الدرس : 2 - سورة المطففين - تفسير الآيات 07 – 36 ، الأبرار يتنعمون في الجنة بتجليات الله عزَّ وجل

1984-11-02

الكتاب هو صفحة أعمال الإنسان وكل إنسان له صفحة أعمال :

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ*وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ*الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ *وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ* كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ*كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ* ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ*كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾

 صار الكتاب هو صفحة أعمال الإنسان، وكل إنسان له صفحة أعمال، وفي التنظيمات الإدارية الحديثة كل موظَّف له إضبارة، كتب الشكر في سجلِّه صورةٌ عنها، وكتب العقوبات في سجلِّه صورةٌ عنها، والتوبيخات والتحذيرات والإنذارات والمكافآت كلها هناك صور عنها.

صفحات هذا الكتاب مرقَّمة ومضبوطة لا تُنسَى منه صفحةٌ واحدة :

 إنسان عادي من الناس حينما نظَّم الأمور جعل لكل موظف سجلاًّ يشهد على أعماله الطيّبة وأعماله السيِّئة، ففي حالة الترفيعات أو البعثات أو المهمات يلقون نظرة على سجله. فإذا كان الإنسان نظَّم هذا التنظيم فليس عجباً أنّ رب العالمين جعل لكل إنسان كتاباً، وفي كتابه هذا أعماله كلُّها، صحيحها وفاسدها، الأعمال السامية والأعمال المنحطة، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، وما من حركةٍ ولا من سكنةٍ، ولا من عملٍ صالح ولا عملٍ سيّئ، ولا مخالفةٍ ولا معصيةٍ، ولا صدقةٍ ولا زكاةٍ إلا في هذا الكتاب:

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

[ سورة الإسراء: 14]

 إن طفح هذا الكتاب بالأعمال الصالحة يقود صاحبه إلى الجنة، وإن طفح هذا الكتاب بالأعمال السيِّئة قاد صاحبه إلى النار، فالآيات الأولى:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾

 أي صفحاته مرقَّمة ومضبوطة لا تُنسَى منه صفحةٌ واحدة، ولا تضاف صفحةٌ تزويراً، ولا تنزع منه صفحةٌ واحدة، لا تزويراً ولا تستيراً:

﴿ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾

 ومرقوم أيضاً أعماله كلُّها مصوَّرة، فالخبر عن العمل شيء وصورته شيء أبلغ، فإذا ارتكب الإنسان مخالفة، وقيل له: أنت خالفت، وهذه المخالفة بكتاب رسمي هذا خبر، أما إذا قدِّمت له صورةٌ وهو يخالف فالصورة أبلغ، مرقومٌ في صفحاته، ومرقومٌ في صوره.

من علامة المكذبين أنَّهم لا يعبؤون بآيات الله عزَّ وجل ولا بقوانينه :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ*وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ*الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ *وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾

 هذا الترابط المستمر بين التكذيب بالدين والعمل السيِّئ:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

[ سورة الماعون: 1-2]

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة القصص: 50]

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 أي أن من علامة المكذبين أنَّهم لا يعبؤون بآيات الله عزَّ وجل ولا بقوانينه، ولا بنظمه، ولا بآياته القرآنية، ولا بتشريعاته.

 

غير المؤمن محجوب عن رؤية الله عز وجل حجاب رؤيةٍ وحجاب إهانة :

 قال تعالى:

﴿ قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ* كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

 كلُّ عملٍ سيِّئ يشكل غشاوةٌ تلقى على القلب، ثم غشاوة فوق غشاوة، إلى أن يصبح الرَّان، أي غشاوةٌ سميكةٌ لا يمكن خرقها..

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ*كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

 هؤلاء محجوبون حجاب رؤيةٍ وحجاب إهانة، لذلك فإنّ المؤمن يرى الله عزَّ وجل رأي العين يوم القيامة أما غير المؤمن فمحجوب عن رؤيته حجاب رؤيةٍ وحجاب إهانة:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ*ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ*ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾

 القرآن الكريم فيه توازن، أي أنه إذا بثَّ في نفوسنا الخوف والوجل والذعر في الوقت نفسه يطمئننا إلى أنَّ المستقيم المحسن المؤمن له عند الله مصيرٌ سعيد، فربنا قال:

﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى*لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴾

[سورة الليل: 14- 15 ]

 هذه النار لا يصلاها الناس اعتباطاً، لا يصلاها إلا الأشقى.. فهذا تركيب حصري قصري، الأشقياء وحدهم يصلون النار.

 

الإنسان إما أن يكون براً وإما أن يكون فاجراً شقياً :

 

 كذلك هنا ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾

 فقد يكون مَحْضَرُ الجريمة مودع في القصر العدلي، وفي القصر العدلي زنزانة، وقد ينتقل منها إلى السجن، لكن في الجامعات سجل للطلاب الأوائل، فكتاب الأبرار، أيْ من مكانه تعرف مضمونه، مكانه في عليِّين، أي في الجنة، يحفظ كتاب الأبرار في عليين، فإذا كان الكتاب في الجنة فأين صاحبه؟ في الجنة قطعاً:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾

 والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((الناس رجلان برٌ تقيٌ كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقيٌ هيّنٌ على الله))

[ابن أبي حاتم عن حذيفة]

 فالإنسان إما أن يكون براً وإما أن يكون فاجراً شريراً شقياً، الأبرار جمع بَر، وهناك بِر، فهذه الكلمة مثلثة، ومعنى مثلثة أيْ أنّ الباء تكتب وتلفظ بالضم والفتح والكسر، البُر القمح، والبَر العمل الصالح وكذلك اليابسة، والبِر الإحسان:

﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الطور:28]

 البِر الإحسان، بالبِرِّ يستعبد الحر، والبَر اليابسة، والبَر أيضاً الإنسان الطيِّب، والبُر القمح، والأبرار جمع بَر، أي الإنسان الطيِّب، الطاهر، النقي، المحسن، صاحب الوفاء، صاحب المروءة، صاحب الحلم، الذي يعفو، الذي يرحم، المنصف، المتواضع، ليس فيه كِبر، ليس لديه استعلاء، ليس عنده حقد، ولا حسد، هذا هو البَر، كتاب الأبرار أي سجل أعمالهم في الجنة منشور.

أبواب الأعمال الصالحة التي لا تحتاج إلى إنفاق واسعةٌ جداً لا تُحصى ولا تُعدّ :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ*يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾

 كذلك هذا الكتاب مرقوم، صفحاته مرقَّمة، وصفحاته مصوَّرة، كل عمل صالح فيه صورته، أي كأنَّ هذا الكتاب ينطق بعمل الإنسان في الدنيا، في اليوم الفلاني وفي التاريخ الفلاني أغاث إنساناً، في اليوم الفلاني عاد مريضاً، في اليوم الفلاني دعا إلى الله، في اليوم الفلاني كان براً بوالدته، في اليوم الفلاني أنقذ غريقاً، في اليوم الفلاني دفع من ماله لبناء مسجد، فهذه الأعمال الطيبة من صلاة، من صوم، من حج، من زكاة، من حضور مجالس علم، من دعوة إلى الله، من ذكر لله، من معاونة للناس، من إنفاق أموال، من بناء مساجد، من بناء دور للأيتام، من إصلاح بين زوجين، من إصلاح بين شريكين، فالأعمال الصالحة لا تُعدُّ ولا تحصى واسعةً جداً، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((إنَّكم لن تسعوا بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم))

[البزار في مسنده]

 أي أنَّ أبواب الأعمال الصالحة التي لا تحتاج إلى إنفاق واسعةٌ جداً لا تُحصى ولا تُعدّ:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ*كِتَابٌ مَرْقُوم ﴾

 هذا الكتاب المرقوم:

﴿ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾

 ورد في بعض الأحاديث: أن الإنسان يوم القيامة ينظر إلى لقمة أطعمها في سبيل الله فيراها كجبل أحد، لأن العظيم يكافئ على الصغائر فكيف بالكبائر؟ فصغائر الأعمال يكافئُ عليها، أما جلائل الأعمال فيكافئُ عليها وزيادة، فقد قال تعالى:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

[ سورة يونس: 26 ]

لو قرأنا القرآن الكريم لشعرنا أن الله سبحانه وتعالى يطمئننا :

 قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[سورة النور: 55]

 هذا وعد إلهي وقال تعالى:

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[سورة النساء:77]

﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾

[سورة آل عمران:115]

﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[سورة الأنفال:60]

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة البقرة:143]

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ ﴾

[سورة التوبة:115]

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾

[ سورة النساء:124 ]

﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾

[ سورة محمد:35 ]

إذا عرفتَ الله عزَّ وجلَّ فأنت موعود بالخير في الدنيا والآخرة :

 لو قرأت القرآن الكريم لشعرتَ أن الله سبحانه وتعالى يطمئننا، وقد قال الله تعالى:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

 لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا من خير، أي إذا عرفتَ الله عزَّ وجلَّ فأنت موعود بالخير في الدنيا والآخرة، اطمئن فلن تلد الأيام إلا الخيرات، أما أهل الدنيا فلن تلد الأيام لهم إلا المصائب، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْراً مُنْسِياً أَوْ غِنًى مُطْغِياً أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً أَوْ هَرَماً مُفَنِّداً أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

 ليس هذا الكلام للمؤمنين، لا، هذا الكلام لمن أدار ظهره للدين، هذا الكلام لأهل الدنيا، لمن آمنوا بالدنيا، لمن جعلوها أكبر همهم ومبلغ علمهم، لمن تنافسوا عليها، وعصوا الله من أجلها، هذا الكلام لمن لم يبالِ بوعد الله ووعيده، قال عليه الصلاة والسلام:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْراً مُنْسِياً أَوْ غِنًى مُطْغِياً أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً أَوْ هَرَماً مُفَنِّداً أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

كتاب الأبرار في أعلى درجات الجنة :

 إذاً ربنا عزَّ وجلَّ قال:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾

 أي هذا الكتاب في أعلى درجات الجنة..

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ* يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾

 قال بعض المفسرين: المقربون هم الملائكة، وقال بعضهم: المؤمنون، أي هذا الكتاب خاضع للنشر، أي منشور، فإذا عمِل الإنسان عملاً طيباً، فهذا العمل الطيب ينشر في جريدة، أجل الأعمال السيئة تبقى محفوظة في سجلات في المحاكم، وفي دوائر الشرطة، وفي بعض الأماكن الخاصة، أما الأعمال الطيبة فتُنشر، فهذا الكتاب:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ *كِتَابٌ مَرْقُومٌ*يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ*إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

 المطلق على إطلاقه، الأبرار جمع بَرّ، وهو الإنسان الطاهر الطيب، كما قال عليه الصلاة والسلام:

((الناس رجلان برٌ تقيٌ كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقيٌ هيّنٌ على الله))

[ابن أبي حاتم عن حذيفة]

بمجرد أن نتوب توبةً نصوحاً فإننا ندخل في النعيم :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

 في نعيمٍ منذ أن عرفوا الله، يبدأ هذا النعيم منذ التوبة النصوح، وهذا الكلام موجَّهٌ لنا جميعاً، بمجرد أن تتوب توبةً نصوحاً فإنك تدخل في النعيم، نعيم القرب، نعيم الطمأنينة، نعيم الثقة بالله عزَّ وجلَّ، نعيم أنك من عباده المخلصين، نعيم أنك بأعين الله عزَّ وجلَّ:

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور: 48 ]

 نعيم الحفظ الإلهي:

﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 64 ]

 نعيم أن الله يدافع عنك:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الحج: 38 ]

 نعيم المودة مع الله عزَّ وجلَّ:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

[سورة مريم: 96]

 هذا هو النعيم، نعيم القرب، نعيم التجلي الإلهي، نعيم الثقة بالله.

الإنسان إذا عرف الله عزَّ وجلَّ يهون عليه كلُّ شيء ويحتقر كلُّ شيء سواه :

 إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتَّقِ الله، من هاب الله هابه كل شيء، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عن مالنا كنا له ومالنا.

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا  فإنا منحنا بالرضى من أحبنــا
ولذ بحمانا و احتمِ بجنابنــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنــا
وعن ذكرنا لا يشغلنَّك شاغلٌ  وأخلص لنا تلقَ المسرة و الهنـا
* * *

 هذا النعيم في قلب المؤمن ما لو شُقَّ عليه وعاينه الناس لحسدوه جميعاً، وكما قال أبو يزيد البسطامي: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف.

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

 حتى إن بعضهم يفسر قوله عليه الصلاة والسلام:

(( أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ ))

[الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف]

 أي الآن في الجنة قبل أن يموت، أي في سعادة وأي سعادة أعظم من أن ترى أنك قد اهتديت إلى الله، ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء وأن فتك فاتك كلُّ شيء وأنا أحبُّ إليك من كل شيء.
 أي إذا كان معك دفتر شيكات مفتوح ضع أي رقم ووقع، فإنه يُصرف، فهل هذا مثل واحد معه قليل من النقود؟ هذا دفتر وقلم، فتضع رقماً بمئة مليون يُصرف، ألف مليون يُصرف، مئة ألف مليون يُصرف، وبالعملة الصعبة أيضاً، ودفتر شيكات، وليس شيكاً واحداً، وهذا شخص آخر معه قليل من الليرات وسعيد بها، فكيف بصاحب الشيكات؟ والإنسان إذا عرف الله عزَّ وجلَّ يهون عليه كلُّ شيء ويحتقر كلُّ شيء سواه.

المؤمن يسعد بالله عزَّ وجلَّ واللهُ معه أينما كان :

 قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 1-2 ]

 قال بعض المفسرين: اللغو كلُّ ما سوى الله عزَّ وجلَّ، كلُّ ما سوى الله لغو، لأنه سوف يُلغى، البناء يلغى إما بالموت أو يوم القيامة يلغى، الأبنية الشامخة متى تلغى؟ إما بموت صاحبها أو بزلزال أو يوم القيامة، الشمس تكوَّر، النجوم تبعثر، الجبال تسيَّر:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[سورة الرحمن: 26-27]

إذاً:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

 حتى لا يقع الإنسان في وهم، إذا كنت باراً فيجب أن تكون في نعيم، أنا أحياناً ألتقي مع أخ مؤمن يقول لي: إني مسرور جداً، والله كأنني أعيش في جنّة، صدقت، هذا هو الإيمان، أما خلاف ذلك لست مؤمناً، من علامة إيمانك أنك سعيد في كلِّ الظروف، وأنت وسط الأزمة، وأزمات العصر الحديث كثيرة جداً، أزمات السكن، وأزمات دَخْل، أزمات أعمال، أزمات مواد أولية، وأزمات كثيرة جداً، فإذا كنت مؤمناً فأنت سعيد في كلِّ الظروف، لأن السعادة لا تأتيك من الخارج، بل تأتي من الداخل.
 أهل الدنيا يسعدون بالمال، يسعدون بوسائل الرفاه، يسعدون بالبيوت، يسعدون بالدخل الكبير، يسعدون بالطعام اللذيذ الشهي، يسعدون باللباس الأنيق، يسعدون بالمكانة الاجتماعية، لكن المؤمن يسعد بالله عزَّ وجلَّ، واللهُ معه أينما كان.

حسن الظن بالله ثمن الجنة :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

فلو شاهدت عيناك من حسننـا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
و لو ذقت من طعم المحبة ذرةً  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
و لو نسمت من قربنا لك نسمةٌ  لمُت غريباً و اشتياقاً لقربنـــا
ولو لاح من أنوارنا لك لائـحٌ  تركت جميع الكائنات لأجلـــنا
فما حبنا سهلٌ ولكن من ادعى سهولته قلنا له: قد جهلتــــنا
* * *

 قال ابن الفارض:

لو قال تيهاً قف على جمر الغضى  لوقفت متمهلاً ولم أتوقـــــف
أو من كان من يرضى بخــدي  موطئاً لوضعته أرضاً ولن أستنكفِ
* * *

 لو قال تيهاً محبوبه.. وهو الله عزَّ وجلّ، لو قال: تيهاً قف على جمر الغضى، وهو أشد أنواع الجمر حرارةً، إنّ الإسلام كله محبة، الإسلام له جسد وله روح، الجسد الصوم والصلاة والحج والزكاة، وهذه الأوامر والنواهي هذا هو الجسد، فكما قال صلى الله عليه وسلم: إن للإسلام مناراً وضياءً، المنار البناء، أما الضياء فهو النور المنبعث من هذا المنار، فالأحوال القلبية والشعور بالقرب من الله عزَّ وجلَّ، والشعور بالطمأنينة، بالرضى، بالراحة، الثقة بالله عزَّ وجلَّ، المؤمن واثق من الله عزَّ وجلَّ لا يخيب ظنه بالله عزَّ وجلَّ، حسن الظن بالله ثمن الجنة.

ربنا سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعل صفحةَ الوجه صفحةً للنفس :

 قال عليه الصلاة والسلام:

(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ ذَكَرْتُهُ فِي ملأ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

[البخاري وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 هذه الأحوال إذا وجدت سعد الإنسان، أما إذا لم توجد، فالإسلام يصبح شيئاً عادياً، يصلي بملل، ويؤدي الزكاة بثقل، ويقوم بالعبادات دون شوق وحرارة، لذلك تجد بعض الناس يقول لك: إن هذا الشخص تديّن، وبعد فترة انقلب على عقبيه؛ فلت وشرد وضاع، طبعاً لأنه لم يتصل بالله عزَّ وجلَّ الصلة الحقيقية، فإنه تدين تديُّناً شكلياً، وهذا الشيء الشكلي مملٌّ، وبعدئذٍ ينتهي:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ*تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾

 هناك وجه شقي وهناك وجه منعَّم، سبحان الله سيدنا عثمان بن عفان كان على المنبر يخطب، فدخل رجل فقال: أيدخل علينا رجلٌ وأثر الزنى بين عينيه؟ فقال له الصحابة: أوحيٌ بعد رسول الله؟ قال: لا ولكنها فراسةٌ صادقة، إنّ عمل الإنسان يظهر على وجهه، هناك وجه بريء، وهو وجه مقبل، وهناك وجه مضيء كمصباح متألق، وكذلك هناك وجه ضوءه خفيف، وهناك أيضاً وجه ضوءه قد انطفأ، وهو وجه فيه شقاء، فيه حقد، كل صفات النفس منطبعةٌ على صفحة الوجه، وربنا سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعل صفحةَ الوجه صفحةً للنفس:

﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو كان حسن الخلق رجلاً يمشي في الناس لكان رجلاً صالحاً، ولو كان سوء الخلق يرى رجلاً يمشي في الناس لكان رجل سوء))

[الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود]

(( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي))

[أحمد عن عَائِشَةَ]

 الوجه الحسن: طبعاً هذا الحديث ليس له علاقة بمواصفات الجمال، فأيُّ وجه أقبل على الله عزَّ وجلَّ تألَّق النور فيه، فسيدنا بلال له وجهٌ يأخذ بالألباب.. نور، أي وجهٍ إذا أقبل على الله عزَّ وجلَّ تألق بنور الله.

طعام أهل الجنة رحيق مختوم أما أهل النار فشرابهم وطعامهم من غسلين :

 قال تعالى:

﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾

 الآن بالمعنى المادي في الدنيا؛ إذا رأيتَ شخصاً يعتني كثيراً بأكله وصحته، واستيقظ من نومه بعد نوم عميق، ثم أكل إلى أن شبع، وترفَّه في الحمامات تجد وجهه مشرقاً، وكأن الدماء تجري في وجهه، أما إذا كان الواحد متعَباً مهموماً تجد حول عينيه دائرة سوداء، وغضوناً واصفراراً، هذا في الدنيا فكيف في الآخرة؟!

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ﴾

 النعيم له نضرة:

﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴾

 قال العلماء: الرحيق شرابٌ نفيس، أما مختوم فله معنيان؛ أول معنى: أن هذا الشراب صنع خصيصاً لهم، وفي زماننا إذا كانت قارورات الشراب غالية جداً فهي مختومة، وتفتحها بمفتاح، لأنها خاصةٌ بك، لا أن تقول للبائع: املأها لنا، فالشراب المختوم أغلى، فهذا لم يقربه أحد، وصنع خصيصاً لك، ولم تقترب منه يدٌ، لأنه مختوم، وبعضهم قال: كلمة مختوم تعني له عقابيل، أي ينتهي برائحة طيبة، فإذا شرب الإنسان كأساً من الماء فيه ماء الزهر، في أثناء الشرب لا يشعر برائحتها، ولكن حينما ينتهي من الشرب خلال ثانية تفوح عليه رائحة ماء زهر، فقال العلماء: هذا الشراب النفيس ختامه مسك، إما أنه مختوم بمادةٍ هي المسك، والختم مسك، أو أنه إذا شربت منه تفوح عليك رائحة المسك، وهذا هو الشراب النفيس، أما أهل النار فشرابهم وطعامهم من غسلين، أي شيء لا يحتمل كراهته طعماً ورائحةً، قال تعالى:

﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴾

[ سورة الغاشية: 6]

التنافس على الآخرة يسعد الناس و التنافس على الدنيا يشقيهم :

 قال تعالى:

﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ*خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

 هذه الآية سبحان الله كلما قرأتها أشعر بمشاعر خاصة، فلو أن الناس تنافسوا في هذا الطريق لسعدوا جميعاً، وإذا تنافسوا على الدنيا لشقوا جميعاً، ويمكن أنْ أقول لك بكلِّ بساطة: كل المآسي البشرية من التنافس على الدنيا؛ على مستوى الأمم، وعلى مستوى الشعوب، التنافس على النفط، وعلى مواطن النفوذ، وعلى المناجم والثروات الباطنية، والتنافس على المغانم، فما يشهده العالم من حروب في العصور الحديثة كله بسبب التنافس على حطام الدنيا، الدنيا جيفة طلابها كلابها، الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له، لو تصورت تنافس الناس في طريق الإيمان لرأيتَه شيئاً لا يوصف، أي كل إنسان يجب أن يخدم أخاه ويؤثره في الدنيا، إنسان أخذ محلاً تجارياً واسعاً، وله أخ ليس له محل، فيقول له: تعال وخذ نصفه، تكون قد حُلَّت المشكلة، عندك بيت زائد عن حاجتك أعطه لمَن لا بيت له، فلو أن الناس تنافسوا في الآخرة لسعدوا جميعاً لكن تنافسوا على الدنيا فشقَوا جميعاً، وربنا عزَّ وجلَّ يقول:

﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

 ففي هذه الموضوعات تنافَسوا، وفي هذا المجال تنافسوا، وتنافسوا في معرفتكم بي، افتخروا بمعرفة الله، بقراءة القرآن، بفهم كتاب الله، بالعمل الطيب.

من أجل سنوات معدودة نضيِّع آخرة أبدية لا تنتهي :

 يقولون: إنّ سيدنا عمر كان يزور امرأة أرملة، فيقدم لها الطعامَ والشرابَ، يطرق بابها فتقول له: والله لقد أتى شخص قبلك، ثم يبكر ساعة فيأتي رجل قبله، فذات مرة صلى الصبح وذهب فرأى سيدنا الصديق قد سبقه.
 فأنت تصور خمسة أشخاص عاشوا في بيت مؤمنين كيف يعيشون ويتنافسون؟ إذا كانت التفاحة كبيرة آثر بها غيره، وكذا المكان الجيد بالغرفة والثاني أيضاً يقابله بمؤاثرة، فإذا كانت حياتنا مجموعة مؤاثرات ومجموعة عطاءات فالحياة تبدو سعيدة جداً..

﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

 ما الذي يحصل الآن؟ تنافسٌ على جمع الدرهم والدينار، من أجل أن يجمع ثروةً طائلة يبيع دينه كلّه، يضع القيم كلها تحت قدمه، يضع المبادئ السامية تحت قدمه من أجل لعاعةٌ من الدنيا، كما وصفها النبي عليه الصلاة والسلام لا تدوم، فأنا أسمع قصصاً غريبة، فهناك شخص أجرى تحسينات في بيته إلى درجة قصوى لم يترك شيئاً إلا وأدخله لتحسين بيته، وهو في بحبوحة، وبعد ما انتهى بشهر جاءته المنية، فلو أنَّ الدنيا جاءت بالحلال لكانت شيئاً حسناً، لكن أنْ تعصي الله من أجلها، وهي غير باقية فهذه هي الخسارة الكبيرة، تعصي الله من أجلها فتبيع دينك، وتبيع الآخرة بأكملها من أجل سنوات معدودة!!
من يستطيع أن يركِّز وضعه وهو قبل الأربعين سنة على حسب حياتنا المعاصرة؟ فالإنسان من أجل أنْ يأخذ شهادة، وأنْ يشتري بيتاً حتى تخرج عيونه بالطول والعرض، وما أكثر الخطأ في أساساته، إلى أنْ يستقر، أو إلى أنْ يشتري عيادة، أو إلى أنْ يشتري معدات طب الأسنان لعيادته فيصبح في سنّ الأربعين، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ))

[أبو يعلى وابن حبان عن أبي هريرة ]

 وذلك قبل هذه الأزمات القلبية المعاصرة، أما الآن فأصبح بالأربعينات معترك المنايا، وهو في عمر الثانية والأربعين توفى، وفي الثانية والثلاثين جاءته الجلطة، ففي الثانية والخمسين، أو الرابعة والخمسين، أو التاسعة والأربعين، ونحو ذلك، فتابعوا الأخبار أزمات كبيرة جداً، فمن أجل سنوات معدودة نضيِّع آخرة أبدية لا تنتهي فو الله إن هذه لخسارة كبيرة.

التسنيم إما أن تكون شراباً خالصاً للمقربين وإما أن تكون شراباً ممزوجاً للأبرار :

 قال تعالى:

﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ*وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ﴾

 هذا الشراب ممزوج بشراب آخر من تسنيم، والتسنيم كما وصفه الله عزَّ وجل:

﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾

 العلماء استنبطوا أنَّ التسنيم نبعٌ يشرب منه المقرَّبون، يشربونها صرفاً، لكن هذا الشراب؛ الرحيق المختوم يشرب منه الأبرار ممزوجاً مع التسنيم، كما لو أعطينا شخصاً قطعة مذهبة، وشخصٌ آخر أُعطِي قطعة من الذهب الخالص من عيار أربعة وعشرين، فالأولى مذهبة مطلية بالذهب، أما تلك فمن الذهب الخالص، فمن هنا يستنبط أن التسنيم شرابٌ نفيسٌ، نفيس للمقربين، وبعضهم أيضاً استنبط أنَّك في الجنة إما أن تسعد بتجليات الله عزَّ وجل، وإما أن تسعد بما فيها من طعامٍ وشرابٍ وجنَّاتٍ وثمارٍ وحورٍ عين.. إلى آخره من النعيم، فإما أن تسعد به، وإما أن تسعد بجنته، وإما أن تسعد بهما معاً، فهؤلاء الأبرار يسعدون برحيقٍ مختومٍ ممزوجٍ بتسنيم.
 التسنيـم من سَنَمَ، أي المكان العالي، فبعضهم قد أعطاها تفسيراً مادياً، أي المياه المنصبة من مكانٍ مرتفع كالشلال، وبعضهم وجهها توجيهاً آخر، أي النعيم بذات الله عزَّ وجلَّ وهو أرقى درجات القرب.
 والأبرار ينعمون بما في الجنة من حورٍ عين وما فيها من فواكه مما تلذُّ به الأنفس والأعين، وفوق ذلك فهي ممزوجة بتسنيم، فالتسنيم إما أن تكون شراباً خالصاً للمقربين، وإما أن تكون شراباً ممزوجاً للأبرار.

لا يحيط بالله إلا الله عزَّ وجل :

 بالمناسبة، كل ما ذكر عن الآخرة لا ينبغي لنا أن نزيد عليه شيئاً، لأن الآخرة غيبٌ لم يرها أحدٌ، ولا نعرف عنها إلا في حدود ما ذكر الله عزَّ وجل عنها، فالبحث في كيفيَّتها وفي كُنهها وفي حقيقتها بحثٌ غير مُجدٍ، فإذا وُعِد الطالب المتفوِّق بقصر فخم جداً، وهو صادر من أعلى جهة في الدولة، فالطالب بدلاً من أن يضيّع الوقت في السؤال والبحث عن ماهية القصر، وما به من الغرف وعددها، وكم طابقاً، وبأي منطقة يقع؟ وهل له حديقة أو مسبح؟ فبدلاً من أن تفكر في مواصفات القصر فاشتغل حتى تنال القصر، فأيُّهما أبلغ؟ أن تفكر في مواصفاته أم أن تَجِدَّ حتى تناله؟
لذلك ليس للإنسان أي حق في أن يفصِّل، أو يضيف إضافات على ما جاء في كتاب الله، ونحن فيما يتعلَّق بالجنة نبقى في حدود ما ذكر الله عزَّ وجل فقط، لأن الشيء المجدي أن تكون أهلاً للجنة، أن تجتهد في الدنيا حتى تدخل الجنة، هذا هو الشيء المجدي، أمَّا أن تفكِّر في شيء غائبٍ عنك فهذا عبثٌ، فالآخرة لا نعرف عنها إلا ما ذكره الله عزَّ وجلَّ، لكن الله عزَّ وجلَّ تعرف عنه كل شيء من خلال الكون، فيمكنك أن تعرف عن الله الشيء الكثير الكَثير ولكن لا يحيط بالله إلا الله عزَّ وجل، لا يعرف الله حقَّ المعرفة إلا الله:

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

[ سورة البقرة: 255 ]

 لكن من خلال الكون قد تعرف عنه الكثير الكَثير إذاً:

﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ*خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

 وهذا الرحيق المختوم من صفاته أيضاً أنَّ مزاجه من تسنيم، أي أن هذه السعادة في الجنة وهذا التمتُّع بما في الجنة من عطاءات ممزوج بالتجلي الإلهي، كما لو دُعِيتَ إلى حفلة أو إلى وليمةٍ فاخرة، وصاحب البيت أجلسك إلى جنبه ورحَّب بك، وِمن حين لآخر يلتفت نحوك قائلاً: أهلاً وسهلاً، شرَّفتنا يا أخي، والله البيت استنار بقدومك، فهو يأكل طعاماً طيباً كثيراً، وبالإضافة إلى الطعام النفيس هذا الإكرام الترحيبي، فأحياناً الإنسان يأكل وينصرف فهذا إطعام، أما الإطعام مع الترحيب ففيه إكرام.

الأبرار يتنعمون في الجنة بتجليات الله عزَّ وجل وهذا هو ملخص الآيات :

 إذاً فربنا عزَّ وجل في الآخرة بالإضافة لِمَا في الجنة من فواكه وثمار وجنَّات وأنهار، وأنهار من عسل وأنهار من لبن، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، بالإضافة إلى كل ذلك هناك تجليَّات الله عزَّ وجل.
 المقربون مشغولون بالله عمن سواه، الأبرار يتنعمون في الجنة بتجليات الله عزَّ وجل، وهذا هو ملخص الآيات، أي مزاجه من تسنيم، هذه العطاءات ممزوجة بشراب من نوع راقٍ جداً وعالٍ ويُكرَم أيضا بتجليات الله عزَّ وجل، أما المقربون فهم يشربون من هذه العين صرفاً:

﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ* إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾

 سبحان الله!! قد ضربت يوماً مثلاً بسيارات النقل العام قديماً، الذاهبة لحي المهاجرين، فكانت تقف في ساحة المرجة، وتقف باتجاه الشرق، ففي أيام الصيف الحارة يصعد الناس إلى السيارة ليركبوا، فتجد على اليمين شمساً، وعلى اليسار ظلاً، إذا أعمل الراكبُ فكرَه قعد في جهة الشمس، وإذا عطل فكرة دون إعمال قعد في جهة الظل، وهذه السيارة خلال دقائق ستدور دورة حول ساحة المرجة فستنعكس الآية، فمن قعد في هذا الظل تنعَّم فيه دقيقتين، وظل لمدة ثلث ساعة حتى يصل إلى الموقف الأخير تلفحه الشمس، في شهر آب الحار، ومن قعد متعرضاً للشمس دقيقتين، إلى أن دارت السيارة حول الساحة تنعّم بالظل إلى آخر الخط. فإذا صعد شخص إلى السيارة، وجلس في الظل، ورأى من يجلس في الشمس، فقد يضحك عليه، ويتهمه بالجنون، ويقول له: لِمَ لم تقعد هنا؟ ولكن بعد أن تدور السيارة دورة واحدة تنعكس الآية، وتظهر له الحقيقة سافرة.

المؤمن يضحي بسمعته أمام الناس حفاظاً على سمعته أمام الله عزّ وجل :

 الكفار الآن يضحكون من المؤمنين، ويستهزئون بهم، ويسخرون منهم، فالمؤمن لا يحضر الحفلات المختلطة، ولا يذهب إلى الأماكن الجميلة الموبوءة، ولا يحب الاختلاط، ويعصِّب سريعاً، ويقولون عنه: إنه جلف، فلا يصافح ولا يسلِّم على النساء، ولا يروي نكته لفتاة، مثلاً، ويضحكون لتصرفاته، لأنها بلهاء بنظرهم، فقال الله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾

 يقولون: هذا لا يفهم شيئاً، فمن البيت إلى الدكان، ومن الدكان إلى البيت، ولا يقول إلا الله، ويقرأ القرآن، ويقولون له: روِّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلَّت عميت، فهذا يحفظونه، فأهل الدنيا كلَّهم يحفظون هذا الحديث ويأخذونه على غير ما حمله النبي الكريم، روِّحوا القلوب باللهو البريء، أي إذا مزح الإنسان مع أهله، وكان لطيفاً وذكر طرف يلطف مجلس أهله فلا مانع، فإن القلوب إذا كلَّت عميت، لا أن يبل قلبه بمعصية، أو بمسلسل ساقط، أو يبل قلبه بحفلة مختلطة، فبهذا لم يبل قلبه بل نَجَّس قلبه، فبدلاً من أن يبلَّ قلبه نجسه، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ* وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾

 هذا صاحبنا الذي حدثناك عنه هل رأيته؟ يقول هذا سخريةً وغمزاً ولمزاً.

﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ*وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾

 أحياناً يجلس الرجل مع أهله، ويقول: والله اليوم التقينا مع شخص، وعند دخول فتاة لم يصافحها، وضحك الناس عليه، فهو يرى هذا الشيء مضحكاً، وقصة تروى.
 إذا كان أحد المؤمنين قد خشي الله عزَّ وجل، أو لم يقترف معصية، أو خجل، يقولون: لماذا وضع نفسه في موقف حرج؟ لأن رضى الله غالٍ عليه، ولم يرد أن يخرِّب ويفسد علاقته مع الله عزَّ وجل، فضحى بسمعته أمام الناس حفاظاً على سمعته أمام الله عزّ وجل فقد قال:

﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ*وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾

يوم القيامة تدور الدائرة وتنعكس الآية فمن كان يظن أنه في سعادة يصبح في شقاء أبدي:

 أي أن الكافر لا يكفيه أنه كافر بل يريد حمل الناس كلهم على كفره، والمنحرف يريد أن يجعل كل الناس منحرفين، فإذا التقى أحدهم بشخص مستقيم ينكر عليه استقامته، ويقول له: أنت تشدِّدها كثيراً، فليس الأمر بهذه الدرجة، يجب أن تكون وسطاً، كلمات مبهمة ولكن لها معانٍ خطيرة، وقد قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴾

 هؤلاء ليسوا أوصياء عليهم، كل إنسان ينصِّب نفسه وصياً على الناس يكون أحمق، من أنت؟! له رب، له رب يثيبه على عمله، ويقدِّر الليل والنهار وكل حال، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴾

 فهؤلاء الذين ينصِّبون أنفسهم أوصياء على الناس وينتقدونهم على استقامتهم وعلى تمسّكهم بالدين، وعلى ورعهم، قال عليه الصلاة والسلام:

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

 ركعتان، إذاً:

﴿ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ*فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾

 فقد دارت الدائرة، دارت دورة فانعكست الآية، ولقد دارت الدنيا وجاءت الآخرة، فمن كان يظن نفسه في سعادة فقد أصبح في شقاء أبدي، والذي تحمَّل الدنيا قليلاً جاءت الجنة فسعد بالله سعادةً أبدية.

الأمور بنتائجها :

 قال تعالى:

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾

 طبعاً ليس ضحك الشماتة ولكنه ضَحِك الحبور، فحينما كنتُ أصلي، وحينما كنتَ تراني أخاف الله عزَّ وجل، وأحرص على طاعته، وحينما كنت أجلس مجالس العلم كنتَ أنت تستصعب القعود، وتقول لنفسك: أما أنا فأقعد في محل وثير وأرائك لأرتاح، وأسهر وأمزح.. لكن المؤمن يؤثر مجلس العلم، جالساً على ركبتيه، ولا يجد أرائك مريحة، ويقعد ساعة من الزمن يستمع إلى الحق، وغيره مضطجعٌ على أريكة وثيرة يشاهد مسلسلاً تلفزيونياً، ويتناول الشاي والقهوة، ويحضرون له الموجودات في الثلاجة والبراد من الفواكه والتفاح، بينما الآخر في المسجد، فشتَّان بين الاثنين، هذا يمهِّد لنفسه في الآخرة ليسعدها، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألا يا رُبَّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة، ألا يا رُبَّ مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين، ألا يا رُبَّ مهينٍ لنفسه وهو لها مُكرم))

[ السيوطي عن أبي البحير]

 فالأمور بنتائجها، فإذا دخل إنسان إلى الجامعة يجد المقاعد عرضها أربعون سنتيمتراً فقط، ومن الخشب، وظهرها يتخذ زاوية قائمة دون أي تزويق، وأغلب الظن أنه يجد برداً في الشتاء، وحراً في الصيف، وكنا ندرس في الجامعة اليوم الدراسي اثنتا عشرة ساعة في اليوم الواحد، والمحاضرات متلاحقة، فإذا جاء يوم الأربعاء أصيب الإنسان بالملل، فإذا درس طالب بالجامعة خمس أو ست سنوات، وحصل بعد ذلك على الشهادة العليا، وتخصص ثم رجع إلى بلده، فإنه يقبع خلف مكتبه إن كان طبيباً، ويتقاضى من كل مريض عطاءً ينسيه أتعاب أيام دراسته، فيحصل في اليوم على أكثر من خمسة آلاف أو ستة آلاف ليرة، وهذا دخل وفير يرضيه.

إذا تعب الإنسان في الدنيا وبذل جهداً كبيراً سعد في الآخرة إلى أبد الآبدين :

 فبالطبع هو قد درس اثنتي عشرة سنة، وتحمَّل المشاق، فأين كنت أنت تجلس حينها؟ أما أماكن اللهو فمريحة جداً والكرسي فيها وثير ومريح، وفي هذه الأماكن ترفيه كبير، كذلك الدنيا والآخرة، فإذا تعب الإنسان في الدنيا هكذا، وبذل جهداً كبيراً سعد في الآخرة إلى أبد الآبدين:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-9 ]

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 40-41 ]

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ*عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ﴾

 إنه سؤال، لكنَّه يبدو سؤالاً محرجاً: يا أيها الذين كفروا هل كنتم رابحين؟ لا واللِه، هل كنتم فائزين؟ هل كنتم أذكياء؟ لا واللهِ، لقد كانوا حمقى، فبعض الناس ذكاؤهم جزئي، فيمكن أن تجد إنساناً له اختصاص ذكي، ولكنه في الاختصاص الشمولي كان أحمق.
 إذا اعتبرنا أنّ الذكاء نوعان؛ ذكاء جزئي، فكل واحد في عمله وبخبراته واختصاصه وشهاداته ومهنته ذكي وفذّ وخبير، فهذا ذكاء جزئي، ليس له نتائج باهرة، أما الذكاء الشمولي فأن تكون الدنيا والآخرة أمامك هكذا مبسوطتان، فمن آثر دنياه على آخرته كان غبياً بمقياس الذكاء:

﴿ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

 الجواب: نعم، فكل إنسان دفع ثمن عمله غالياً.

مخافة الله والاستقامة على أمره هذا هو الدين كله من دون تعقيد :

 طبعاً هذه السور في الجزء الثلاثين من القرآن، جعلها الله عزَّ وجل قصيرة، لأنَّها ترسِّخ قواعد الإيمان، ففي النهاية العلوم الدينية كثيرة جداً، لكن كل هذه العلوم إن لم تُبْنَ على معرفة الله أولاً، وعلى الاستقامة على أمر الله ثانياً، وعلى العمل الصالح ثالثاً فإنها لا تُجدي، وأساس الدين هذه الطهارة النفسية، وهذا العمل الطيِّب.
 تاجر تأتيه ألف بالة يبيعها، فهو منهمك بين استلامِ الطرود وبين فكّ البالات وأخذ المتراج، وبين شحن البضاعة، وبعد ذلك كان ربحه مئتين من الليرات، فهل هذا معقول؟ يقول لك: حجم العمل مليون ليرة، والربح مئتان فقط، فهذه تجارة خاسرة، فالإنسان في الدنيا عندما يكون حريصاً على أشياء ثانوية، ويهمل الأشياء الأساسية فهذا غير رابح، ولو حصَّل من العلوم الفرعية الكثيرة، لكن لم يحصِّل تطهير النفس وتزكيتها، فالخلاصة خسارة، أما الإنسان عندما يعرف جوهر الدين وهو معرفة الله أولاً، والاستقامة على أمره ثانياً، فمهما حصَّل مما تبقى عليه فهذا جيد، لأنه حصَّل على الجوهر، وأدركه، واغتنى به.
 سيدنا عبد الله بن عمر عندما سأل بدوياً، وقال له: بعني هذه الشاة، فقال: ليست لي، فقال له: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب، وخذ ثمنها، فقال: والله إنني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت له: ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله؟
 هذا البدوي لا يعرف شيئاً من تفريعات الدين، لكن يعرف مخافة الله، والاستقامة على أمره، هذا هو الدين كله من دون تعقيد، فإذا قلت: أين الله في كل أعمالك فأنت ديِّن، وإذا كنت متجاهلاً لله عزَّ وجل في علاقاتك التجارية؛ في بيعك وشرائك، لكنك تصلي الصلاة بأوقاتها، والعبادات تامة، وهناك مخالفات، وأكل مال حرام، وهناك معاصٍ فأنت ما عرفت من الدين شيئاً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((كفى بالمرء علماً أن يخشى الله))

[ البيهقي عن مسروق مرسلا]

 يكفيك علماً أن تخشى الله، والدين منابعه صافية جداً، انظر إلى المياه؛ مياه بردى في جنب النبع ذي الماءِ الفرات المتلألئ الصافي، وانظر في المصب، فيه بقدر ما يأتي من مياه إلى النبع، روافد من مياه آسنة، فشتان ما بينهما، أصبح في الدين خرافات وضلالات وانحرافات ومبالغات كالنهر الآسن. فإذا كنتَ تريد الدين الصحيح فعليك بينابيعه الأولى، وارجع إلى الينابيع الرقراقة، وأحد أكبر هذه الينابيع كتاب الله عزَّ وجلَّ، ودع عنك ما هناك من قصص يتداولها كثير من المسلمين ليس فيها وأضاليل وخرافات، ما أنزل الله بها من سلطان.