الحلقة : 2 - قيمة العمل

1993-04-20

مقدمة :

المذيع :
 أيها المشاهدون الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، يقول الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز :

﴿ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 43 ]

 العمل قيمة عظيمة من قيم الإسلام ، سنعيش الليلة في رحابها ومن خلالها ، نعيش مع عالمين جليلين من أبناء مدينة دمشق عاصمة الجمهورية العربية السورية ، وهما : الأستاذ محمد راتب النابلسي ، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق ، والأستاذ عبد الرزاق المؤنس ؛ مدير التوجيه والإرشاد في وزارة الأوقاف في سورية السلام عليكم ورحمة الله .
 أستاذ راتب النابلسي ؛ السؤال الأول حول العمل ، هو في الواقع فيه بعض التساؤلات . لماذا نعمل ؟ وما هو الدافع للعمل ؟ وما هو الهدف من العمل ؟ ولماذا قارن الله تعالى الإيمان بالعمل الصالح في آيات القرآن ؟

الإنسان هو المخلوق الأول لأنه قَبِل التكليف :

الدكتور راتب :
 الإنسان أيها الأخوة المشاهدون هو المخلوق الأول لأنه قبل التكليف ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 ما الأمانة ؟ إنها نفسه التي بين جنبيه ، فالإنسان إذا عرّف نفسه بخالقها ، وعرّفها بمنهجه ، وحملها على طاعته ، وحملها على التقرب إليه ، بخدمة عباده ، وخلقه فقد زكاها .

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9]

 أما إذا أبقاها جاهلةً ، وأبعدها عن طريق الحق ، ولم يحملها على طاعة الله ، وأعطاها شهواتها ، الأمر الذي يستلزم أن تسيء إلى الخلق ، عندئذٍ يكون قد دساها .

﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس:10]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان حينما حمل الأمانة ، سخر الله له ما في السموات وما في الأرض ، سخرها له تسخير تعريف وتسخير تكريم ، ولأنه سخر له ما في السموات وما في الأرض ، كان الإنسان أكرم من المسخر له ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70 ]

حاجة الإنسان إلى العلم و العمل :

 هناك ملاحظة دقيقة هي من صلب الموضوع ، الأرض بما فيها ، ومن عليها ، والسموات كذلك ، مسخرة للإنسان ، لكن الخيرات التي أودعها الله في الأرض ، والتي سخرها للإنسان ، الملاحظ في الأعمّ الأغلب أن الإنسان لا يستطيع أن يستفيد منها إلا إذا تدخل بجهد منه ، هذا الجهد الذي يبذله الإنسان من أجل أن تصبح هذه الخيرات قابلةً للانتفاع بها ، فالبئر لابد من أن تحفر ، والنبات لابد من أن يزرع ، والمعادن لابد من أن تستخلص ، ربنا سبحانه وتعالى شاءت حكمته أن يجعل الخيرات التي في الأرض ، لا يستفاد منها إلا بجهد بشري ، بعضه علم ، وبعضه عمل ، وفوق ذلك ربنا جلّ جلاله أودع في الإنسان دوافع فطرية ، خلق له حاجةً إلى الطعام والشراب ، وأودع فيه الدافع نحو الطعام والشراب ، وأودع فيه الحاجة إلى الجنس الآخر ، فخلق فيه هذه الغريزة ، وأودع فيه رغبة في التفوق ، وما يسميه علماء النفس تأكيد الذات .
 فالإنسان من جهة يحس بالجوع ، إذاً يبحث عن الطعام ، يحس بحاجة إلى الطرف الآخر، يبحث عن زوجة ، يحس بحاجةٍ إلى تأكيد ذاته ، إذاً يتجه نحو البطولة ، أو التجاوزات .
 الإنسان أيها الأخوة ؛ حينما يندفع إلى تأمين طعامه ، وشرابه ، وسائر حاجاته المادية ، والمعنوية ، يعمل بدافع من فطرته ، وحينما يعمل يبتلى ، والله سبحانه وتعالى جعل علة خلق الإنسان في هذه الأرض الابتلاء ، إنا كنا مبتلين .

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 إن الجنة التي خلقها الله للإنسان تحتاج إلى عمل ، والعمل يندفع إليه الإنسان من خلال تأمين حاجاته الأساسية ، ومن خلال أن طبيعة الخيرات التي أودعها الله في الأرض ، لا يستفاد منها إلا عن طريق العلم ، والعمل ، فلذلك فطرة الإنسان تقتضي أن يبحث عن حاجاته الأساسية ، وهو يبحث عن حاجاته الأساسية يبتلى ، فعلمه وعمله إما أن يرفعه إلى أعلى عليين أو يهبط به إلى أسفل سافلين .
 إذاً :

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 2]

 من خلال العلم والعمل ، من خلال تأمين الحاجات الأساسية ، لأن المواد التي أودعها الله في الأرض لا يستفاد منها ، إلا عن طريق تدخل جهد بشري أساسه العلم والعمل ، يندفع الإنسان بفطرته وبتصميم الله لطبيعة الكون الذي من حوله إلى العمل ، فهو يعمل شاء أم أبى .

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 ولكن الله سبحانه وتعالى في أكثر من مئتي آية قرن العلم بالعمل ، لأن العلم بحدّ ذاته ليس غاية ، إنما هو وسيلة ، فما لم يستخدم العلم من أجل رفع مستوى العمل ، ومن أجل نفع البشر ، هذا العلم لا قيمة له ، فالناس يحاسبون على أعمالهم ، وما العلم إلا من أجل العمل الصالح . لذلك فسر المفسرون قوله تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 فسروا العبادة بأنها طاعة طوعيه ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، فعلة وجودنا على وجه الأرض أننا نعمل ، فبالعمل نرقى ، وبالعمل نمتحن ، وبالعمل نسعد سعادةً أبدية ، وبالعمل نشقى شقاوةً أبدية ، والإنسان حجمه عند الله بحجم عمله الصالح ، هذه بعض المنطلقات النظرية لطبيعة العمل ، ما من إنسان على وجه الأرض إلا وله عمل قد يكون صالحاً فيسعد به ، وقد يكون سيئاً فيشقى به ، والناس رجلان لا ثالث لهما ، إنسان يعرف الله ، يتصل به ، منضبط بالشرع ، محسن إلى الخلق ، وإنسان آخر لا يعرف الله ، متفلت من شرعه ، مسيء إلى الخلق . قال تعالى :

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18]

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة القلم: 35-36 ]

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 61 ]

مضي الزمن وحده يقتضي خسارة الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان يسعد بعمله ، ويشقى بعمله ، وقد قال الخليفة الراشد سيدنا عمر بن عبد العزيز : " الليل والنهار يعملان فيك ، فاعمل فيهما " بل إن الله سبحانه وتعالى أقسم بالعصر الذي هو مطلق الزمن .
 معنى الخسارة هنا أن مضي الزمن وحده يقتضي خسارة الإنسان ، لأن الإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة . إذاً الإنسان في خسارة ، لأنه زمن ، أو لأن الزمن يستهلكه ، ويستطيع تلافي هذه الخسارة إذا أنفق الزمن إنفاقاً استثمارياً ، لا إنفاقاً استهلاكياً ، قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 فحجمك أيها الإنسان عند الله بحجم عملك ، قال تعالى :

﴿ و لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾

[ سورة الأنعام: 132 ]

المذيع :
 شكراً للأستاذ راتب النابلسي ، ونخلص من هذا ، من خلال كلامك ، إلى أن العمل في الإسلام فطرة ، وواجب ، وحق ، وأن عمل الإنسان هو الذي يحدد مصيره الأبدي ، إما نعيم دائم ، وإما معاذ الله عذاب دائم ، هذه هي النقاط التي أشرت إليها .

العمل في الإسلام فطرة وواجب وحق :

الدكتور راتب :
 أذكر أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يعين والياً على بعض الأمصار ، وكان من عادته أن يمتحن ولاة الأمر ، سأله هذا السؤال ، ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ فالجواب الذي يعرفه الوالي ، قال : أقطع يده ، فقال عمر : إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع ، أو عاطل - أي بلا عمل - فسأقطع يدك ، وتوجه إلى الوالي ثم قال : يا هذا إن الله قد استخلفنا عن خلقه ، لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم ، فإن وفينا لهم ذلك ، تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة ، قبل أن تشغلك بالمعصية .
 والنبي عليه الصلاة والسلام دخل المسجد فرأى شاباً ما بين الصلاتين ، سأله : ماذا تعمل ؟ قال : لا أعمل شيئاً ، سأله النبي الكريم : من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك ، وحينما أمسك بيد عبد الله بن مسعود رآها خشنة ، فرفعها بين أصحابه وقال : إن هذه اليد يحبها الله ورسوله .
المذيع :
 هذا يذكرني بالحديث الشريف : "الساعي على الأرملة والمسكين كالصائم والقائم" بالمعنى هذا أي العمل وصلت قيمته العظيمة والجزاء عليه إلى درجة الصائم ، والقائم ، لمن يسعى على الأرملة ، والمسكين ، والضعيف .

انقلاب حرفة الإنسان إلى عبادة إن لم تشغله عن فريضة أو واجب :

الدكتور راتب :
 عمل الإنسان ، حرفته ، مورد رزقه ، إذا كانت حرفته في الأصل مشروعة ، ومارسها بطريقة مشروعة ، وابتغى بها كفاية نفسه ، وكفاية أهله ، ومن يلوذ به ، وابتغى بها خدمة المسلمين ، وتيسير حاجاتهم ، وحلّ مشكلاتهم ، ولم تشغله حرفته ولا عمله عن فريضة ، أو واجب ، أو طاعة .
 ما قولكم أيها الأخوة المشاهدون ؛ حرفة الإنسان ، وعمله بهذه الشروط تنقلب إلى عبادة ، بل إن أصحاب النبي عليهم رضوان الله كانوا مع النبي الكريم وقد مرّ رجل ، فرأوه ذا جلد ، ونشاط ، فقال بعضهم : يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إن كان هذا الرجل يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها ، فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج رياءً ومفاخرةً ، فهو في سبيل الشيطان " .

خاتمة و توديع :

المذيع :
شكراً لفضيلة الأستاذ راتب النابلسي .
 أيها الأخوة الكرام ؛ عشنا في رحاب العمل الصالح ، كقيمة إسلامية عظيمة تقودنا إلى الجنة ، عشنا في رحاب هذه الحلقة مع ضيفينا الجليلين ، الأستاذ محمد راتب النابلسي ، الأستاذ بكلية التربية بجامعة دمشق ، والأستاذ عبد الرزاق المؤنس ، مدير التوجيه والإرشاد في وزارة الأوقاف السورية .
 أخوتنا الكرام ؛ نحييكم من مدينة دمشق عاصمة الجمهورية العربية السورية ، حيث سجلنا لكم هذه الحلقة من حلقات هذا البرنامج على طريق الإيمان والحق والنور ، نلتقي دائماً إن شاء الله ، والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته .