الدرس : 1 - سورة الطارق - تفسير الآيات 01-8 ، حقائق عن السماء وخلق الإنسان.

1984-12-14

السماء شيءٌ عظيمٌ جداً ولا يعرف عظمتها إلا أولو العلم :

 سورة اليوم سورة الطارق، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ*النَّجْمُ الثَّاقِبُ*إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 الله سبحانه وتعالى ذكر في مطلع هذه السورة السماء، ومنهم من يقول إنَّه أقسم بالسماء، وقد حدثتكم من قبل أن الله سبحانه وتعالى في قرآنه العظيم مرةً يقول أُقسم، حينما يقول:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 1]

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

 ومرةً يقول:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

 يمكن أن نفهم أن هذا الشيء الذي أقسم الله به بالنسبة إلينا لأن السماء شيءٌ عظيمٌ عظيم، ولا يعرف عظمتها إلا أولو العلم، ولذلك قال الله عزَّ وجل:

﴿ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر: 28 ]

الأنبياء رأوا من ملكوت السماوات والأرض ما جعلهم يخضعون ويعظِّمون الله تعالى :

 نحن نعرف عن السماء بقدر ما توصل إليه العلم، وكلَّما زاد العلم في معرفته للسماء كان فهمنا لهذه الآية أعمق وأكبر، لكنَّ الأنبياء رأوا من ملكوت السماوات والأرض ما جعلهم يخضعون ويعظِّمون الله سبحانه وتعالى.
 فالسماء، نحن إذا ركبنا سيارة وتجاوزت سرعتها المئة شعرنا باضطراب، فإذا ركبنا طائرة، فسرعة الطائرة التجارية تسعمئة كيلو متر في الساعة أو ألف ومئتا كيلو متر، يركب الناس اليوم طائرةً أسرع من الصوت تقلُّهم من أوروبا إلى أمريكا في ساعتين وأكثر، الإنسان الذي ذهب إلى القمر ركب أسرع مركبة على وجه الأرض وتبلغ سرعتها أربعين ألف كيلو متر في الساعة، فالطائرة التجارية تسعمئة، وبعض الطائرات ألف ومئتان، وبعضها ألف وستمئة وخمسين، أما أن يركب الإنسان مركبةً سرعتها أربعون ألف كيلو متر في الساعة فهذا شيءٌ جديد، وبقيت هذه المركبة تسير في الفضاء الخارجي أياماً ثلاثة حتى وصلت إلى القمر.
 ماذا قطعت من الفضاء الخارجي؟ قطعت ثانيةً ضوئيةً واحدة، ما يقطعه الضوء في ثانية قطعه الإنسان في ثلاثة أيامٍ على متن مركبةٍ سرعتها أربعون ألف كيلو متر في الساعة، وهذا المشروع كما يقول بعض العلماء كلَّف أربعة وعشرين ألف مليون دولار، واسمه مشروع أبولو، وماذا قطع الإنسان؟ ثانيةً ضوئيةً واحدة.
 فما قولك بالشمس!! الشمس تبعد تسعين مليون ميل ويقطعها الضوء في ثماني دقائق، فلو أردت أن تصل إلى آخر نجمٍ من نجوم المجموعة الشمسية يحتاج الضوء إلى ثلاث عشرة ساعة، فإذا أخذنا الأبعاد بالزمن فقطر المجموعة الشمسية ثلاث عشرة ساعة، والشمس ثماني دقائق، والقمر ثانية، أقرب نجم إلى الأرض من غير المجموعة الشمسية أربع سنوات ضوئية ويوجد أربعة آلاف سنة، فمجرة درب التبَّانة قطرها مئة وخمسون ألف سنة ضوئية، والقمر ثانية، وعرضها خمسة عشر ألف سنة ضوئية، هذا درب التبَّانة ومن هذه المجرة يوجد مليون ملْيون مجرة، وبعض المجرات بعدها عنا اثنا عشر ألف مليون سنة ضوئية، فعندما يقول ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَالسَّمَاءِ ﴾

 كل إنسان يفهم هذه الكلمة بحسب ما يعرف عن السماء.

معنى كلمة (السماء) :

 لذلك قال بعضهم: نحن نفهم الأشياء كما نحن عليها، وليست كما هي عليها بل كما نحن عليها، يجوز للإنسان أن تكون معلوماته عن السماء محدودة فإذا قرأ:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

 يتصور الفضاء الذي فوق رأسه وهذه هي السماء، وبعضهم قال: كلُّ ما علاك فأظلَّك فهو سماء، أما سيدنا رسول الله اللهم صلّي عليه سأله بعض الصحابة: يا رسول الله لو حفرت تحت قدمي هذا هل أرى السماء؟!! قال: نعم، فمعنى ذلك أنَّه اللهمَّ صلِّ عليه رأى أنَّ الأرض كرة وأن السماء هو ما يحيط بالكرة، وأن الكرة إذا ثقبتها من طرف، نظرياً طبعاً، لا بدَّ من أن تصل إلى الطرف الثاني، فقال هذا الصحابي الجليل: يا رسول الله لو حفرت تحت قدمي هذا هل أرى السماء؟!! قال: نعم، فكل إنسان بحسب ما يعرف عن السماء يعظِّم ربَّ السماء، بعض المجرّات اثنا عشر ألف مليون سنة ضوئية، وبعض النجوم حجمها ثلاثون مليون ضعف عن شمسنا، وبعض الكازارات فيها قوة انفجار تعادل واحداً أمامه ستة وأربعون صفراً عن أكبر قنبلة هيدروجينية فجِّرت على وجه الأرض، فعندما يقول ربنا:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

 أي أن هذه آيةٌ عظيمة لنا، نحن نعيش في جو الأرض ولكن روَّاد الفضاء رأوا الأرض كرة جميلة، رأوا بعض القارّات من القمر، بعض الأماكن خُضراً، وبعضها بيضاً بفعل السحب، وبعض الأماكن زرقاً فالأرض كرة، ولو أن إنسان أثار الغبار في غرفته تحت ضوء الشمس فرأى ذرةً عالقةً في ضوء الشمس قال: هذه تشبه الأرض بالنسبة إلى الكون، ذرة، فقد تجد الهواء يحمل ذرات الغبار، وتحت أشعة الشمس يرى الإنسان هذه الذرات فما الأرض إلا ذرةٌ بالنسبة لجو الغرفة، لذلك عندما يقول ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

بعض الحقائق عن السماء :

 على الإنسان أن يعرف ماذا تعني كلمة السماء، مرة قمت بإجراء حساب بسيط، أقرب نجم إلينا يبعد عن الأرض أربعة آلاف سنة ضوئية، فلو كان هناك طريق معبَّد إليه فنحتاج إلى سبعة وعشرين مليون ملْيون مليون سنة بسيارة حتى نصل إليه، فهذا أقرب نجم، لذلك هذه الآيات لا يعقلها إلا العالمون، لا يعقلها إلا من فكَّر في ملكوت السماوات والأرض:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

 حركة الكواكب، لكل كوكب فلك، ونظام التجاذب، ونظام العطالة، والقوة النابذة، والقوة الجاذبة، والكتل واختلافها، فهذه بعض الحقائق عن السماء، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

 ماذا في السماء؟ السماء فراغ ويوجد فيها نجوم، وهذه الآية شملت الفراغ والنجوم معاً، قال: الطارق الله سبحانه وتعالى عرَّفه:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ*النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾

على قدر تفكرك في السماوات والأرض تعظِّم رب السماء :

 قال: هذا النجم، هذه الألف واللام ألف الجنس، لا يقصد بهذه الكلمة نجماً معيناً، إنما جنس النجوم، تقول مثلاً التفاح ذو قيمة غذائية عالية، أي تفاحة هذه، المعنى جنس التفاح، إذا قال الله تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ*النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾

 أي نجمٍ؛ فالسماء فيها فضاء وفيها نجوم، وكلمة (والسماء والطارق) شملت الفضاء والنجوم والكواكب السابحة في هذا الفضاء، أما هذا الفضاء أين حدوده؟ هذا لا نعلمه ولا أحد يعلمه، فهو شيء قد لا يصدقه العقل، هذا النجم أو هذه المجرة التي قال عنها العلماء تبعد عنا اثني عشر ألف مليون سنة، فالشيء الذي لا يصدق أننا حينما رأيناها اليوم أي وصل إلينا ضوؤها اليوم، منذ متى خرج منها هذا الضوء؟ منذ اثني عشر ألف مليون سنة، اليوم رأيناها لكن أين هي الآن؟ لا يعلمها إلا الله لأنها متحركة، إن قلنا: هذا النجم يبعد عنا اثني عشر ألف مليون سنة، أي هذا الضوء الذي وصل إلينا اليوم كان قد صدر منه قبل اثني عشر ألف مليون سنة، والآن المركبات الفضائية مثل الصياد تماماً عندما يصوب البندقية على طائر يبعدها باتجاه حركته، يحسب المسافة إذا أطلق هذه الرصاصة يجب أن تصل إلى مكان وصل إليه بعد زمن الإطلاق، فالكواكب متحركة كلُّها، ومن يصدق أن بعض المجرات حركتها تقترب من سرعة الضوء، مئتين وأربعين ألف كيلو متر في الثانية، من يصدق أن حركة الشمس في دورانها حول نجم في المجرة تستغرق دورتها مئتي مليون سنة؟ أرقام الفلك تكاد لا تصدق لعظمتها ولكنها واقعة، ولكن العلماء الذين رصدوا هذه النجوم وأجروا هذه الحسابات حينما وصلوا إلى هذه ما كان يعنيهم أن تكون تلك الحقائق في خدمة الإيمان ولكن هذا الذي حصل، والسماء والطارق، ولذلك فسيدنا علي رضي الله عنه يقول: في القرآن آيات لم تفسّر بعد، فعلى قدر معرفتك تفهم هذه الآية وعلى قدر تفكرك في السماوات والأرض تعظِّم رب السماء، ولذلك، لا عبادة كالتفكر، تفكر ساعةٍ خيرٌ من عبادة ستين عاماً:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

نحن نعرف ما يسمح الله لنا به وما سوى ذلك فموكولٌ إلى علم الله عزَّ وجل :

 ما معنى كلمة: الطارق؟ نقول: طرق الباب، أي ضربه فأحدث بهذا الضرب صوتاً وجلبةً ومنها المطرقة، طرق الطريق أي سمع وقع أقدامه على هذا الطريق، طرق بمعنى ضرب. والطارق الضارب، وسمي الطريق بهذا الاسم لأن الإنسان يطرقه، ثم سمي هذا الذي يسير في الطريق طارقاً، ثم سمي هذا الذي يسير في الطريق ليلاً هو الطارق، ثم صار كلُّ شيءٍ يأتيك يسمى طارقاً، وفي بعض الأدعية: اللهم إنا نعوذ بك من طوارق الهم، فصار الطارق كل شيء ينتابك، فإذا عممناها ووسعناها كل شيء يطرق هذه النفس، يصل إليها من شيءٍ مادي أو معنوي. فربنا عز وجل يقول:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴾

 إذا قال: وما يدريك، فالله سبحانه وتعالى سوف يدريك، لكنه إذا قال: وما أدراك فهذا شيءٌ لا يستطيع الإنسان أن يحيط به، نحن على كوكبٍ من هذه الكواكب فأنَّى لنا أن نعرف حقيقة النجوم وعددها ومساراتها؟ إننا نعرف ما يسمح الله لنا به، وما سوى ذلك فموكولٌ إلى علم الله عزَّ وجل.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ* النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾

 انظر إذا كان هناك ظلام دامس فالنجم قد يثقب هذا الظلام فيكشف حقيقته، والضوء يثقب الظلام نقول: قطع السكون هذا الصوت، وثقب الضوء هذا الظلام.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ* النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾

 هذا هو القسم أين المقسم به؟ المقسم به:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ*النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾

التناسب بين القسم وبين موضوعه تناسب ضروري :

 ما موضوع القسم؟

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 قال بعضهم: يجب أن يكون هناك تناسب بين القسم وبين موضوعه، بين المقسم به وبين المقسم عليه:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ*النَّجْمُ الثَّاقِبُ*إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 جواب القسم:

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 ما هو الحفظ؟ من معاني الحفظ الرعاية والعناية، ومن معاني الحفظ الرقابة والرصد، فيا ترى أيُّ المعنيين في هذه الآية أقرب إلى السياق:

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

(لمَّا) في القرآن الكريم لها ثلاثة معانٍ :

 ما هذا التركيب؟ وما معنى لما؟، (لمَّا) في القرآن الكريم لها ثلاثة معانٍ:

1 ـ (لمَّا) حرف نفي تنفي الماضي ويمتد هذا النفي إلى الزمن الحاضر :

 المعنى الأول: ربنا عز وجل يقول:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 14 ]

 إذاً (لمَّا) حرف نفي تنفي الماضي ويمتد هذا النفي إلى الزمن الحاضر، أي إذا قلنا لما يحضر المدرِّس، أي لم يحضر، وإلى الآن لم يحضر لكن حضوره متوقع، فهذا معنى (لمَّا) بالضبط والآية واضحة:

﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 14 ]

 أي حتى الآن لم يدخل الإيمان في قلوبكم.

 

2 ـ(لمَّا) حرف وجود لوجود :

 المعنى الثاني من معاني (لمَّا) قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 76 ]

 قال: هي حرف وجود لوجود، أي تبيّن وجود شيء لوجود شيءٍ آخر، متى بخلوا؟ لما آتاهم من فضله.

 

3 ـ (لمَّا) بمعنى إلا :

 المعنى الثالث، والذي تعنيه هذه الآية حرف استثناء، وإن مخففة، وهي حرف نفي، أي ما من نفسٍ إلا عليها حافظ، لم يعد هناك خلوة، وأي خلوة هذه، كل نفسٍ عليها من الله رقيب وما من نفسٍ إلا والله رقيبٌ عليها، وما من نفسٍ إلا والله يرصد حركاتها وسكناتها:

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 إن أي ما، (إن كل نفس لمّا): إلا، بمعنى إلا عليها حافظ.

أحد مراتب الإيمان أن تشعر أن الله يراقبك فلم تعد هناك خلوة :

 هل هناك فرق بين لها حافظ وعليها حافظ؟ هناك فرق كبير، إذا قلنا: لها حافظ، أي هذا الحفظ حفظ الرعاية، وإذا قلنا: عليها حافظ، فهذا حفظ الرقابة، إذاً فالإنسان تحت رقابة الله عزَّ وجلَّ، وبعض الصوفيين قالوا: هذا مقام المراقبة، أحد مراتب الإيمان أن تشعر أن الله يراقبك، فلم تعد هناك خلوة، قال رسول الله صلى الله عيه وسلم:

(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))

[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]

 يا ترى نحن كفهم تطبيقي لهذه الآية، هل يحس أحدنا في خلوته وفي جلوته، في بيته وفي غرفته، وفي عمله وحده ومع الناس أن الله عليه حافظ؟ أي رقيب، فكأن رقابة الله عزَّ وجلَّ مستمدةٌ من عظمة الخلق، كما قلت قبل قليل لا بدَّ من انسجامٍ بين المقسم به والمقسم عليه، بين القسم وموضوع القسم:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ*النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾

 المقسم عليه هو:

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 أي أن هذه الآية ينبغي أن تأخذ منا مأخذاً كبيراً، إذا شعر الإنسان أن الله شهيدٌ عليه ورقيبٌ عليه وبالمرصاد انتهت المشاكل كلها، لماذا انتهت؟ لأنه سوف يستقيم، وإذا استقام سوف يقبل على الله عزَّ وجلَّ، وإذا أقبل عليه سعد به، فهذا قانون إن رأيت الله رقيباً خشيته واستقمت على أمره، وإن استقمت على أمره أقبلت عليه وسعدت بقربه، هذا هو كلُّ الدين، وإن رأيته بعيداً لا يرى تصرفاتك ولا يطَّلع على خائنة الأعين، يعلم خائنة الأعين.

الله سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور :

 أي إذا الإنسان دخل بيت صديقه وتركه في الغرفة وحيداً وخرج، وشعر هذا الضيف أن هناك حركةً أمام الباب فنظر، طبعاً المؤمن لا ينظر لعلها تكون امرأةً أو أخته أو أمه، هو نظر، مَن عَلِم بهذا النظر؟ لا يعلم إلا الله، امرأة أمام طبيب يفحصها نظر إلى مكانٍ من جسمها لا تشكو منه، من يعلم هذا؟ الله سبحانه وتعالى، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، فالذي يعلمه الله لا يمكن لمخلوقٍ على وجه الأرض أن يحاسبك عليه، لكن الله يحاسبك عليه هو وحده يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالإنسان إذا آمن بهذه الآية ومدلولها ومضمونها أن كل نفسٍ:

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 أعمالها كلها مكتوبة على صفحة، حركاتها، ونياتها، ونوازعها، وما تضمر وما تبطن، وما تسر وما تعلن، وما تقول وما تفعل، كله تحت رقابة الله عزَّ وجلّ:

﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

[ سورة المجادلة: 6 ]

 إذا بلغت هذه المرتبة فأنت مؤمن، لأنك استقمت حتماً، فالإنسان أمام الناس هل يفعل فعلاً يستحي منه أو يخجل، فإذا كنت تجلس أمام إنسان ممكن أن تضع يدك في أنفك؟ تخجل، فإذا كنت أمام إنسان عادي تخجل أن يفعل شيئاً لا يليق، فكيف إذا كنت تحت رقابة الله عزَّ وجلَّ؟!!

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 فربنا عزَّ وجلَّ قال:

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾

[ سورة الأحزاب:52]

الكون تجسيدٌ لأسماء الله الحسنى :

 ما العلاقة بين المقسم عليه والمقسم به؟ كيف أنّ النجم يثقب الظلام ويكشف أسرار الليل وكذلك الله عزَّ وجلَّ يكشف ما كمن في هذه النفس، وما أضمره الإنسان في نفسه، كما أنَّ النجم يثقب الظلام كذلك الله عزَّ وجلَّ يكشف خبايا النفوس، ويكشف خواطرها ونوازعها وميولها ونياتها وما تعلن وما تضمر.

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 أي كأن آية:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

 شملت الكون كله، السماء أي الفضاء، والطارق النجم، والكون فضاءاً ونجوماً، وأشكالها وحجومها وأبعادها وقوامها ومادتها، فهذا نجم غازي، وهذا ملتهب، وهذا نجم بارد، وهذا صلب، وهذا كبير، وهذا صغير، وهذا مفتت، وهذا غير مفتت، هذا سرعته ثلاثون كيلو متر في الثانية مثلاً أي سرعة الأرض حول الشمس، والشمس مئتان وأربعون ألف كيلو متر في الثانية حول مركزها في المجرة، وسرعة النجوم وأحجامها وأشكالها كلها منطوية بكلمة:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

 هذا الكون، الكون تجسيدٌ لأسماء الله الحسنى، فإذا أردت أن تعرف طرفاً من علمه فكّر في الكون، علم هائل، وهذه الأرض بميل محورها، ما هذا الميل؟! قبل ميل المحور بدورانها تشكل الليل والنهار، ولولا دورانها لما كان ليلٌ ونهار، وإذا كانت لا تدور فمعنى ذلك أن النهار ثابت والليل ثابت، وإذا النهار ثابت أي الحرارة مئتان وخمسون فوق الصفر فهذه حياة مستحيلة، وإذا الليل ثابت فالحرارة ثلاثمئة وخمسون تحت الصفر، أيضاً فالحياة مستحيلة، بدورانها تشكّل تنوع الليل والنهار على سطحها.
 لولا الهواء، الهواء جهاز تكييف، أيضاً والحرارة ترتفع إلى درجة قاتلة وتهبط إلى درجة قاتلة، أما الهواء فيعدل الحرارة، إذاً الهواء من آيات الله، والهواء ينقل الصوت والحرارة والبرودة والضوء ويفعل انتثاراً للضوء، فالهواء له ميزات كبيرة جداً.

لا يستخفُّ برقابة الله عزَّ وجلَّ إلا الجاهل والأحمق فنحن مراقبون من قبلِ المولى :

 الآن إذا كان المحور ليس مائلاً فكل منطقة على وجه الأرض لها فصلٌ ثابتٌ إلى أبد الآبدين، فهذه المنطقة صيف، وهذه ربيع، وهذه شتاء، وهذه خريف، لكن بميل المحور تبدَّلت الفصول على وجه الأرض فأصبح لكل منطقة في الأرض صيف وشتاء وخريف وربيع، ومن تبدُّل الفصول أمكن للنبات أن ينمو، وأن يثمر وأن نأكل منه، إذاً ميل المحور لو مال المحور تسعين درجة حتى أصبح موازياً لمستوي الدوران، كأن الأرض لا تدور، فالدوران هكذا، والشمس من هنا، ونصف الكرة يتمتع بأشعة الشمس دائماً، ونصفها الثاني محرومٌ من أشعة الشمس دائماً، فآيات دقيقة جداً، فهذه:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ*النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾

 بقدر ما في هذه الآيات من عظمة، فهناك رقابة الله علينا من حساب، لا يستخفُّ برقابة الله عزَّ وجلَّ إلا الجاهل والأحمق والغبي، فنحن مراقبون من قبلِ المولى عزَّ وجلَّ:

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 توجد آيات أخرى قال الله تعالى:

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة الانفطار:10-12 ]

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾

[ سورة الأحزاب:52]

رأس الحكمة مخافة الله :

 هذه آية ثالثة، كلٌّ هذه المعاني تتلاقى مع هذه الآية:

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾

 لذلك شخص سأل شيخاً عن معصية الله عز وجل، فقال له هذا الشيخ – وهو إبراهيم بن الأدهم - مقولة غير مقبولة إطلاقاً، قال: اعصِ الله ما شئت ولكن إذا عصيت الله فاحرص على ألا تسكن أرضه، قال له: وأين أسكن إذاً؟ قال له: تسكن أرضه وتعصيه؟ قال له: هات الثانية، قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل رزقه، قال له: وماذا آكل إذاً؟ قال له: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه!! قال له: هات الثالثة، قال له: إذا أردت أن تعصيه فاجهد أن تعصيه في مكانٍ لا يراك فيه، قال له: وما في الأرض من مكانٍ إلا وهو يراني فيه! قال له: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه وهو يراك!! قال له: هات الرابعة، قال له: إذا أردت أن تعصيه، وجاءك ملك الموت فلا تذهب معه، قل له: لا أريد أن أموت، قال له: هذا لا يكون، قال له: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تمنع نفسك عن ملك الموت!!! قال له: هات الخامسة، قال له: إذا مت وجاءك الزبانية ليأخذوك إلى النار، فلا تذهب معهم، قال له: لا أستطيع، أعاد له: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه وهو يراك ولا تستطيع أن تمنع نفسك عن ملك الموت ولا عن زبانية جهنم!!!! قال له: كفيت.
 فمن يعصي الله؟‍‍ الجاهل، لا يعصي الله إلا إنسان ليس عنده معرفة بالله، أنا أضرب مثلاً دائماً، أحياناً يوجد شق بالجسر، يرى الشق مهندس، فيقول لك: البناء خطر، يجب أن يخلى فوراً، يراه دهَّان، يقول لك: هذا الشق يحتاج إلى معجون، أسويه لك إن شاء الله، بين كلمة يحتاج إلى معجون، وبين كلمة بناء خطر يجب أن يخلى فوراً مسافة كبيرة، لماذا يجب أن يخلى فوراً؟ لأنه صار هناك قلق من هبوط البناء، فما الذي أعلم بالهبوط؟ العلم، بقدر علمك بقدر خشيتك، وبقدر علمك بقدر خوفك من الله عزَّ وجلَّ، ولذلك رأس الحكمة مخافة الله، قال عليه الصلاة والسلام:

((...أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له...))

[متفق عليه عن أنس ]

أكثر خلق الله خوفاً من الله رسول الله :

 كيف مقدار خوف المؤمن من الله؟ أكثر خلق الله خوفاً من الله رسول الله، في معركة بدر بعد أن قتل صناديد الكفر، وكانوا في القليب، اللهم صلِّ عليه خاطبهم قائلاً: يا فلان يا فلان، سماهم بأسمائهم واحداً واحداً، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، لقد كذبتموني وصدقني الناس، وآذيتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس- أعادها لهم مرةً أخرى - فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا!! إنهم أصبحوا جيفاً أتكلِّمهم؟! قال: ما أنتم بأسمع لي منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني، قرأت حول هذه القصة إضافةً قال بعضهم: يا رسول الله مَثِّل بهم، إنهم أخرجونا وقتلوا أخواننا وعذبونا، فقال عليه الصلاة والسلام: لا أُمَثُّلُ بهم فيمثِّل الله بي ولو كنت نبياً، كان عند النبي خادم أرسله في حاجة فأبطأ كثيراً، فقال له حينما عاد: أين كنت؟ فقال له: كنت في مكان كذا وكذا، وكان النبي غضبان فقال عليه الصلاة والسلام: والله لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك.
 سمع من السيدة عائشة أنها قالت عن أختها صفية رضي الله عنها أنها قصيرة، فقال:

(( يا عائشة، لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ))

[ أبو داود عن عائشة ]

 كم كان عليه الصلاة والسلام يراعي خاطر الناس، فما واجه أحداً بما يكره، فأشدكم لله خشية أنا، قال:

((...أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 هذا الحديث يجعلنا نتساءل لو أن إنساناً اعتزل، ونأى بشعب، أو ببيته:

((...أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أي لا رهبانية في الإسلام.

قيمة العمل في الإسلام :

 أحياناً يوجد هروب من الحياة، ويوجد مواجهة لمشكلاتها، فالهروب ليس بطولةً، ليس بطولةً أن تجلس في صومعةٍ في رأس الجبل وتعبد الله، ولكن البطولة أن تعبده وأنت في السوق، وأنت في زحمة الحياة، وأنت تبيع وتشتري، فالمؤمن يألف ويؤلف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف، فهذه البطولة، البطولة أن تتزوج وأن تأخذ بيد زوجتك إلى الله، البطولة أن تنجب أولاداً وأن تنشِّئهم في طاعة الله، هذه هي البطولة، فالأسلوب الأول أسلوب هروب من الحياة، ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يتزود منهما معاً فإن الأولى مطيةٌ للثانية، الآخرة تحتاج لإنفاق، إذاً يجب أن تكسب المال من وجه حلال، والآخرة تحتاج إلى العمل الصالح، إذاً يجوز أن يكون تأسيس أسرة عملاً صالحاً، فالنبي الكريم اللهم صلِّ عليه له أحاديث كثيرة يمجِّد فيها العمل، فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً وحفظ ماء وجهه من السؤال فهذا العمل عبادة، يقول سيدنا عمر: إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني. ومما يروى أن سيدنا عمر رأى رجلاً يقرأ القرآن في النهار فقال: إنما أُنزِل هذا القرآن ليعمل به، أفتخذت قراءته عملاً؟ اقرأه في الليل، والصحابة الكرام كانوا فرساناً في النهار رهباناً في الليل، وقيمة المرء ما يحسنه، فيجب أن يكون لك حرفة أو اختصاص أو عمل تنفع به المسلمين، وأن تكون مع هذا العمل متقياً لله وعالماً بأمر الله وداعيةً إلى الله، وسيدنا الصديق كان بزازاً أي كان تاجر أقمشة، وسيدنا أبو عبيدة كان جزّاراً، كان أمين هذه الأمة.

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ*فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

 هنا النظر ليس نظر رؤية ولكن نظر تفكُّر، ليس الأمر الإلهي في النظر هنا نظر رؤية، العين هذه لا ترى مم خلق، ولكن الفكر يرى:

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ*فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

السبب والمسبب :

 ما قال الله عزَّ وجلَّ: من ماءٍ مدفوقٍ، إذا كان مدفوقاً أي بإرادتك دفقه أو عدم دفقه، لكن الدفق جاء على وزن اسم الفاعل، أي الماء دافق أي ليس بإرادتك أن تدفقه أو ألا تدفقه، هذا الماء أي أكثر من ثلاثمئة مليون ملْيون حيواناً منوياً يدفق الإنسان، والبويضة تحتاج إلى حيوان منوي واحد، حكمة الله عزَّ وجلَّ لا حدود لها، أي الإنسان يخرج منه هذا الماء ما دام حياً، لكن الله لحكمةٍ بالغة أودع في مبيض المرأة عدداً محدداً من البويضات، كل شهر تخرج بويضة من المبيض فإذا بلغت المرأة سن اليأس فمعنى ذلك أن البويضات انتهت، في السابع والثلاثين، أو في الثماني والثلاثين، أو في الواحدة والأربعين، أو في الثالثة والأربعين، أو أربعين، لها عدد محدود، فلو كان المبيض ينتج بويضات كما ينتج الإنسان هذا الماء ما دام حياً فمعنى ذلك أن الحمل يكون في السبعين للمرأة أو في الثمانين، يكون عمرها خمساً وثمانين وهي في الشهر الرابع، إذ لم يعد هناك إمكانيةً لأن تربي ابنها، انظر إلى حكمة ربنا عزَّ وجلَّ:

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ*فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

 أما دقة الآية فليس هذا الماء الدافق هو الذي خلق الإنسان، الخالق هو المسبب، مسبب الأسباب، هذا الماء هو السبب، ولكن ربنا عزَّ وجلَّ هكذا جعل الترتيب، أن هناك ذكراً وهناك أنثى، وتزاوجاً وحيوانات منوية ومبيضاً ورحماً وتكوّناً، لكن ربنا عزَّ وجلَّ لحكمةٍ بالغة يريد أن يقول لنا: أنا الخالق، وهذا آدم خلق بلا أب ولا أم، ولا ذكر ولا أنثى، ولا بحيوانات منوية ولا مبيض ولا رحم، إذاً استنبط العلماء أن الماء الدافق هو سببٌ لكن الخالق هو الله عز‍َّ وجلَّ، الخالق هو المسبب والماء هو السبب، والدليل أن آدم عليه السلام خلق بلا أبٍ ولا أم.
 كم حالة توجد؟ إذا كان الإنسان يأتي من أب وأم، عندنا هناك أربع حالات: إما أن يأتي من أبٍ وأم شأنه كشأن ألوف الملايين من البشر، وإما أن يأتي بلا أب ولا أم وهو سيدنا آدم عليه السلام، وإما أن يأتي من أمٍ بلا أب كالسيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وإما أن يكون أم وأب ولا تنجب هذه الأم، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قدير ﴾

[ سورة الشورى: 49-50]

خلق الإنسان من آيات الله الدالة على عظمته :

 إذاً مع وجود الأب والأم قد لا يحدث الإنجاب، وأحياناً يكون ملك لا يترك مكاناً في العالم لكي ينجب ولداً فلا يستطيع، فالطب كله في خدمته، وحصل هذا:

﴿ وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً ﴾

 بأب وأم لا يوجد إنجاب، فإنسان بلا أب ولا أم، وإنسان من أم بلا أب، وربنا عزَّ وجلَّ كلما حدثنا عن السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة السلام مهد لنا الحديث عن سيدنا يحيى، امرأة عاقر لا تنجب، تجاوزت سن اليأس ومع ذلك أنجبت، أي كما يدخل إنسان من غرفة معتدلة، إلى غرفة حارة.

﴿ فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ*خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ*يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾

 طبعاً السيدة حواء من سيدنا آدم، بعض العلماء قالوا: هذا الماء الدافق، معصَّب، أي مركز الإثارة العصبية من الصلب من الظهر، ومركز الخروج من عظمي الحوض، الترائب، وبعضهم فسَّر هذه الآية، أن البويضة تخرج من مكان قريبٍ من صدر المرأة من عظام الترائب، وأن الماء يخرج تعصيباً، أي المؤثر العصبي، من مكانٍ في الصلب، أي في الظهر، فهذا الماء الدافق:

﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ*إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾

 أي هذه العظمة أن هذا الحيوان يوجد له رأس مكور وله عنق حلزوني وله ذنَّب، يتحرك فإذا وصل إلى البويضة، فالبويضة يوجد حولها مئتان وخمسون مليون حيوان، فتنتقي هذه البويضة أقوى هذه الحيوانات فكيف تنتقي هذا الحيوان المنوي؟! ترقق الجدار الذي هو تجاهها، فيدخل الحيوان ويتخلى عن ذنبه وعن عنقه، ويحدث التلقيح، والتلقيح كما تعلمون هذه الخلية المذكرة، والخلية المؤنثة عبارة عن سائل اسمه هيلولة، ونواة، وبالنواة فيها المورِّثات، والمورثات ثلاثة وعشرون زوجاً، تحمل خمسة آلاف مليون صفة، تحمل هذه المورِّثات فتجد أن هذا الابن إذا كان الأب له في أكتافه شعر كثيف، فالابن كذلك وحجم الجمجمة وشكلها وخطوطها وملامحها ولون العينين ونوع الحاجبين ونوع الأنف ونوع الجبهة ونوع الخد ونوع الشعر وطول العنق وطول الإنسان ولون الجلد، فخمسة آلاف مليون صفة تحمل هذه المورِّثات، هذه المورِّثات المذكَّرة تتزاوج مع المورِّثات المؤنثة.

من آمن بالله حق الإيمان صدَّق ما جاء به القرآن :

 الآن إذا كان في هذا التزاوج تباعد نسبي، فالأقوى يغلب الأضعف. ولو فرضنا بالخلية المذكرة الكبد قوي، وبالخلية المؤنثة الكبد ضعيف، فيأتي الجنين ذا كبدٍ قوي لأن الأقوى غلب، أما إذا وجد قرابة بالنسب فهذا الضعف يزداد. ولذلك: اغتربوا لا تضووا، لا تضعفوا، أي أن الإنسان إذا تزوج امرأة بعيدة عنه نسباً فهذا من عوامل قوة النسل وتغلُّب الصفات القوية على الصفات الضعيفة:

﴿ فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ*يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ*إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾

 الحقيقة الإيمان باليوم الآخر له علاقة بالإيمان بالله، ومن لوازم الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر، لأن من آمن بالله حق الإيمان صدَّق ما جاء به القرآن، فهذا الخلق المعجز من الممكن أن يعيده الله كرةً أخرى:

﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾

 فالحقيقة لكن متى:

﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

أهمية الإخلاص في النية :

 ورد أن بعض قراء القرآن يقفون يوم القيامة ويقولون: يا رب لقد قرأنا القرآن في سبيلك، يقال: كذبتم قرأتم ليقال عنكم كذا وكذا وقد قيل، العلماء، قرَّاء القرآن، المجاهدون:

﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾

 أي ربنا عزَّ وجلَّ قال:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 132]

 لعل تفيد الترقُّب، أي إذا كان هناك إخلاص ترحمون، وإذا لم يكن هناك إخلاص، هناك من يبتغي الدنيا بالدين:

﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾

 جميع النيات غير المشرِّفة سوف تظهر على حقيقتها، فالإنسان يخلص، يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل، دينك ديْنك يا بن عمر إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، درهمٌ أنفق في إخلاص خير من مئة ألف درهم أُنفقت في رياء، فالإنسان ينتبه إلى الإخلاص:

﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾

 جميع النيات التي لا ترضي الله سوف تنكشف على حقيقتها في هذا اليوم، فالإنسان يحاول أن ينقّي سريرته من الشرك، ومن النيات التي لا ترضي الله عزَّ وجلَّ:

(( مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ, وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ))

[ورد في الأثر]