مختلفة- لبنان - المحاضرة : 47 - صيدا - الدعوة إلى الله - أهمية التربية الإسلامية .

2004-06-03

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 أيها الأخوة الكرام، أيها الأخوة الأحباب:
 أشكر لكم هذه الدعوة التي إن دلت على شيء فعلى ثقتكم فيما سأقول، وأسأل الله جل جلاله أن أكون عند حسن ظنكم.
 أيها الأخوة الكرام:
 الأحداث التي يعيشها العالم الإسلامي تشدنا إلى تفسيرها، الحقيقة أن المشكلة اليوم لا في تصديق الذي وقع فقد وقع، العالم اليوم سطح مكتب، كان قرية، ثم صار بيتاً، ثم صار غرفة، لكن الآن سطح مكتب، فما يقع في أي مكان في الأرض تراه بعينك بعد دقائق المشكلة أيها الأخوة ليست في تصديق ما حدث ولكن في تفسير ما حدث، أضرب مثلاً:
 تركب مركبة وتألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، تألق أو لم يتألق ليست هي المشكلة، لقد تألق، ولكن لماذا تألق ؟ فإذا فهمنا تألقه تألقاً تزينياً وتابعنا السير احترق المحرك، وكلفنا إصلاحه مبلغاً كبيراً وتعطلت الرحلة، أما إذا فهمنا ضوءً تحذيرياً أوقفنا المركبة وأضفنا الزيت، وسلم المحرك وتابعنا الرحلة، أين المشكلة ؟ في فهم ما حدث.
 الحقيقة التي ينبغي أن أراعيها في هذه الكلمة هي الحقيقة المرة، وأنا أقول دائما الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، دعونا من الأوهام وما من دعاء أبلغ من هذا الدعاء:
اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم والجهل، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 أيها الأخوة الكرام:
 العالم الإسلامي يعيش مرحلة لا يحسد عليها أبداً، فهناك حرب عالمية ثالثة أُعلنت على المسلمين في كل بقاع الأرض، ليس هذا قهراً لنا، معاذ الله، لأن الله:

﴿فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84 )

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

( سورة هود الآية: 123 )

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

( سورة الكهف )

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

( سورة الزمر )

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

( سورة الأعراف الآية: 54 )

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾

( سورة فاطر )

 فكرة القهر ليست واردة إطلاقاً في ضوء العقيدة الإسلامية الصحيحة، لأنه الأمر بيد الله، بل ما أمرنا أن نعبده إلا بعد أن طمئننا أن الأمر كله بيده.

 

﴿ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

 لكن التفسير الصحيح إنها قضية التسليط.

 

 

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾

 

( سورة النساء الآية: 90 )

 فرق كبير بين القهر والتسليط، القهر معه اليأس، واليأس كفر، بينما التسليط الكرة في ملعبنا، فإذا غيرنا فإن الله يغير ما بنا.
 أيها الأخوة:
 مناهج التغيير التي استوردناها من الشرق والغرب كانت تغييراً من الخارج، ولم تفلح، ثبت أن كل منهج استورده المسلمون من بلاد الشرق أو من بلاد الغرب ثبت فشلها وإخفاقها، وهي الآن في الوحل، ولم يبقَ إلا الإسلام.
 أيها الأخوة الكرام:
 قبل خمسين عام تقريباً أو أقل إن صح التعبير إذا كان هناك ساحة للقيم والمبادئ كان هناك ثلاث كتل كبيرة من المبادئ والقيم، مبادئ الشرق وقيمه تؤكد أفضلية المجموع مبادئ الغرب وقيمه تؤكد أفضلية الفرد، وقيم الإسلام ومبادئه، ما الذي حصل ؟ الشرق تداعى من داخله وانتهى الأمر، بقي في ساحة المبادئ والقيم قيم الغرب وقيم الشرق الغرب قوي جداً، وذكي جداً، وغني جداً، وقد طرح مبادئ رائعة قبل الحادي عشر من أيلول، طرح مبدأ الحرية، مبدأ الديمقراطية، مبدأ حقوق الإنسان، تكافئ الفرص، طرح حق المقاضاة، إلخ...
 هذا الغرب بقدرته المالية وذكائه وتفوقه وقيمه التي طرحها أصبح قبلة أهل الأرض وخطف أبصار أهل الأرض، لكن الفضل لله عز وجل أنه سقط، سقط بعد الحادي عشر من أيلول، وأصبح قوة غاشمة ليس غير، ونحن إن صح التعبير نشكره لأنه أعاننا على أن نكفر به، ومادام هناك جهة يؤمن بها تتناقض مع الدين فالطريق إلى الله ليس سالكاً والدليل:

 

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾

 

( سورة البقرة الآية: 256 )

 إذاً لابد من أن نكفر بالكفر حتى نصل إلى الله، لقد ظهرت وحشيتهم، وظهر انحرافهم، وظهر تناقضهم، وظهر حفاظهم على حقوق الإنسان كما ترون وتسمعون.
 أيها الأخوة الكرام:
 لكن ما الذي بقي الآن ؟ في ساحة المبادئ والقيم لم يبقَ إلا قيم الإسلام ومبادئه، هذه فرصة ذهبية، يؤكدها عالم أمريكي هداه الله إلى الإسلام زار الجالية الإسلامية في بريطانيا وقال مايلي:
 قال أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لأن في الإسلام خلاصاً لهم، بشرط دققوا في هذه الشروط:
 بشرط أن يحسنوا المسلمون فهم دينهم، وأن يحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه.
 أيها الأخوة الكرام:
 دققوا في هاتين الآيتين:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾

 

( سورة إبراهيم )

 هل تستطيع أمم الأرض، وقوى الأرض، وجيوش الأرض أن تنقل جبل لبنان إلى الأردن ؟! يقول الله عز وجل:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾

 الآية الثانية:

 

 

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 119 )

 هذا كلام خالق الكون، هذا كلام من بيده الأمر، من:

 

﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)﴾

 

( سورة يس )

 هذا كلام إذا كنت معه كان معك، وإذا كنت معه من عليك، وإذا كان عليك من معك هذا كلام خالق السماوات والأرض.

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

 أيها الأخوة الكرام:
 آية ثانية مهمة جداً في إلقاء ضوء على ما حدث، يقول الله عز وجل:

 

 

﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 

( سورة القصص )

 إذاً هذا الذي حدث هو رسالة من الله، فحواها أن يا عبادي غيروا حتى أغير ما بكم لأن الله:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

( سورة الرعد الآية: 11 )

 هناك ملمح بالآية دقيق جداً أن التغيير ما لم يكن من الداخل فإنه لا يجدي.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 أيها الأخوة الكرام:
 شيء دقيق جداً ينبغي أن نؤمن به، أنه لا نطمع أن يغير الله ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا، فما دمنا نسلك السلوك السابق فلن نجد نتيجة جديدة، لو دخلنا في وسائل بناء المجد لجيل الغد، لا يمكن أن يغير الله ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا، أولاً:
 الله عز وجل هو الإله في السماوات والأرض، والأمر كله بيده، فأن نطمع أن تظهر معجزة وأن يغير الله ما بنا ونحن نحن هذا من سابع المستحيلات.
 الشيء الثاني:
 لا يمكن أن نغير أبناءنا إلا إذا غيرنا نحن سلوكنا، فالأب والمعلم هما القدوة والطفل لا يتعلم إلا بالقدوة، فإذا كان التعليم لفظياً وهذا من أسوأ أنواع التعليم، إذا كان التعليم لفظياً لا يجدي، الناس لا يتعلمون بأذنهم بل يتعلمون بعيونهم.
 سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته، وقال وإني قد أمرت الناس بكذا، ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير إن رأيكم وقعتم وقعوا، ويم الله لا أوتين بواحد نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني، فصارت القرابة من عمر مصيبة.
 أنا لا أرى وسيلة عند الآباء وعند المعلمين أبلغ في التأثير في الأبناء من القدوة الصالحة، بل إن الأنبياء لهم مهمتان مهمة التبليغ وهي ليست بشيء أمام مهمة القدوة، لماذا عشرات آلاف الدعاة لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً ؟ بينما نبي واحد قلب وجه الأرض بالقدوة الحسنة، لأن النبي الواحد فعل ما قال، بالمصداقية، ما دمت قد ذكرت كلمة المصداقية جاءتني رسالة عبر البريد الالكتروني من أخ كريم يتلو لي هذه القصة:
 إمام مسجد في لندن، عيين في ظاهر لندن في مسجد آخر، فاضطر أن يركب مركبة كل يوم، المركبة نفسها، والسائق نفسه، في أحد المرات صعد المركبة وأعطى السائق ورقة مالية كبيرة، رد له السائق الباقية، عدها فإذا هي تزيد عشرين سند عما يستحق فقال هذا الإمام: هذا المبلغ ليس لي، لا بد من أن أرده للسائق، ثم جاءه خاطر شيطاني قال هذه شركة عملاقة، ودخلها فلكي جداً، وهذا المبلغ يسير لا يقدم ولا يؤخر، ماذا علي لو أخذته ؟ وكأنه هدية من الله، هكذا جاءته الخواطر، فلما جاء وقت نزوله من المركبة دون أن يشعر أخذ من جيبه العشرين سند وأعطها للسائق، ابتسم السائق، قال: ألست إمام هذا المسجد ؟ قال نعم، قال والله حدثت نفسي قبل يومين أن أزورك في المسجد لأتعبد الله ولكنني أردت أن أمتحنك، حينما علم هذا الإمام أن هذه الزيادة كانت امتحاناً له وتصور لو أنه لم يردها أغمي عليه، فلما صحا من إغماءه، قال يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين سند.
 الحقيقة نحن بحاجة إلى مصداقية، الإسلام لم ينتشر في الأصل إلا بالمعاملة، النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوة، وأصحابه كانوا قدوة، لو فهم الصحابة الكرام الدين كما نفهمه نحن اليوم والله ما خرج من مكة المكرمة، ما وصل إلى المدينة، فضلاً عن أن يصل إلى أطراف الدنيا.
 أيها الأخوة الكرام:
 ليست في ساحة القيم والمبادئ اليوم إلا قيم الإسلام ومبادئ الإسلام، ولكن هذا الإسلام العظيم يحتاج إلى فهم دقيق، ويحتاج إلى حسن فهم، وحسن تطبيق، وحسن عرض حتى يكون خلاصاً للعالم كله.
 أيها الأخوة الكرام:
 الكلمة الدقيقة أنه لم يبقَ في أيدي المسلمين من ورقة رابحة إلا الأبناء، وهذا الواقع وأنا انطلقت من الحقيقة المرة، التي هي أفضل مرة من الوهم المريح، لم يبقَ في أيدينا إلا أبناءنا، وأبناءنا هم المستقبل، لذلك أكبر عبادة نعبد الله بها أن نربي أولادنا لعل الله سبحانه وتعالى يجري على أيديهم تغيير المستقبل الذي نحن في أشد الحاجة إليه.
 أيها الأخوة:
 الحقيقة الثانية أن الآية الكريمة:

 

 

﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) ﴾

 

( سورة طه الآية: 117 )

 يعني بحسب السياق اللغوي فتشقيا، بالقرآن في إيجاز بليغ، قال علماء التفسير شقاء الرجل شقاء حكمي لزوجته.

 

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾

 يقاس على هذه الحقيقة أن شقاء الابن شقاء حكمي لوالديه.
 كنت مرة في أمريكا وقلت لهم ـ بغلتهم طبعاً ـ لو بلغت منصباً ككلينتون، وثروة كأناسيس، وعلماً كأنشطاين، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
 هذا الأب الذي يعتني بأولاده منذ صغرهم فيكونوا أولاداً صالحين ملء السمع والبصر بعلمهم وأخلاقهم هو أسعد أهل الأرض.
 أيها الأخوة الكرام:
 الحقيقة الأولى أنه لم يبقَ في أيدينا إلا أولادنا، والحقيقة الثانية أننا جميعاً بحكم ما أودع الله في الآباء من عطف على أولاده أننا نشقى بشقاء أولادنا، لذلك قال تعالى:

 

 

﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) ﴾

 

( سورة البلد )

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

 من هو الإنسان الذي يتمنى أن يكون ابنه خيراً منه ؟ هو الأب والأم فقط، الحقيقة الثالثة أيها الأخوة:
 الفساد العام الذي يعيشه المسلمون اليوم فيما مضى كان الفساد يشبه حديقة حيوان تقليدية، فالوحوش في الأقفاص، والزوار طلقاء، يعني كان الفساد في بوئر محدودة، لكن الفساد اليوم يشبه حديقة حيوان إفريقية الوحوش طلقاء، والزوار إن لم يدخلوا في سيارة مصفحة يؤكلون، أين ما ذهبت الفساد على قدم وساق، إن قرأت الجريدة، أو المجلة، أو فتحت الانترنيت، أو اقتنيت جهازاً عارضاً، أي أداة إعلامية، أي أداة اتصال، فيها فساد عريض، إذاً إذا كانت مهمة الآباء قبل عقدين من الزمن تحتاج إلى جهد معتدل الآن الجهد ينبغي أن يضاعف أضاعفاً كثيرة ليستطيع الأب أن يحسن ابنه بعقيدته وبسلوكه، وبانضباطه من هذا الفساد العريض.
 أيها الأخوة الكرام: شيء آخر:
 هو أنه حينما قال الله عز وجل:

 

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 

( سورة الكهف الآية: 28 )

 ما لم يكن هناك تمايز بين مجتمع الشرود ومجتمع الإيمان فالفساد يستشري لأن المؤمن ينبغي ألا يصاحب إلا مؤمناً، لذلك لا بد من تحصين أولادنا بمدارس إيمانية، لا بد من تحصين أولادنا بمنتجعات إسلامية، لا بد من بيئة طاهرة نقية، أما إذا سمحنا لأولادنا و لمن يلوذ بنا أن يختلط مع الطرف الآخر فإذن الفساد سوف يستشري ما لم يكن هناك تمايز ولا أدري مدى القدرة على تطبيق هذه الحقيقة، لكنها حقيقة، وحقيقة صارخة، ما لم يكن هناك تمايز بين المؤمنين والشاردين فإن الفساد يستشري لأنه مغري.
 أيها الأخوة الكرام:
 ورد في بعض الأحاديث قصة رواها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماشطة نبت فرعون، لماذا أرويها ؟ بعد قليل تعرفون السبب.
 لفرعون ماشطة لابنته، وقع المشط من يدها فقالت بسم الله، قالت ابنة فرعون ألكِ رب غير أبي ؟ قالت الله ربي وربك ورب أبيك، قالت سأخبر أبي، فأخبرته، فجاء بها وبأولادها الأربعة، وجاء ببقرة من نحاس أضرم فيها النار حتى احمرت، وأمسك ولدها الأول، وقال لها ألكِ رب غيري ؟ قالت الله ربي وربك، فألقاه في النار حتى تفحم، أمسك الثاني قال لها ألكِ رب غيري قالت الله ربي وربك، فألقى ولدها الثاني حتى تفحم، أمسك الثالث قال ألكِ رب غيري ؟ قالت الله ربي وربك، ألقاه في النار حتى تفحم، أمسك الرابع وكان رضيعاً فسكتت، أي تضعضعت، فأنطق الله الغلام قال يا أمي أنت على حق اثبتِ هكذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ألكِ رب غيري ؟ قالت الله ربي وربك فألقاه في النار حتى تفحم، ثم ألقاها في النار.
 في الإسراء والمعراج شم النبي رائحة لم يشم منها قط، قال يا جبريل ما هذه الرائحة ؟ قال هذه رائحة ماشطة بنت فرعون.
 لهذا سقت هذه القصة، لماذا ضحت بأولادها وبنفسها خوفاً من ربها ومحبة به ؟ لأنها عرفت الله عز وجل.
 أيها الأخوة:
 في مناهجنا التربوية معرفة الله ليست معتنى بها، معرفة الله، أنا أقول كلمة يمكن أن تتحدث في الدين ساعات طويلة بلغة فصيحة، وأن تأتي بالأدلة الدقيقة، وبالآيات والأحاديث وقد يكون هذا المتحدث لا يعرف الله، كيف ؟ التوحيد شيء، وأن تمتلئ الذاكرة بمعلومات دقيقة شيء آخر، فنحن حينما نعرف الله ثم نعرف أمره نتفانى في طاعته، أما حين لا نعرفه ونعرف أمره نتفنن في التفلت في أمره، وهذه مشكلة كبيرة.
 النبي عليه الصلاة والسلام أقام في مكة مع أصحابه ردحاً من الزمن يعرفهم بالله والآيات الكونية كلها تعريف بالله، ثم جاء التشريع، فما لم ندخل في مناهجنا مادة التعريف بالله، من خلال الإعجاز، من خلال وسائل القرب من الله عز وجل، ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

 

( سورة النحل )

 وفي آية:

 

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

 

( سورة الفرقان )

 إن أردت أن تعرف أمره.

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾

 وإن أردت أن تعرفه.

 

 

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾

 أيها الأخوة:
 أوسع باب لمعرفة الله، وأقصر طريق لمعرفته التفكر في خلقه، والحقيقة ما من شيء يضعك أمام عظمة الله وجهاً إلى وجه كأن تتفكر في آياته.

 

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

( سورة آل عمران )

 أيها الأخوة:
 كمثل لهذه الآيات الدالة على عظمته ما يسمى بالمشيمة، المشيمة قرص من اللحم ينزل مع الوليد، هذا القرص من اللحم تجتمع فيه دورة دم الأم ودورة دم الجنين، وكل دم له زمرة، فلو اختلطا لماتت الأم وجنينها، بين الدورتين غشاء رقيق سماه الأطباء الغشاء العاقل لأنه يصنع أشياء لا يستطيعها أطباء الأرض مجتمعين، ماذا يفعل هذا الغشاء الذي بين دورة دم الأم ودورة دم الجنين ؟ يأخذ من دم الأم الأوكسجين، يطرحه في دم الجنين كي يحترق السكر، السكر حتى يحترق بدرجة 37 يحتاج إلى أنسولين، يأخذ الغشاء العاقل من دم الأم الأنسولين يطرحه في دم الجنين، الأم عندها مناعة من خلال اللقاحات التي تناولتها، ومن خلال الأمراض التي أصيبت بها، يأخذ الغشاء العاقل من دم الأم كل عوامل المناعة ويطرحها في دم الجنين، الآن هذا الغشاء له دور سلبي، يمنع مرور أي مادة سامة من دم الأم إلى دم الجنين، الآن المهمة التي لا تصدق أن هذا الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم ما يحتاجه الجنين من مواد غذائية، بروتينات، شحوم، فيتامينات، معادن، أشباه معادن بتعيير ساعي، كل ساعة في نسب، كيف يعرفها ؟ وكيف يأخذها ؟ يطرحها في دم الجنين، قال بعض الأطباء لو أوكلت مهمة الغشاء العاقل في المشيمة إلى كل أطباء الأرض مجتمعين لمات الجنين في ساعة واحدة، هذا الغشاء العاقل يأخذ من دم الجنين نتائج احتراق السكر ثاني أوكسيد الكربون، يطرحه في دم الأم، كي يطرح مع تنفسها، فجزء من نفس المرأة الحامل الغاز الذي طرحه الجنين، ونقل من دمه إلى دم الأم، ويأخذ الغشاء العاقل من الجنين حمض البول نتيجة احتراق المواد البروتينية، يطرحه في دم الأم حتى يطرح عن طريق كليتيها، فهذا الغشاء هو جهاز تنفس، وجهاز هضم، وبنكرياس، وجهاز مناعة مكتسب وكليتان، شيء لا يصدق، هذا خلق الله.
 فكلما تعرفنا على الله من خلال خلقه عظمناه، هذه الماشطة كيف ضحت بأولادها وبنفسها خوفاً من الله وطلباً سلامة عقيدتها، وحفاظاً على محبة الله لها، فنحن حينما نعرف الله عز وجل نضحي بالغالي والرخيص والنفس والنفيس، حينما نعرف الآمر ثم نعرف الأمر نتفانى في طاعة الآمر، أما حينما نعرف الأمر ولا نعرف الآمر نتفنن في التفلت من الأمر.
 لعلي ذكرت لكم أن هذه البعوضة التي ذكرها الله في القرآن من مكنا يصدق أن في رأسها مئة عين، وفي فمها 48 سناً، وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، وتملك جهاز لا تملكه الطائرات لا ترى الأشياء لا بصورتها، ولا بشكلها بل بحرارتها، جهاز رادار استقبال حراري، وحساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية، وعندها جهاز تحليل للدم لأن ما كل دم يناسبها، وعندها جهاز تخدير، وجهاز تمييع، وفي خرطومها ستة سكاكين، أربع سكاكين لأحداث جرح مربع، وسكينان يلتئمان كأنبوب لامتصاص الدم، من كان يعرف عن هذه البعوضة التي ذكرها الله في القرآن.
 أيها الأخوة:
 في برج العقرب نجم صغير متألق أحمر اللون اسمه قلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما.

 

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾

 

( سورة غافر الآية: 64 )

 حينما نعلم طلابنا الأمر فقط ولا نعرفهم بالآمر يتفننون في التفلت من الأمر، إن أردت أن يكون المؤمن وقافاً عند كتاب الله، مطبقاً لأمره ونهيه، ورعاً، يخاف الله عز وجل ينبغي أن يعرفه، لذلك أعود وأقول يمكن أن تتكلم في الدين ساعات طويلة، وحينما رضي الله عنه ينضبط المرء بأمر الله فهو لا يعرفه، نحتاج إلى التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
 أيها الأخوة:
 من ملامح المنهج الذي نبني به أجيالنا، وكلها آيات قرآنية:

 

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾

 

( سورة الجمعة الآية: 2 )

 أربع فقرات:

 

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

 

( سورة الجمعة الآية: 2 )

 لعل الآيات التي جاءت في أول فقرة يتوهما الناس القرآن الكريم، لا، ويعلمهم الكتاب القرآن، والحكمة أي السنة.

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ﴾

 الدالة على عظمته، فهذا هو المنهج.

 

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾

 والإنسان ما لم يزكي نفسه لا قيمة لإيمانه، لأن الله عز وجل يُتقرب إليه بالخلق العظيم حينما أثنى على النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليه بخلقه العظيم، يعني بشكل أو بآخر الإنسان حينما يتصل بالله عز وجل تزكو نفسه.

 

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

 

( سورة الشمس )

 يعني التزكية في القرآن بأربع آيات، الفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح والفوز كل الفوز، والتفوق كل التفوق، بتزكية النفس.

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

 أيها الأخوة الكرام:
 حديث شريف يبين ملامح المنهج، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي ))

 تواضع لعظمة الله من خلال التفكر في آيات الله.

 

 

[ رواه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي ))

 هذا التفكر.

 

(( وكف شهواته عن محارمي ))

 الاستقامة.

 

 

(( ولم يصر على معصيتي ))

 التوبة.

 

 

(( وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب وآوى الغريب ))

 العمل الصالح.

 

 

(( كل ذلك لي ))

 الإخلاص.
 هذا الحديث جمع أركان السير إلى الله عز وجل، تفكر في خلق السماوات والأرض واستقامة على أمر الله، وتوبة مستمرة له، وعمل صالح، وإخلاص لهذا العمل.
 الآن النتائج:

 

 

((وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه))

 الجهالة حلم، يعني الأخلاق السيئة تنقلب إلى أخلاق رفيعة، والظلمة ظلمة الجهل تنقلب نور العلم:

 

 

(( على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها.))

 أيها الأخوة الكرام:
 ورد في الأثر القدسي أن نبياً من أنبياء الله قال:

 

((يا رب أي عبادة أحب إليك حتى أحبك بحبك، فقال أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، فقال يا رب تعلم إني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي.))

 يستنبط من هذا الأثر القدسي أنه لا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله ومحبة له، وخوف منه، وينبغي أن تكون هذه الصفات متكافئة، تعظيم ومحبة وخوف.
 أيها الأخوة الكرام:
 الحقيقة الدقيقة أننا في أمس الحاجة إلى أن نربي أولادنا تربية إيمانية، ثم تربية أخلاقية، ثم تربية نفسية، ثم تربية اجتماعية، ثم تربية عقلية علمية، ثم تربية جسمية، ثم تربية جنسية، هذه أبواب التربية في الإسلام، وفي الكتاب والسنة، وفي أقوال العلماء السابقين كنوز حول هذه الموضوعات الدقيقة.
 وشيء آخر:
 هو أن أكثر الوسائل فعالية في التربية القدوة الحسنة، والتلقين أحياناً، والموعظة أحياناً، والملاحظة أحياناً، والتأديب أحاناً، والعقاب أحياناً.
 أيها الأخوة الكرام:
 الذي يأتيه ولد صالح يجهد في تربيته هذا الإنسان يمتلئ قلبه من السعادة ما لا يوصف، لذلك قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) ﴾

 

( سورة الفرقان )

 حسن تربية الأولاد مكافئة في الدنيا قبل الآخرة، ما هي المكافئة ؟ أن يكون هذا الابن قرة عيناً لأبيه، وهذا من أسعد الناس حينما يرى أن مثله أناس صالحون يعرفون الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام:
 لعلي أطلت عليكم، أسأل الله جل جلاله أن يلهمنا الصواب، وأن يعيننا على تقويم أنفسنا، وتقويم أولادنا.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

(( وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها.))