وبنات العم أَصْبَر، بنت عمه تعرف كل البيت، لا تتفاجأ، القريبة لها ميزة، أصبر على أزواجه، البعيدة أنجب، والقريبة أصبر، النبي يقول:

((لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاوياً )).

[ ورد في الأثر ]

أي ضعيفاً.

8 – الاكتفاء بواحدة إن حصل الإعفاف:

آخر شرط أن لا يزيد على واحدة إن حصل الإعفاف بها، لما فيه من التعرُّض للحرام، قال تعالى:

﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾

( سورة النساء: آية " 129 " )
وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ )).

( من سنن أبي داود عن أبي هريرة )
إذاً أن تكون دينةً، أن تكون ولوداً، أن تكون بكراً، أن تكون من بيتٍ معروفٍ بالدين والقناعة، أن تكون حسيبةً، أن تعينه على غض بصره، أي أن تروق له.
ألم نقل لكم عن شخص اشترط ثلاثين شرطا، وبعث والدته، دارت سنة، ولم تجد له امرأة وفق شروطه، الشروط كلها تعجيزية، تخلى عن شرط، دورة ثانية تخلى عن شرط، بعد ذلك أصبح على شرط واحد، أن تقبل به امرأةٌ، هذا الشرط بقي عليه.

 

 

من تباح خطبتها ؟

 

الآن من تباح خطبتها ؟

1 – ألاّ تكون من المحارم:

ألا يحرم بها الزواج شرعاً، من المحارم ؛ الأخت، والعمة، والخالة، هذا تحريم مؤبَّد، أخت الزوجة تحريم مؤقَّت، زوجة الغير تحريم موقَّت، ألا يكون الزواج بها محرماً على التأبيد أو على التوقيت، هذه امرأةٌ لا ينبغي أن تخطب.

2 – ألاّ تكون معتدة:

خطبة المعتدَّة، من حالات التحريم الموقَّت، إذا خطبت امرأةً في عدتها فهذا حرام، لماذا ؟ من يجيب عن هذا السؤال ؟ إنسان طلَّق امرأة طلاقاً رجعياً فدخلت في العدة ثلاثة قروء، في هذه الفترة لا يجوز أن تخطبها، لماذا ؟ لأن من حق زوجها أن يسترجعها بكلمة، فخطبتها عدوانٌ على الزوج، إذاً لا يجوز خطبة امرأةٍ معتدةٍ من زواجٍ سابق، هذا التحريم باتفاق الفقهاء، أما إذا كانت العدة بسبب وفاة الزوج فيمكن التعرض بالخطبة، التعريض، زوجها توفي لم يبق في هناك عداون، يمكن أن تبعث خبرا أنني رغبتُ بفلانة، أو أن يبعث الله لي زوج صالحا مثلي، يجوز، هذا تعريض، وهي تطمئن، وتنتظر العدة، أما إذا كانت العدة سببها الطلاق، الآن إذا كان الطلاق رجعيا فلا يجوز أبداً، إذا كان بينونة صغرى أيضاً لا يجوز، لأن الزوج في البينونة الصغرى يحق له أن يعقد عقده عليها بمهر وعقد جديدين، أما في البينونة الكبرى، طلقها ثلاثاً، فبانت عنه بينونةً كبرى، فلايجوز أن يخطبها لا تعريضاً ولا تصريحاً إلا أن تنتهي عدتها.

حكم العقد على المعتدة:

هناك في حكم شرعي دقيق جداً، إذا عقد على معتدة الزواج في العدة، ودخل الزوج بها، فُسِخَ الزواج بالاتفاق، وحرِّمت عليه تأبيداً عقوبةً له، هناك قاعدة فقهية: ( من تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه )، إذا خطب الإنسان امرأة في عدتها ودخل بها يفسخ القاضي هذا العقد، وتحرم عليه تأبيداً عقاباً له، كما لو قتل وارثٌ مورِّثه يحرم من الإرث عقاباً له، لأنه: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه
الشرط الثاني: أن لا تكون المخطوبة مخطوبةً سابقاً لخاطبٍ آخر، تكلمنا عنها.
إذاً الشروط: الدين، الولود، البكر.. البكر شرط محسن، لكن الثيِّب تتزوج يفضل.. من بيت معروف بالدين والقناعة، أن تكون حسيبة، أن تكون تعف زوجها، أن تكون أجنبية غير ذات قرابة قريبة، ألا يزيد على واحدة إذا حصل الإعفاف بها، ويحرَّم خطبة من يحرم الزواج منها تأبيداً أو توقيتاً، ويحرَّم خطبة المعتدة بطلاقٍ رجعيٍ أو بائنٍ بينونةً صغرى وأما الكبرى فيجوز أن تخطبها تعريضاً لا تصريحاً، أما إذا كان العدة بسبب وفاة الزوج أيضاً يجوز تعريضاً، وأن لا تكون مخطوبةً لخاطبٍ سابق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم.
عندنا موضوعات في الدرس القادم إن شاء الله تعالى: رؤية المخطوبة، الآن أكثر الأسر تظهر المخطوبة أمام خطيبها بأبهى زينةٍ.
بقي علينا موضوع ما يباح النظر إليه عند النظر، تحريم الخلوة بالمخطوبة، وقت الرؤية وشروطها، العدول عن الخِطبة وأثره، حكم فسخ الخطبة، حكم هدايا الخطبة، التعويض عن الضرر، هذه كلها موضوعاتٌ إن شاء الله تعالى نأخذها في درس قادم.
هذا الموضوع كما قلت يحتاجه الشباب والفتيات والآباء والأمهات، وهذا هو الشرع، ولا تقبل شيئاً من دون دليل، ولا تقبل شيئاً من دون دليل، لا تقبل لا تحريم ولا تحليل إلا بالدليل، إن كان مباحا فلحديث رسول الله، وإن كان محرَّما فكذلك.