موضوعات إسلامية - متفرقة : 050 - من كتاب الفوائد لابن القيم.

2003-07-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

المحبة من لوازم معرفة الله تعالى :

 أيها الأخوة المؤمنون: أنهينا بفضل الله عز وجل في الدرس الماضي سورة النساء، والسورة التي تأتي بعدها هي سورة المائدة، أردت أن نأخذ درسين أو ثلاثة بين السورتين متفرقات لبعض المعاني التي يحتاجها الأخوة الكرام، لبعض كبار العلماء كتاب اسمه ( الفوائد ) وفي هذا الكتاب فوائد كثيرة اخترت من هذه الفوائد بعض الفوائد.
 يقول مؤلف هذا الكتاب وهو ابن القيم الجوزي رحمه الله تعالى، وهو من كبار علماء المسلمين، وله آثار كثيرة جداً وقيمة ونافعة، يقول هذا العالم الجليل: " من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه".
 كأن المحبة من لوازم المعرفة، بل إن المحبة إذا تمت بعد المعرفة هذا من جبلة الإنسان، فقد ورد في بعض الآثار القدسية:

((يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها))

[حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب]

 في أصل جبلة الإنسان أنت مفطور على محبة من أحسن إليك، أنت بأكملك حسنة من إحسان الله، الإحسان الأول أنه أوجدك، والإحسان الثاني أنه أمدك، والإحسان الثالث أنه عرفك به، فهناك نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ونعمة الهدى والرشاد، قد تجد في الحياة الدنيا بعض المصائب، بعض الابتلاءات، هذه ليست هي الأصل، الأصل هو الإكرام.

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[ سورة هود:119]

 الأصل أنه خلقك ليسعدك، الأصل أنه خلقك ليرحمك، هذه حقيقة.

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[ سورة هود:119]

 لكن الإنسان التائة إذا رأى مدرسة تعاقب بعض الطلاب المقصرين يقول: سبحان الله إنما أنشئت هذه المدرسة لتعذيب الطلاب، هذا كلام غير مقبول، المصائب طارئة، المصائب تأتي كعلاجات لانحرافات خطيرة.

من أعجب الأشياء أن تعرف الله ثم لا تحبه :

 كنت أقول دائماً أيها الأخوة مثلاً يوضح حقيقة خطيرة، ونحن في أمس الحاجة لهذا المثل، لو أن أباً عنده ابن في الصف الخامس قال هذا الابن لأبيه لمرة واحدة: لا أحب أن أتابع الدراسة، فجاء هذا الأب وقال له: كما تريد، ولم ينصحه بأية نصيحة، فهذا الابن نام إلى الظهر، وذهب إلى السينما، وعاش مع رفقاء السوء، وسهر إلى أنصاف الليالي، هو في تصوره أنه يحيا حياة مريحة جداً، لا يوجد هموم الدراسة، ولا الدوام، ولا الاستيقاظ المبكر، فلما كبر هذا الابن رأى أصدقاءه بمهن راقية ومتزوجين، تجار، لهم بيوت، لهم أولاد، هو فقير، ينام في الطرقات، حقد على أبيه، إن التقى به يقول له: يا أبتِ لما قلت لك أحب ألا أدرس لمَ لم تضربني؟ لمَ لم تعنفني؟ لمَ لم تركلني بقدمك؟ أنا لا أعلم أنت الذي تعلم، إلى هنا المثل.
الآن دققوا في الآية الكريمة:

﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾

[ سورة القصص: 47 ]

﴿لَقَالُوا﴾

 يوم القيامة.

﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

[ سورة طه : 134]

 فهذا الذي واقع الكمال المطلق أن يقع، ولو أنه لم يقع لكان الله ملوماً، لكن هذا الذي يقع له أثار مزعجة جداً، لكن إن شاء الله تعالى له نتائج طيبة جداً، نحن ندرك السلبيات، ندرك ما يعانيه المسلمون في العالم من ضغط، احتلال، إفقار، إفساد، إذلال أحياناً، لكن الله عز وجل ما دام هذا الذي وقعَ وقع إذاً هناك حكمة مطلقة لما وقع، فأنت مغمور بالنعم ظاهرها معروف، لكن باطنها الابتلاء والمصائب التي لا تروق للإنسان، قال تعالى:

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

[ سورة لقمان : 20 ]

 فمن أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعية ثم تتأخر عن الإجابة، أن يدعوك الله عز وجل إلى الصلاة من خلال الأذان ثم لا تجيب، يدعوك أخ إلى درس علم، يدعوك أخ كريم إلى عمل طيب، إلى طاعة، إلى عبادة، إلى تلاوة، إلى مجلس علم، إلى تعلم قرآن، من أعجب العجب أن تسمع داعية ثم تتأخر في الإجابة، ومن أعجب العجب أيضاً أن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره.

أكبر ربح للإنسان أن يربح الأبد :

 أخ كريم أعجبني منه، يوجد بالكمبيوتر عملية اسمها قص ولصق، وهناك عملية اسمها نسخ ولصق، في عملية النسخ الأصل موجود وهناك نسخة ثانية تنقلها إلى مكان آخر، أنت حينما تعمل عملاً صالحاً، أو حينما تدعو إلى الله، أو حينما تتوسط في فعل خير، لك مثل أجر من فعل الخير، مع الاحتفاظ التام بنصيبه من الله عز وجل، أي الله عز وجل كافأه بمليون وحدة إكراماً لك مثلها.
 الآن هذا الذي دعوته إلى الله لو عمل عملاً استحق عليه مئة وحدة ثانية لك مثلها، مئة مليون وحدة ثالثة لك مثلها، فلذلك الله عز وجل خلقنا لنربح عليه، وأوضح شيء بالربح هو التجارة، تشتري سلعة بواحد تبيعها باثنين، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[ سورة الصف: 10 ـ 11 ]

 تؤمن وتجاهد ولك الجنة، الجنة إلى الأبد، لذلك أكبر خسارة على الإطلاق أن تخسر الأبد، وأكبر ربح على الإطلاق أن تربح الأبد، لذلك أن تعرف قدر الربح في معاملتك ثم تعامل غيره، هذا أيضاً من عجب العجب، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، هذا الذي يقترف المعاصي والآثام ويؤذي عباد الله ألا يعلم أن الله شديد البطش؟!

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

[ سورة البروج : 12]

 ألا يعلم أن كل شيء في جسمه بيد الله عز وجل؟ وأن أي خلل بأعضائه وجسده فضلاً عن أنه يكلف الملايين يجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق؟ وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته.

 

الأنس بطاعة الله :

 أخواننا الكرام ، من القلب إلى القلب، هل هناك واحد منا وأنا معكم أخطأ إلا وشعر بالحجاب مع الله عز وجل؟ تحس بالوحشة، تحس بالضيق، تحس أنك لست مقرباً من الله عز وجل، أي ما من شيء على وجه الأرض يفوق أن تكون في طاعة الله، أن تكون في مرضاته، أن تكون في الإحسان إلى خلقه، يا ربي لا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك، ولا يطيب الليل إلا بمناجاتك، لا يوجد عمل بالأرض يفوق أن تكون في مرضاته، لو أن أهل الأرض جميعاً ستة آلاف مليون مدحوك كل دقيقة ولم يكن الله راضياً عنك لا قيمة لذلك، المؤمن إذا مات أيها الأخوة بكت عليه السماء والأرض، وغير المؤمن إذا مات فرحت بموته السموات والأرض، أليس كذلك؟؟

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ﴾

[ سورة الدخان : 29]

 فالمؤمن عند الله له مرتبة عليه جداً، أولاً أن تعرفه ثم لا تحبه، ثانياً أن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة، ماذا أقول لكم؟ أيها الأخوة صحابي جليل كان شاعراً، عيّنه النبي عليه الصلاة والسلام القائد الثالث في مؤتة، أول قائد رفع الراية فقاتل بها حتى قتل، فجاء دور القائد الثاني- أول قائد سيدنا زيد- الثاني سيدنا جعفر، أمسك بالراية وقاتل بها حتى قتل واستشهد، جاء دور الثالث، الثالث سيدنا عبد الله بن رواحة تردد، أنا عددتهم مقدار بيتين من الشعر قال:

يا نفس إلا تقتلي تموتي  هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت  وإن توليــــــت فقد شــقـــــيت
***

 عشر ثوان، تردد في بذل روحه عشر ثوان، فقال عليه الصلاة والسلام في المدينة:

((أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل وإني أراه يطير بجناحين في الجنة، ثم سكت النبي عليه الصلاة والسلام ))

[مجمع الزوائد وقال : أخرجه الطبراني عن رجل من الصحابة، وانظر حلية الأولياء والسيرة النبوية وتفسير القرطبي]

 فلما سكت قلق أصحابه جداً، قالوا: يا رسول الله ماذا فعل عبد الله؟ قال:

((ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله فقاتل بها حتى قتل وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه ))

[مجمع الزوائد وقال : أخرجه الطبراني عن رجل من الصحابة، وانظر حلية الأولياء والسيرة النبوية وتفسير القرطبي]

 لتردده عشر ثوان في بذل حياته.
 فما بال المسلمين اليوم؟ تدعوه إلى درس علم، تدعوه إلى صلاة، تدعوه إلى صدقة، تدعوه إلى أمر بالمعروف، يعتذر بأنه مشغول، إذاً أن تسمع داعية ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وطاعته بين يديك.

الوصول إلى الله ضمن إمكانات أي إنسان :

 هناك فكرة لطيفة جداً: الأقوياء لا تستطيع أن تصل إليهم، مستحيل، الأقوياء الطغاة ألف ألف مستحيل أن تصل إليهم، أن تقابلهم، لكن ملك الملوك لمجرد أن تقول: يا رب، يقول لك: لبيك يا عبدي، فطاعته بين يديك، والوصول إليه مقدور عليه، وضمن إمكانات أي إنسان، فلذلك أيها الأخوة بإمكانك أن تتصل به، أن تخلص في عبادته، أن تخدم عباده.

((الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله))

[ أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]

الاتصال بالله يملأ القلب سكينة و العكس صحيح :

 الآن: وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته، أي جلسة، في بيت، في مكان، في نزهة، في لقاء، في ندوة، في سهرة، في وليمة، الحديث عن الدنيا، عن الأسعار، عن السياسة، تحس بضيق ما بعده ضيق، لأنه لا يوجد خبر جيد، الأخبار كلها سيئة، وكل شيء نحو الأسوأ في العالم كله، قال عليه الصلاة والسلام:

((لا يأتي زمان إلا الذي بعده شرٌّ منه حتى تلقون ربكم ))

[ البخاري عن أنس]

 تجلس في مجلس تذكر الله عز وجل، تذكر الدار الآخرة، تذكر كمال الله وكمال رسوله، وتذكر بطولة أصحابه، تشعر بالانشراح، قال: وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته.
 يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني ، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره، ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه، تتعلق بإنسان، الإنسان لئيم، الإنسان ليس عنده ما يمدك به من سعادة، لكنك إذا اتصلت بالله عز وجل امتلأ قلبك سكينة، مهما بالغت بالقرب من إنسان، إذا إنسان من أهل الدنيا، بيته فخم، ثروته ضخمة لكن لا يملك أن يسعدك، بينما أي مؤمن موصول بالله عز وجل أثر الراحة النفسية في معاملته واضحة جداً، في القلب خلوة لا يملؤها المال، ولا المجد، ولا المنصب، ولا اللذائذ، ولا الشهوات، لا يملؤها إلا الإقبال على الله، لذلك تجد أناساً في قمم النجاح في الدنيا يبحثون عن مجلس علم، عن عمل صالح، عن شيء يتقربون به إلى الله عز وجل.

حاجة الإنسان الشديدة إلى الله عز وجل :

 قال: وأعجب من هذا كله علمك أنه لابد لك منه، أي من ألطف ما قرأت عن اسم العزيز أن اسم العزيز باللغة يعني الشيء يندر وجوده فهو عزيز، تشتد الحاجة إليه فهو عزيز، يصعب الوصول إليه فهو عزيز، أما الله عز وجل ولله المثل الأعلى فعزيز لأنه لا شبيه له، واحد أحد، فرد صمد.

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

[ سورة الشورى: 11 ]

﴿لَا شَرِيكَ لَهُ ﴾

[ سورة الأنعام: 163 ]

 وعزيز لأنه يحتاجه كل شيء في كل شيء، وعزيز لأنه يستحيل أن تحيط به.
 أعجب من هذا علمك أنه لا بد لك منه، وأنك أحوج شيء إليه، وأنت عنه معرض، وفيما يبعدك عنه راغب، هذه أشياء عجيبة أعجب منها أن توقن أنك محتاج له في كل شيء لكنك لا تقبل عليه، وأنك لو ابتعدت عنه كان الشقاء بأكمله ثم تبتعد عنه، هذا الكلام ينقلنا إلى شيء اسمه الإرادة، أي هناك مشكلة يعاني منها بعضهم قناعاته جيدة، إدراكه جيد، عقيدته سليمة، لكن همته ضعيفة، أن تنقله إلى صواب ما يعتقد، تكلمت اليوم في الخطبة أكبر الكبائر تبدأ بخاطرة، تأتيه خاطرة لا ترضي الله إن لم يدفعها ويستعذ بالله منها انقلبت إلى فكرة، صار هناك تفاصيل، صار هناك وسائل، صار هناك معطيات، كانت خاطرة فأصبحت فكرة، الفكرة إن لم تستعذ بالله منها، إن لم تتبرأ منها، انقلبت إلى همة و إرادة، والهمة والإرادة إن لم تتابع إبعادهما عن نفسك انقلبتا إلى شهوة، والشهوة تنقلب إلى فعل، والفعل إذا داومت عليه انقلب إلى عادة، والعادة يحشر الإنسان عليها، خاطرة، فكرة، هم، شهوة، فعل، عادة، والإنسان إذا اعتاد المعصية واعتاد التفلت من الصعب جداً وقد أهمل نفسه، مراحل كثيرة.

 

الاستغناء بالله لأنه خير حافظاً :

 هناك حكمة أخرى: يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:" إذا استغنى الناس بالدنيا استغن أنت بالله" كنا أدعو وأقول: اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا برضوانك.
 أحياناً إنسان يقول لك: هذه الأرض ارتفع سعرها مئة ضعف، لا أبيعها بثمانين مليوناً، يتصدر المجلس، يتفوه بهذه الكلمات وكأنه ملك الدنيا والآخرة.
 قال: كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا برضوانك، إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغنِ أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا قل لي ما الذي يفرحك أقل لك من أنت، الذي يفرح بالدنيا من أهل الدنيا، والذي يفرح بالآخرة من أهل الآخرة، الذي يفرح بالطاعة من أهل الطاعات، والذي يفرح بالمعصية من أهل المعاصي، الذي يفرح بمال حرام اكتسبه فهو ساقط من عين الله عز وجل. تروي الآثار الطيبة القدسية: "أن يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا ربي أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك"
آباء كثيرون اتقوا الله في كسب أموالهم فحفظ الله لهم أبناءهم من بعدهم.
 يقول لعبد آخر: "عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ فقال: يا ربي لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله عز وجل: إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم"
 تروي بعض الكتب أن الميت حينما ترفرف روحه فوق النعش، يقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي.
 يروى أنه ما من بيت إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا وجد أن العبد قد انتهى رزقه، وانقطع أجله، ألقى عليه غمّ الموت فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والصارخة بويلها، والممزقة شعرها، يقول: فيم الفزع؟ ومم الجزع؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قربت له أجلاً، وإن لي فيكم لعودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدا، فو الذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم ، فإذا استغنى الناس بالدنيا استغن أنت بالله، يا ربي ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ إذا استغنى الناس في الدنيا استغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا تفرح أنت بالله.

﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾

[ سورة الرعد: 36 ]

﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

[ سورة يونس: 58 ]

 يفرحون بفضل الله عز وجل، بنفس المؤمن من الغنى ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم، كنت أقول الله عز وجل قال:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

 الإله العظيم.

﴿ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

 أكبر رقم يملكه شاب بالأربعينات هذا بلكيت، تسعون مليار دولار، مشمول بهذه الآية:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة : 38]

 آية ثالثة:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

 يقول لك الله عز وجل:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

 الإله العظيم يقول لك: إذا تعلمت ما لم تكن تعلم عرفتني وعرفت حقيقة الدنيا وحقيقة الطاعة والعمل الصالح فقد نلت شيئاً عظيماً.

الاعتزاز بالله لأنه غاية العز و الرفعة :

 أخواننا الكرام: دائماً هناك إنجاز ينتهي عند القبر، مهما كان كبيراً، حالات كثيرة والله انتهت إلى سمعي هي غريبة، أخ من أخواننا يقيم بعض الأبنية بمصيف من مصايف دمشق، إنسان اشترى بيتاً انتقى أكبر مساحة، بقي سنتين أو أكثر يعطيه توجيهات بكسوة البيت، الرخام إيطالي، والمنجور من أعلى نوع، شرفات مطلة وواسعة، والمطبخ، والحمام، والصالونات، فالنتيجة بقي سنتين يعطيه توجيهات، إلى أن أصبح البيت جاهزاً للسكن، فقال له: أنا الخميس إن شاء الله سأسكن في البيت، لكن ينقصنا منظم، طلب منه منظم كهرباء، فالخميس هيأ المنظم، لم يأتِ، الجمعة تركه، السبت خبره، قالوا له: والله قد توفي، أي في حالات كثيرة جداً جمع ثروات طائلة انتهت حياته بثانية، أخ يجلس معنا بعد الخطبة دائماً من عشر سنوات، فجأة اتصل به ابنه رحمه الله وآنسه وأدخله فسيح جنانه، قال لي: والدي في المشفى، خثرة في الدماغ، سبات، ثم انتقل إلى رحمة الله عز وجل، مغادرة سريعة.
أخ ثان تناول طعام الغداء كان العصر مدفوناً، أخ ثالث صلى الظهر في المسجد العصر كان مدفوناً، أي الدنيا سريعة المغادرة.

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

 ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت. إذاً إذا استغنى الناس في الدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، الله عز وجل ترون كيف ينزع الملك ممن يشاء، إنسان يخافه كل الناس لدرجة غير معقولة فإذا به يعرض على الملأ، أين هيبته؟ أين قوته؟ أين جبروته؟ أين؟ الإنسان في قبضة الله، بأي لحظة يرد إلى أسفل سافلين.
 قال: وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة الآن شيء طبيعي جداً، يقول لك: هذا فلان، هذا مهم معي رقم تلفونه معي، ما شاء الله، يعتز بأشخاص، وإذا أحبّ الله أن يؤدبه لا يجده عندما يتصل به، بساعة حرجة خارج التغطية، لم نستفد شيئاً، إذا اعتز الناس بالأقوياء، إذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله، وتودد إليه، تنل بذلك غاية العز والرفعة.

الإسلام إن خلا من الحب فهو ثقافة لا غير :

 أيها الأخوة هذه كلمات مقبولة لطيفة، لكن فرق كبير بين أن تفهمها وبين أن تطبقها، التطبيق يجعلك متألقاً، اسمحوا لي بهذا المثل ذكرته كثيراً، أنت ممكن أن يكون على طاولة خارطة لقصر، أعجبتك مساحة الغرف خمسة أمتار بثمانية ممتاز، أعجبتك الشرفات، إطلالة جميلة، أعجبك الصالون الضخم، أعجبتك الحديقة، لكن هذا ورق وليس قصراً، هذا ورق، هذا القصر لا يسكن، هناك أشخاص دينهم ورق، معلومات، ولكن لا يعيشوا هذه الميزات، أما حينما يستقيم على أمر الله فيصبح قصره قصراً، وليس قصر ورق، ممكن أن تأخذ أنت ما يسمونه كتالوك سيارات، هذه والله تأخذ العقل، انظر لهذا اللون ما أجمله، خمري وضعوها أمام ورود حمراء، هذه بترولي، هذه لونها جردوني، سيارة جميلة جداً وميزاتها رائعة والتابلو والمحرك، هذا ورق، أما أن تملك هذه السيارة وأن تركبها فهذا شيء آخر، فشتان بين أن يكون عندك معلومات عن الدين كجميع المسلمين، معلومات، لكن أنت لا تذوق طعم الإيمان، لا تذوق طعم القرب، لا تذوق طعم السكينة، لا تذوق طعم الحب، يقول بعض الشعراء:

لَـوْ قالَ تِيهاً قِفْ على جَمْر الغَضا  لَـــــوَقَفْتُ مُـمْتَثِلاً ولـم أتـوَقّــف
أوْ كـان مَنْ يرضى بخدّي موْطِئاً  لَـوَضَعْتُهُ أرْضـاً ولـم أستنكِف
***

 الحب يفعل العجائب، فالإسلام عندما يخلو من الحب يصبح ثقافة كمعلومات، ويصبح فلكلوراً كعادات، يقول لك: تراث إسلامي، رأيت هذه الأقواس إسلامية لكن لا يوجد إسلام، أرأيت إلى هذه الزخرفة الإسلامية؟ يعتني بالزخرفة والأقواس، نحن بلد إسلامي كله زوايا قائمة، بالمدينة المنورة فعلاً الأبنية كلها على النمط الغربي، نمط أمريكا في الأبنية، كلها ناطحات سحاب وعالية، المدينة تريد نمطاً إسلامياً، هناك أقواس وزخارف، فيصبح همنا بالدعوة أنماطاً إسلامية، لا أنماط السلوك الإسلامية، فالإنسان عندما يهتم بالظواهر، إذا ألغيت المحبة وألغي العمل الصالح والاستقامة بقي الدين ثقافة زائد فلكلوراً، معلومات يتبجح بها الناس مع فلكلور كعادات يألفها يسمى ثقافة إسلامية أو يسمى فلكلوراً.

الأنس بالله في الجلوة و الخلوة :

 أيها الأخوة الكرام ، آخر فقرة من فوائد هذا العالم الجليل يقول: " من فقد أنسه بالله بين الناس، ووجده بالوحدة فهو صادق ضعيف" أي مع الناس لا يحس بهذا الأنس بالله، لكن وحده إذا صلى، وقرأ القرآن، أو ذكر الله يشعر بأنس، قال: " هذا صادق لكنه ضعيف، ومن وجده بين الناس فقده في الخلوة فهو معلول" عنده مشكلة، مع الناس مقبل على الله يتحدث بطلاقة، يتأثر ويؤثر، لكن وحده قليل أن يكون له هذا الأنس فهو معلول، عنده مشكلة، "ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت- لا مع الناس ولا لوحده، لا يوجد أنس بالله إطلاقاً- فهو ميت مطرود، ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوي" يستأنس بالله في خلوته ويستأنس بالله مع الناس، هذا أعلى شيء، الأقل مع الناس لا في الخلوة، في الخلوة لا مع الناس، أما لا مع الناس ولا في الخلوة فهو ميت مطرود من رحمة الله عز وجل.
 إن شاء الله بعد درس أو درسين أو ثلاثة ثم نستأنف تفسير سورة المائدة إن شاء الله تعالى.